في مثل هذا اليوم27سبتمبر1990م..بقلم سامح جميل..

في مثل هذا اليوم27سبتمبر1990م..
الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بلة يعود للجزائر بعد 9 سنوات في المنفى.
أحمد بن بلّة (25 ديسمبر 1916 -11 أبريل 2012)، أول رؤساء الجزائر بعد الاستقلال، من 15 أكتوبر 1963 إلى 19 يونيو 1965. ناضل من أجل استقلال البلاد عن الاحتلال الفرنسي، وشارك في تأسيس جبهة التحرير الوطني في عام 1954 واندلاع الثورة التحريرية. فاعتبر «رمزاً وقائدا لثورة أول نوفمبر… وزعيمها الروحي». وبعد الاستقلال أصبح أول رئيس للجزائر المستقلة حتى انقلب عليه وزير الدفاع هواري بومدين.

عودته للجزائر
شكلت الأزمة الاقتصادية والاحتقان السياسي الذان شهدتهما الجزائر في النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين، دوافع لانتفاضة شعبية لقبت بخريف الغضب انفجرت في 5 أكتوبر 1988. فما كان من نظام الرئيس الشاذلي بن جديد إلى الدفع بتغييرات عميقة لنظام الحكم، كفتح النشاط السياسي على تعددية الحزبية بمقتضى دستور 1989 والانتقال من الاقتصاد الاشتراكي إلى اقتصاد السوق.

في ظل هذا المناخ الجديد، عاد أحمد بن بلة إلى الجزائر بتاريخ 29 سبتمبر 1990 (أو الخميس 27 ديسمبر 1990) على متن باخرة أقلعت من إسبانيا وبرفقته مئات الشخصيات الجزائرية والعربية والأجنبية. في الجزائر، واصل معارضته للنظام الجزائري وأسس حركة من أجل الديمقراطية. وفي انتخابات 26 ديسمبر 1991 التشريعية التي الغيت لاحقا، لم يحقق حزب أحمد بن بلة أي نجاح يذكر أثناء. وعلى الرغم من ذلك فإنّ أحمد بن بلة اعترض على إلغائها وطالب بالعودة إلى المسار الانتخابي. كما اعتبر المجلس الأعلى للدولة (الذي تشكل بعد إلغاء الانتخابات ودفع الرئيس الشاذلي بن جديد للاستقالة) «سلطة غير شرعية».

في أجواء إيقاف المسار الانتخابي سنة 1992 وحل السلطة الجزائرية لحزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ وتدهور الحالة الأمنية، غادر بن بلة الجزائر مجددا متوجه إلى سويسرا. لكنه ومافتئ هناك يطالب بالمصالحة الوطنية كحل لإخراج البلاد من أزمتها السياسية والأمنية. شارك في حوارات سانت إيجيديو في روما أواخر 1994 وأوائل 1995 للبحث عن صيغة لحل للمشكلة السياسية في الجزائر. وكان من بين الموقعين على اللائحة السياسية أو ما سمي بـ «عقد روما» والذي تضمن دعوة للنظام الجزائري إلى التحاور والمصالحة الوطنية.

في سنة 1997، حلت السلطات الجزائرية حزب بن بلة «حركة من أجل الديمقراطية» وهو حال عدة أحزاب أخرى.

طالع أيضًا: المصالحة الوطنية وحالة الطوارئ في الجزائر
اعتزال السياسة
بقدوم عبد العزيز بوتفليقة إلى سدة الحكم في الجزائر وانتهاجه لسياسة المصالحة والوئام المدنيين، ناصره بن بلة وعاد مجددا إلى البلاد. ساهم أيضا في إقناع جبهة الإنقاذ بترك السلاح كما ساهم في الدفاع عن حقوق بعض التائبين وفق الاتفاقات الموقعة مع النظام الجزائري.

