في مثل هذا اليوم28سبتمبر2000م..بقلم سامح جميل….

في مثل هذا اليوم28سبتمبر2000م..
بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية بعد دخول وزير الدفاع الإسرائيلي أرئيل شارون لحرم المسجد الأقصى.
الانتفاضة الفلسطينية الثانية أو انتفاضة الأقصى، اندلعت في 28 سبتمبر 2000 وتوقفت فعلياً في 8 فبراير 2005 بعد اتفاق الهدنة الذي عقد في قمة شرم الشيخ والذي جمع الرئيس الفلسطيني المنتخب حديثاً محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون، وتميزت هذه الانتفاضة مقارنة بسابقتها بكثرة المواجهات مسلحة وتصاعد وتيرة الأعمال العسكرية بين المقاومة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي، راح ضحيتها حوالي 4412 فلسطينيًا و48322 جريحًا. وأما خسائر الجيش الإسرائيلي تعدادها 334 قتيل ومن المستوطنين 735 قتيل، وليصبح مجموع القتلى والجرحى الإسرائيليين 1069 قتيل و4500 جريح، وعطب 50 دبابة من نوع ميركافا ودمر عدد من الجيبات العسكرية والمدرعات الإسرائيلية. ومرت مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة خلالها بعدّة اجتياحات إسرائيلية منها عملية الدرع الواقي وأمطار الصيف والرصاص المصبوب. كانت شرارة اندلاعها دخول رئيس الوزراء الإسرائيلي «الأسبق» أرئيل شارون إلى باحة المسجد الأقصى برفقة حراسه، الأمر الذي دفع جموع المصلين إلى التجمهر ومحاولة التصدي له، فكان من نتائجه اندلاع أول أعمال العنف في هذه الانتفاضة. يعتبر الطفل الفلسطيني «محمد الدُرّة» رمزًا للانتفاضة الثانية فبعد يومين من اقتحام المسجد الأقصى، أظهر شريط فيديو التقطه مراسل قناة تلفزيونية فرنسية في 30 سبتمبر/أيلول 2000، مشاهد إعدام للطفل (11 عامًا) الذي كان يحتمي إلى جوار أبيه ببرميل إسمنتي في شارع صلاح الدين جنوبي مدينة غزة.

تميزت الانتفاضة الثانية بكثرة المواجهات بين الفصائل الفلسطينية والجيش الإسرائيلي، وتصاعدت وتيرة الأعمال العسكرية بين الطرفين، فنفذت الفصائل الفلسطينية العديد من العمليات الاستشهادية داخل المدن الإسرائيلية، فاستهدفت نقاط التفتيش الأمنية والمطاعم والحافلات، فتسببت بمقتل مئات الإسرائيليين، ووصلت ذروته عام 2002 بمعدل 22 من الوفيات شهريا.

يعتبر الكثيرون قمة شرم الشيخ في 8 فبراير 2005 نهاية الانتفاضة الثانية. باتفاق الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون على أن جميع الفصائل الفلسطينية ستوقف جميع أعمال العنف ضد الإسرائيليين في كل مكان، بينما توقف إسرائيل كل نشاطها العسكري ضد الفلسطينيين في كل مكان. كما أكدوا مجدداً التزامهم بخريطة الطريق لعملية السلام. وافق شارون على إطلاق سراح 900 أسير فلسطيني من بين 7500 محتجز في ذلك الوقت، والانسحاب من مدن الضفة الغربية التي أعيد احتلالها خلال الانتفاضة، إلا أن مراقبين يرون أن الانتفاضة الثانية لم تنته لعدم توصل الفلسطينيين والإسرائيليين إلى أي حل سياسي، واستمرار المواجهات في مدن الضفة.
بدءاً من نهاية عام 1999 ساد شعور عام بالإحباط لدى الفلسطينيين لانتهاء الفترة المقررة لتطبيق الحل النهائي بحسب إتفاقيات أوسلو والشعور بالإحباط بسبب المماطلة وجمود المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بعد مؤتمر قمة كامب ديفيد، وتوضّح أن محاولة «إسرائيل» بدعم من الولايات المتحدة فرض حل على الفلسطينيين بعيداً عن قرارات الشرعية الدولية (242,338,1397)، ذلك بالإضافة إلى عدم تطبيق الصهاينة «إسرائيل» للعديد من الجوانب التي تم الاتفاق عليها في أوسلو أو الاتفاقيات والمفاوضات اللاحقة. واستمرار الصهاينة «إسرائيل» في سياسة الاغتيالات والاعتقالات والاجتياحات لمناطق السلطة الفلسطينية ورفض الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين. بالإضافة إلى استمرار بناء المستوطنات واستبعاد عودة اللاجئين واستبعاد الانسحاب لحدود حزيران 1967، جعل الفلسطينيين متيقنين بعدم جدوى عملية السلام للوصول إلى تحقيق الاستقلال الوطني.

