قراءة ثاقبة بعين رقيب في أعماق نصي: قبيل الرحيل
بدرر الأديب القدير والمحلل الأدبي الناقد الفذّ مرواني عاشور بن احمد Achour Marwani من الجزائر
القراءة:
نصّك يا كاظم أحمد مشهدٌ كونيّ ملبّد بالرمز والوجع، يكتب الواقع بلغة الاستعارة لا الخبر.
قراءة نقدية في «قبيل الرحيل»
القصيدة تتحرّك في فضاء سوقٍ كونيّ، حيث تتحوّل السماء إلى متجر، والمطر إلى سلعة، والريح إلى تاجر، في مفارقة ذكية تكشف تشييء المقدّس وافتقار الإنسان لما كان بديهيًا: الماء، الدفء، الفرح.
1. السوق بوصفه استعارة كبرى
«ولجتْ سوق الفضاء تتسوّق»
منذ السطر الأول، يدخل القارئ عالمًا مقلوبًا:
السماء تُشترى
الغيوم تُغلق
المطر يُنتظر كتجارة مؤجّلة
وهو توصيف عميق لعالمٍ أُفرغ من معناه الطبيعي، وصار كل شيء فيه خاضعًا للمساومة.
2. الجفاف: مادّي وروحي
«جفَّ ريقُ البشر.. رقَّ ماء البصر»
هنا يتجاور العطش الجسدي مع الجفاف الإنساني، في صورة مزدوجة تُحيل إلى:
القحط
القسوة
فقدان التعاطف
3. الطفولة كضحية صامتة
«بلا أدنى أمل بضحكة طفلين»
الطفل في النص ليس فردًا، بل مقياس الخسارة.
حين تغيب ضحكته، يغيب مبرر الانتظار كله.
4. الميلاد المفارِق
رمزية الميلاد تتكرّر، لكنها بلا خلاص:
قبعات تنشر فرحًا شكليًا
دمى تصير «رئة المدن»
احتفال بلا حياة
كأن الشاعر يقول: نحتفل كي ننسى، لا لأننا نؤمن.
5. الخاتمة: انتظار مشروط
«عودة تاجر أقمشة السماء»
الخلاص مؤجَّل، مشروط، هشّ…
ليس معجزة، بل صفقة أخيرة بين الإنسان والسماء.
خلاصة
هذه قصيدة:
رمزية عالية الكثافة
سياسية/إنسانية دون تصريح
تكتب الخراب بلغة حلمية موجعة
نصّ يُشبه الغيم حين يثقل…
ولا يمطر.
تحية لقلمٍ يرى في الجفاف أكثر من طقس،
ويرى في الانتظار شكلًا آخر من الألم.
النص:
قبيل الرحيل
ولجتْ سوق الفضاء تتسوّق
أثقلَ الغمامُ ردائها و الغبار
بعد تعرٍّ طال.. لفَّه الدخان
تساءلتْ أين متاجر المُزن؟
أرهقتني بضائع السماء!!!
غابتْ سلعٌ.. أُغلقت متاجر الغيوم
أشرعَ سليمان بفتح مَتاجرِه
تعددتْ بضائعُ الريح لحولين مَضَيا
جَفَّ ريقُ البشر ..
رَقَّ ماء البصر ..
بُترتِ الأشجارُ
أضحت دُّمى الميلاد رئةَ المدن
قُدَّتْ من عَلٍ لُحف السماء
مزقتها ريح الشرق و موازين البهلوان
تاق الأطفال لفاكهة الشتاء
سئم الشيوخ من تبدل الألوان
وحدها قبعات الميلاد
تنشر فرح الأصفهاني
يَهرعُ عامٌ خلفَ عامٍ
بلا أدنى أمل بضحكة طفلين
تبقى ذكريات تشعل قناديل الأفق
ننتظر على البحر عبور النِّينان
عودة تاجر أقمشة السماء
شراء بضائع الثلج و المطر
بين الميلاد و الميلاد
حتى لا يقطع يدَّه قسيس بلادي
شكرًا بحجم الكون لأستاذنا الأديب القدير والمبدع الناقد الفذً مرواني عاشور بن احمد
وكلّ التحية والتقدير والإحترام.