في هذه المرحلة تجنب بن بلة السياسة الداخلية لبلده، وراح يدافع عن قضايا عربية مثل العراق وفلسطين. وقد سبق له أن زار العراق بعد حرب الخليج الثانية 1991 وقابل الرئيس صدام حسين. كما طالب برفع الحظر المفروض على العراق وكوبا.

رغم سنه المتقدم، إلا أنه عرف بنشاطه الدائم. فقد كان عضوا في لجنة الرعاية لمحكمة راسل حول فلسطين، وترأس اللجنة الدولية لجائزة القذافي لحقوق الإنسان. كما اختير ضمن لجنة حكماء أفريقيا التابعة للاتحاد الإفريقي وترأسها سنة 2007، في إطار مبادرات لتسوية النزاعات وتفادي الأزمات التي تصيب دول القارة الإفريقية. إضافة إلى نشاطاته وعلاقاته القومية خلال فترته الرئاسية، شارك بن بلة في نشاطات المؤتمر القومي العربي.
توفي أحمد بن بلة يوم 11 أبريل 2012 في الجزائر عن 96 عاما في منزل أسرته بمدينة الجزائر وكان قد نقل إلى المستشفى مرتين قبل أكثر من شهر من وفاته بعد إصابته بوعكة صحية. قال محمد بن الحاج (كاتب سيرته) لوكالة الصحافة الفرنسية إن الرئيس الراحل «كان بخير الثلاثاء، لكنه شعر فجأة بإرهاق وصعد إلى غرفته لينام، ثم توفي بعد ظهر الأربعاء خلال نومه، وكانت إلى جانبه ابنتاه (بالتبني) مهدية ونورية». وقد أعلنت الحكومة الجزائرية الحداد في البلاد لمدة ثمانية أيام لوفاته.

نشأ بن بلة وترعرع في وسط فقير حال كل الجزائريين في أوائل القرن العشرين. انتبه مبكراً إلى الفوارق بين حال الجزائريين أصحاب الأرض والمستعمرين الغُرب الذين استولوا على الأرض ونهبوا خيراتها واسترقوا العباد. شارك في الحرب العالمية الثانية وأبدى من الشجاعة ما شهد له بها حتى خصومه، ولكن بعد عودته وجد نفسه العائل الوحيد لأهله بعد وفاته أبيه وإخوته. لم يمنعه ذلك من السعي في تحسين أمور كل الجزائريين فانضم مبكراً للحركات النضالية السياسية ثم الجهادية بعد أن تأكد أن الاستقلال ينتزع بالقوة. ساهم في استقلال الجزائر عن الاستعمار الفرنسي ثم في تحرير بلده من الجهل والفقر والتبعية. رغم سنوات حكمه القليلة وفترة سجنه الطويلة في زنزانات المحتل ثم الرفيق، إلا أن عزمه لم يكل. فعرف بدفاعه عن القضايا العادلة في العالم كله وتصديه لأنواع الاستعمارات الظاهرة والمخفية.

كان بن بلة رجلاً ثوريا، مناضلا وسياسياً ومدافعا عن حقوق الإنسان. يصنف كعروبي وداعم للقضايا العربية وضمن دعاة وحدة المغرب العربي. يصفه أحد المؤرخين بأنه شخصية كبيرة ومبتسمة وبشوشة وغير ملتزمة كثيراً بالبروتوكولات. الجالس معه يحس بالراحة لبساطته وإشعاره لغيره بأنه يوافقهم الرأي أو متفهم لمواقفهم وكأنه في مكانهم. لكن عند التعارض معه من دون طريقة سلمية لفض المشكلة، فإنه قد يتحول لشخص شرس وفض.

ومثلما جلبت له أدواره إعجاب البعض من الناس، فقد نال أيضاً من سخط الآخرين. فالبعض عارض اتجاهه العروبي والإسلامي والاشتراكي والبعض حمله كل وزر فترة حكمه رغم أنه لم يكن صاحب القرار الوحيد.!!

سامح جميل
سامح جميل
المقالات: 30105

اترك ردّاً