بالجانب الإسرائيلي، طبق بنيامين نتنياهو بعض ما في اتفاق واي ريفر/١ ولم يطبق بعضه الآخر، فاستلم الحكم حزب الليكود بزعامة إيهود باراك واستأنف عملية السلام، فلجأ إيهود باراك إلى رأي المستوطنين المعتدلين، وحصل على اتفاق لتفكيك 12 بؤرة استيطانية جديدة تم بناؤها منذ اتفاقية واي ريفر في تشرين الثاني (نوفمبر) 1998، لكن التوسيع المُستمر للمستوطنات القائمة مع وجود خطط لبناء 3000 منزل جديد في الضفة الغربية، قوبلت بإدانة شديدة من القيادة الفلسطينية. على الرغم من السماح بالبناء داخل المستوطنات القائمة بموجب اتفاقيات أوسلو، إلا أن المؤيدين الفلسطينيين يؤكدون أن أي بناء مستمر يتعارض مع روحها، وأضر بنتيجة مفاوضات الوضع النهائي، وقوض ثقة الفلسطينيين في رغبة باراك في السلام. تعثرت عملية السلام وانطلقت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، فاستغل باراك تفجيرات ١١ سبتمبر ليجعل من حرب أميركا على الإرهاب حربا على كل اتفاقات السلام المعقودة مع الفلسطينيين.
في 28 سبتمبر 2000 ، قام أرئيل شارون وأعضاء من حزب الليكود، جنبا إلى جنب مع 1000 حارس مسلح، بزيارة المسجد الأقصى وتجول في ساحاته، وقال ان «الحرم القدسي سيبقى منطقة إسرائيلية» مما أثار استفزاز المصلين الفلسطينيين وتسبب بمظاهرة كبيرة من الفلسطينيين احتجاجا على هذه الزيارة، وبدأ الفلسطينيون من الحرم القدسي برمي الحجارة على الشرطة الإسرائيلية. التي قامت بإطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي على الحشد مما أسفر عن مقتل 7 شهداء وجُرح 250 وأُصيب 13 جندي إسرائيلي وكانت هذه بداية أعمال الانتفاضة. ومع بداية انتفاضة الأقصى، أسس ما يعرف بلجان المقاومة الشعبية والتي شكلت جناحًا عسكريًا أطلقت عليه ألوية الناصر صلاح الدين، وفيه نشطاء من فصائل مختلفة جلهم من فتح وبعضهم من حماس والجهاد الإسلامي. يرى بعض المعلقين، نقلاً عن خطب لاحقة من قبل مسؤولين في السلطة الفلسطينية، وخاصة عماد الفالوجي وعرفات نفسه، أن الانتفاضة كانت مُخططة مسبقا قبل أشهر من هذه الزيارة، ربما في يوليو أو تموز عند عودة ياسر عرفات من محادثات كامب ديفيد.

وقعت حادثة قتل الصبي محمد الدرة في شارع صلاح الدين بقطاع غزة في الثلاثين من سبتمبر عام 2000، في اليوم الثاني من انتفاضة الأقصى، وسط احتجاجات امتدت على نطاق واسع في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية. والتقطت عدسة المصور الفرنسي شارل إندرلان المراسل بقناة فرنسا 2 مشهد احتماء جمال الدرة وولده محمد البالغ من العمر اثنتي عشرة عامًا، خلف برميل إسمنتي، بعد وقوعهما وسط محاولات تبادل إطلاق النار بين الجنود الإسرائيليين وقوات الأمن الفلسطينية. وعرضت هذه اللقطة التي استمرت لأكثر من دقيقة، مشهد احتماء الأب وابنه ببعضهما البعض، ونحيب الصبي، وإشارة الأب لمطلقي النيران بالتوقف، وسط إطلاق وابل من النار والغبار، وبعد ذلك ركود الصبي على ساقي أبيه. وبعد تسع وخمسين ثانية من البث المبدئي للمشهد في فرنسا، بتعليق صوتي من رئيس مكتب فرنسا 2 بإسرائيل، شارل إندرلان، الذي لم يشاهد الحادث بنفسه، ولكنه اطلع على كافة المعلومات المتعلقة به، من المصور عبر الهاتف، أخبر إندرلان المشاهدين أن محمد الدرة ووالده كانا «هدف القوات الإسرائيلية من إطلاق النيران»، وأن الطفل قد قُتِل. وبعد التشييع في جنازة شعبية تخلع القلوب، مجّد العالم العربي والإسلامي محمد الدرة باعتباره شهيدًا.

