قراءة في القصة القصيرة
( فجر الطين )
للأديبة المبدعة ( صديقة علي )
تحمل قصة ” فجر الطين ” بمضامينها روح الكاتبة ” صديقة علي” بامتياز، إنها الإنسانة المحبة لأرضها، المضحية لأجلها.
تستمدّ من الأرض بساطتها وطيبتها، خصوبتها وكرمها، كبرياءها وعزة نفسها . إنها الثمانينية في العمر، تتحدّى بشجاعة متكئة على عصاها، وهي المنغرسة في هذه الأرض حتى الرمق الأخير . ترفض أن تبوح بوجعها لابنها، فيأخذها معه إلى المدينة لتسكن بعيداً عن أرضها وبيتها .
ولاتنسى الكاتبة وسْط موجة آلامها أن تشير إلى همّ اجتماعي وهو مواعيد الريّ الظالمة في القرية، تقول : ” أستحق ما أنا فيه، مالي ومواعيد الري الظالمة، دائماً يفوتنا ريّ الغراس، لأنهم يخصّصون لقريتنا ريّاً ليلياً ” .
جملةٌ من الآلام والصعاب تعترض شخصية الأم في القصة لاسيما بعد تقدّمها في السنّ؛ نظرها الضعيف جعلها تتوه بأرضها، أرضِها التي لطالما مشت فيها، وعرفت رائحة أشجارها، أرضها التي ألِفتْ ذرات ترابها ذرةً ذرةً .
سخرية القدر جعلتها لا تميّز حتى رائحة النعناع، ليس البصر والشم فحسب، بل؛ حتى السمع خانها، فلم تعد قادرة على سماع صوت تدفق الماء، تقول :” نسيتُ أني فقدتُ الكثير من سمعي، ألا يكفيني ماسمعته طوال عمري “، لم تبق سوى حاسة اللمس، تتلمسُ الطين، وتتذكر كيف انفلت خرطوم الماء وكاد يوقعها أرضا، ثم تتذكر أنها أسندت ظهرها إلى صخرة، وهي التي قضت عمرها كله تنقّي أرضها من الصخر، لتكتشف أنها ليست في أرضها ..
ومن خلال صورها الفنية الرائعة تستحضر جمال أرضها، وهي تبدو كقطعة اسفنج سهلة ليّنة، وكانت تقول لأولادها : ” افترشوها، هي أحنّ عليكم من أسرّتكم ” .
تمزج الكاتبة بين الهم الإنساني والهم الوطني، لاتنسى أنها مواطنة تعيش على هذه الأرض رغم أوجاعها التي تعانيها . لقد فقدت حواسها كلها بعد تجاوزها الثمانين من العمر، تعود بذاكرتها نحو الماضي، الخطف خلفاً عندما أضاعت مجرفتها، ماجعل زوجها يطردها خارج بيتها عقاباً لها، تقول على لسان زوجها : ” اخرجي من هنا أيتها الغبية، أهلكِ أولى بغبائكِ “، ولم يسمح لها باصطحاب ابنها الرضيع، وعندما حاولت الذهاب كانت الخيبة والانكسار، لكنّ بكاء صغيرها جعلها تعود من جديد، إنها الأم الحنون التي تكابر على جرحها ووجعها، عادت لترضعه علّه يهدأ ويسكت جوعه .
لحظة الغضب هي التي جعلت الزوج يتصرف مع زوجته بتلك القسوة، لكنه عندما رآها، بكى وندم، تسامرا حتى الفجر، تقول : ” وكانت نسائمه مُحمّلة بحب وحنان لم ينقطع ” .
يبدو دفء الشعور كامناً بين حروف الكاتبة وكلماتها، فلا تنسى ما ترّبت عليه من قيم وأخلاق، إنها تدافع عن زوجها، فكرامتها من كرامته، عندما سألها : ” أنتِ هنا .. لمَ لم تذهبي لأهلكِ؟ – خشيتُ أن يتناولوكَ بسوء إذا علموا أنكَ طردتني ليلاً . – أصيلة ، تعالي ادخلي “، هذه المشاعر الحميمية الدافئة تُشرِقُ دائما بين حروف الكاتبة ” صديقة علي”، وهي تخرج من القلب لتصبّ في قلوبنا بعذوبة وسلاسة وجمال .
وتُطلّ كذلك مشاعر الخيبة والحزن دائما في خاتمة قصص ” صديقة علي” تقول : ” ها قد استوت بوصلتي، لكن ضاع عكازي “، فتشعر بالإنهاك، وبألم شديد في قلبها، تغوص قدماها ويداها بالطين، وتسلّم رأسها للوحل، جاءت عبارتها في خاتمة قصتها عظيمة الروعة عندما قالت : ” آخر ما لمحته كان الدرج المُوصِل إلى باحة البيت، كان قريبا جدا، لكنني انغرستُ وعليّ أن أنتظر إلى أن تجف الأرض، وما زلتُ أنتظر شمساً ويداً تقتلعني ” .
خاتمة رائعة تبيّن تشبّث الكاتبة بالأرض ، ألم يولد الإنسان من طين، وإلى الطين يعود ؟؟؟؟
رولا علي سلوم






