تراجيديا العشق وانكسار الذات
قراءة سايكولوجية مركبة
قصيدة “في رثاء الشوق”
الشاعر علي أحمد عبدالجليل – مصر
الناقد د.عبدالكريم الحلو – العراق
مقدمة :
” ترانيم الشوق والوجدان ”
* في قصيدة “في رثاء الشوق”، يقدِّم لنا الشاعر علي أحمد عبد الجليل لوحة شعورية مشحونة بالألم الوجداني والاحتراق العاطفي،
* تُعيدنا إلى أصل العشق كمعاناة داخلية، لا كنعمة تُزيّن الروح. من زاوية نفسية، يتحول النص إلى مكاشفة داخلية تنبش عمق الذات المكلومة في لحظة احتدام العاطفة واحتراق الروح في جمر الغياب.
الاحتراق الداخلي والقلق العاطفي:
——————————–
* يفتتح الشاعر نصه بصورة نار العشق، وهو توظيف تقليدي في ظاهره، لكنه هنا يأخذ بُعدًا نفسيًا عميقًا، إذ تصبح النار تمثيلًا لا للهيب الحب فحسب،
* بل لمهابة هذا الحب، أي لما يفرضه من قلق وهيبة واضطراب داخلي:
“للعشق نار
تضرم في القلوب مهابة”
* الـ”مهابة” هنا ليست مجرد احترام،
* بل نوع من التوتر المقدس، حيث يتحول الحب من حالة شعورية إلى منظومة داخلية تهزّ الكيان وتهدد استقراره النفسي.
* مفهوم العشق كـ “نظام قاسٍ”:
* في قوله:
“للعشق دستور
تقسو بنوده أحيانًا
وتارة تقدم أعذارًا
أو تتبدلا”
* نلمس تمثيلًا للعشق كسلطة خارجية ذات قوانين جامدة أو مرنة، وكأن الذات العاشقة لم تعد تمتلك زمام أمرها.
* وهذا يُحيل إلى ما يصفه علماء النفس بـ”فقدان السيطرة على المشاعر”، حيث تصبح الذات خاضعة لتيارات وجدانية لا يمكن كبحها.
* أزمة الهوية والانفصال الداخلي:
* العبارة التالية:
“والنفس تأبى للوصال مخافة
للوجد الكتوم أن يتذللا”
* تكشف لنا عمقًا نفسيًا بالغ الخطورة؛ فالنفس هنا تعيش انقسامًا:
* إنها تريد الوصال ولكنها تخشاه، خوفًا من الانكشاف أو الانكسار.
* وهذا يعكس حالة الانفصام الوجداني حيث تتصارع الرغبة والرهبة داخل النفس.
تجليات اللوعة الجسدية–الذهنية:
——————————–
* في قوله:
“كأنين يسري بين الضلوع
تكاد روحي أن تذوب
ويكاد فكري أن يعيش تخيلا”
* ينتقل الشاعر من البعد العاطفي إلى البُعد الجسدي والذهني، حيث يتجسد الحزن في صورة أنين جسدي، وتذوب الروح، ويتحول الفكر إلى حالة تخييل دائم، مما يُشير إلى حالة من الهروب النفسي والتماهي مع الغياب،
* وكأن العاشق لم يعُد يعيش الواقع بل يختبئ في ظلّ التخيّل.
* وهنا يظهر الدفاع النفسي بالتخيل كوسيلة لحماية الذات من الانهيار.
الذوبان والانحلال: نهاية العاشق النفسيّة
————————————-
* في ختام القصيدة:
“من فرط عشق
حتى كاد أن يتحللا”
* تصل الذات العاشقة إلى مرحلة الـ”تحلل”، وهي صورة نفسية تقود إلى الذوبان الكامل في الآخر، حيث يتلاشى الشعور بالهوية الفردية، ويتحول العاشق إلى كائن يتفتت من شدة الاشتياق.
* إنها لحظة انهيار وجداني كامل، تقترب من حدود الاكتئاب العاطفي الذي يفقد فيه المرء الإحساس بالوجود المستقل.
⸻
خاتمة:
* قصيدة “في رثاء الشوق” ليست مجرد بوح عاطفي، بل حالة سايكولوجية مكتملة الأركان.
* إننا أمام روح تئنّ تحت وطأة العشق، وتحاول جاهدة أن تصمد دون أن تنهار، لكنها لا تستطيع.
* لقد جسد الشاعر علي أحمد عبد الجليل مأساة الحب بلغة شعرية، ولكنها مغروسة في تربة النفس، حيث الاضطراب، والانكسار، والاحتراق الداخلي.