أعلنت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية إضرابا شاملا في الأول من أكتوبر. كان الإضراب احتجاجا على وضع الأقلية العربية في إسرائيل والأحداث الأولى في الانتفاضة. كانت المظاهرات سلمية في البداية لكنها تطورت في مختلف البلدات إلى هبات غضب وإغلاق بعض الشوارع والقاء الحجارة. كانت النتيجة الخراب في الكثير من المناطق وسقوط القتلى. وكان اليوم الثاني للمظاهرات 2 أكتوبر، هو الأكثر دموية، فهبت الجماهير غضبا على مقتل ثلاثة ضحايا في اليوم الأول وانتشرت المظاهرات العنيفة وأعمال الشغب وأُغلِقت طرق رئيسية وخرجت الأمور تماما عن سيطرة قوات الأمن الداخلي. استمرت المظاهرات في اليوم الثالث ولكن وتيرتها انخفضت وساد الهدوء لثلاثة أيام قبل رجوع المظاهرات من جديد بسبب شحن الأجواء بعد اختطاف حزب الله لثلاثة جنود إسرائيليين في السابع من أكتوبر وإشعال الأمر لمظاهرات مضادة في الوسط اليهودي، فشارك الآلاف من اليهود الإسرائيليين في أعمال عنف في تل أبيب وأماكن أخرى، وفي 8 أكتوبر، وقام بعضهم بإلقاء الحجارة على الفلسطينيين وتدمير الممتلكات وترديد «الموت للعرب». هدأت الأجواء بعد الثامن من أكتوبر وتوقفت المظاهرات عمليا في العاشر من أكتوبر.

وفي 12 أكتوبر 2000 ، قُتِل جنديين إسرائيليان في رام الله عندما قام فلسطينيون بقتل جنديي احتياط في جيش الاحتلال الإسرائيلي دخلا عن «طريق الخطأ» مدينة رام الله الخاضعة لسيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية وسط الضفة الغربية. كانت الشرطة المدنية الفلسطينية قد احتجزتهما في مركز شرطة مدينة البيرة لكن حشدا من الفلسطينيين الغاضبين الذين كانوا في جنازة شاب فلسطيني قتلته إسرائيل هاجم مركز الشرطة وقتل الجنود المحتجزين. وبتاريخ 8 نوفمبر 2000، قُتل الطفل الفلسطيني فارس عودة على يد الجيش الإسرائيلي قرب معبر المنطار (حاجز كارني) شرق قطاع غزة بينما كان يرمي الحجارة خلال الشهر الثاني من الانتفاضة، ويذكر بكونه تصدى لدبابة إسرائيلية بحجارته الصغيرة وأثارت هذه الصورة المجتمع الدولي وتصدرت صفحات الصحف والمجلات العالمية حينها.
تصاعدت الاشتباكات بين القوات الإسرائيلية والفلسطينيين بشكل حاد في 1 نوفمبر، عندما قُتل ستة فلسطينيين وثلاثة جنود إسرائيليين، وجُرح 140 فلسطينيًا وأربعة جنود إسرائيليين. في الأيام اللاحقة، ازداد عدد الضحايا، مع وقوع اشتباكات كل يوم في نوفمبر / تشرين الثاني. قُتِل ما مجموعه 122 فلسطينيا و 22 إسرائيليا. وفي محاولة أخيرة من قبل إدارة كلينتون لتحقيق اتفاق سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين (خلال الأسابيع الأخيرة للانتقال الرئاسي من بيل كلينتون إلى جورج دبليو بوش)، عرض كلينتون مُقترحات تقريب المواقف عُرِفت بـ «معايير كلينتون»، وكان القصد من معايير كلينتون أن تكون أساسًا لمزيد من المفاوضات. أكد البيت الأبيض في اليوم التالي في بيان جاء فيه أن «الجانبين تقبل الآن أفكار الرئيس مع بعض التحفظات»، لكن بعد ثلاثة أسابيع من الرد الفلسطيني، انعقدت قمة طابا وكان الوقت انتهى قبل انتخابات رئاسة الوزراء الإسرائيلية عام 2001.!!

سامح جميل
سامح جميل
المقالات: 30105

اترك ردّاً