* تحية للشاعر الذي ألبس وجعه ثوبًا شعريًا أنيقًا، فجعل من رثاء الشوق مرآة لقلق النفس وتمزقها بين الحب والخذلان.
* القصيدة تنتمي إلى نمط الشعر الوجداني الذي يعبّر بصدق عن لوعة العشق وحرقة الشوق، وقد استطاع الشاعر الإمساك بخيط العاطفة منذ المطلع وحتى الختام.
* فالنص ينبض بمشاعر محتدمة، وصورٍ تنبع من داخل التجربة لا من محض التخييل، ما يمنحه خصوصية في التعبير.
* من الناحية الفنية، جاءت اللغة شعرية عذبة، وإن مالت أحيانًا إلى المباشرة، إلا أن توظيف المجاز والاستعارات منحها روحًا وجدانية متألقة.
* الصور الحسية المرتبطة بالنار، والذوبان، وتفتت الروح، نجحت في بناء مناخ داخلي متماسك يعكس الانفعال النفسي للشاعر.
* إيقاع القصيدة وإن لم يكن منتظمًا تمامًا على تفعيلة أو وزن واضح، إلا أن الانسياب الشعوري والتكرار العاطفي منحاها موسيقى داخلية تتناسب مع مضمون النص.
* فالشاعر لم يكن مشغولًا بالبناء العروضي بقدر انشغاله بتصوير الاحتراق النفسي بلغة ذات حمولة عاطفية عالية.
* نقطة القوة الأبرز في النص هي البعد النفسي الصادق، حيث عبّر الشاعر عن صراع داخلي بين الحب والخوف، بين التعلق والخذلان، وبين الحنين والانكسار.
* هذا البعد الانفعالي يجعل القصيدة أقرب إلى المونولوج الداخلي الذي لا يُقصد به التجميل بقدر ما يُقصد به التعرّي العاطفي.
* بوجه عام، تعدّ القصيدة تجربة وجدانية ناضجة، وتفتح بابًا لمزيد من الاشتغال الفني على النصوص القادمة، خصوصًا في ما يخص ضبط البناء الإيقاعي وتكثيف الصور الشعرية دون التفريط بالعاطفة
الشاعر علي أحمد عبد الجليل :
* من خلال قصيدته “في رثاء الشوق”، يُظهر نفسًا شعريًا وجدانيًا ينبع من تجربة داخلية صادقة، ويعبّر عن مشاعر الحب واللوعة والغياب بلغة متدفقة تضع القارئ مباشرة في بؤرة الإحساس.
سمات الشاعر التي تظهر في النص:
* وجداني بامتياز: يتخذ من العاطفة المحور الأساس، ويُحسن تحويل الألم النفسي إلى صور شعرية مؤثرة، مما يدل على نضج شعوري ووعي بالعاطفة.
* صادق التجربة:
* لا يفتعل العاطفة، بل يستحضرها من عمق ذاتي يعكس تجربة داخلية مشحونة.
* يميل إلى اللغة الكلاسيكية ذات النبرة العالية: فيجعل من القصيدة أقرب إلى النواح العاطفي الممزوج بالفلسفة البسيطة للحب.
* يحتاج إلى ضبط إيقاعي أكبر وتنقيح لغوي في بعض المواطن، لتحرير النص من التراكيب النثرية والمباشرة التي قد تضعف من شدة الصورة الشعرية.
في التقييم العام:
* الشاعر يمتلك طاقة وجدانية وشعورًا شفافًا، كما يظهر قدرته على التعبير عن المكبوت العاطفي بلغة قريبة من القارئ.
* وإذا استمر على هذا النهج مع مزيد من الاشتغال الفني على الشكل والبناء، فسيكون أمام صوت شعري واعد في الحقل الوجداني العربي.
===================
في رثاء الشوق
للعشق نار
تضرم في القلوب مهابة
والشوق يقتل
من كاد للصبر أن
يتحملا
للعشق دستور
تقسو بنوده أحيانآ ،
وتارة تقدم أعزارآ ،
أو تتبدلا
والنفس تأبى للوصال مخافة
للوجد الكتوم أن
يتذللا
آه من لهفي عليك
كأنين يسري بين الضلوع
تكاد روحي أن تذوب
ويكاد فكري في بعادك
أن يعيش
تخيلا
آه من وصال طال
بعاد نسيمه
والقلب يخفق وكأنه
من فرط حزن ، من فرط
ألم
من فرط عشق
حتى كاد أن
يتحللا
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
علي أحمد عبد الجليل
جمهورية مصر العربية