طفل يبحث عن غد إلى عجوز اعتلى سلم الغيم
المضمرات الدلالية في الثلاثية الققجية” جزّار الإنسانية” للدكتورة الاعلامية الكاتبة الهام عيسى.
بقلم الأستاذة وردة.ع
* لا يختلف اثنان في أنّ “القصة القصيرة جدّا ،جنس أدبي ظهر حديثا،يمتاز بقصر الحجم والايحاء المكثف والنزعة القصصية الموجزة والمقصدية الرمزية المباشرة وغير المباشرة،فضلا عن خاصية التلميح والاقتضاب والتجريب والنفس الجملي القصير الموسوم بالحركية والتوتر وتأزم المواقف والأحداث،بالاضافة إلى سمات الحذف والاختزال والإضمار.”١
ولمّا كان الإضمار من أهم السمات التي تتفرد بها القصة القصيرة جدا،فقد رأينا أن نخص الثلاثية الققجية” جزار الانسانية “بقراءة متواضعة نكتشف من خلالها بعض المضمرات الدلالية المبثوثة فيها .
*المضمرات الدلالية وهي المعاني الخفية والأفكار والأنساق المبطنةو المضمرة والتي لايصرّح بها النص مباشرة ،إنما تتخفى وراء بنية اللغة ويتم استنباطهامن خلال التحليل والتأويل وقراءات متعددة لما وراء السطور.ولعل المضمرات والايحاءات هي التي تحفزّ ذهن المتلقي وتدفعه إلى إبراز ماتنطوي عليه من أفكار ودلالات ورسائل مضمرة وخفيّة يُراد تمريرها، وهذا مايجعل من الققجية نصا نسقيا منفتحا على ما استغلق على القارئ، لفهمها وقراءتها من أوجه مختلفة رغم بنيتها الشكلية المكثفة والمختزلة من جهة وبنيتها الدلالية المضمرة وأنساقها الثقافية من جهة أخرى.
*جاء العنوان جزار الإنسانية حاملا طابع المفارقة وهي أهم ميزة تتميز بها الققجية ،ومحمّلا بعديد الايحاءات والاشارات والدلالات السيميائيةوالمضمرات البصرية،بكل أبعادها الانسانية والاجتماعية والسياسية، لفظة الجزار تحيلنا إلى كل من يقوم بفعل الذبح والقطع والسلخ واستعمال الأدوات الحادة وهي رمز للمحتل الغاصب صاحب الأعمال الهمجية والسلوكات الوحشية المهددة للحقوق والقيم الانسانية،والمبادئ المجتمعية،ولفظة الانسانية إشارة للإنسان في كل زمان ومكان، في جميع صوره، بأحلام الطفولة و آمال وآلام المرأة وقوة الرجل وحكمة الشيخ . إنها مفارقة عجيبة استخدمتها الكاتبة للتعبير عن شعورالسخط والاشمئزاز والاحتقارحيال الجزار المجرم،سفاك الدماء،قاتل الإنسانية.
*كما أن الثلاثية اشتملت على كمّ هائل من الأنساق والدلالات المضمرة ،جعلت منها نسيجا متشابكا،إذ استهلتها بعالم البراءة والأحلام ،طفل يبحث عن غد ،وهذا ماهو ظاهر في الثقافة، لكن غد الطفولة التي سلّطت عليها يد الجزار مجهولة المصير،طفولة لاتبحث عن غد بقدر ماتبحث عن حذاء وكساء ورغيف.
إن عبارة دفنت أمانيهم دون شاهد،تحيل إلى عالم من الفساد والدماروأياد داست ودنّست قلوبا بريئة ودمرت أحلاما جميلة. وعرّجت إلى صورةالمرأة وهي تنزف في صمت واحتضانها للرصاصة الأخيرة عوض احتضانها لأبنائها ،وربما كانت المرأة هي الوطن ،لأنها رمز الدفء والمقاومة والصلابة ،هي صورة المرأة الصامتة الشجاعة التي تجعل من الضعف قوة،لكن هيهات ،لقد خذلها وخانهاالضمير العام،ولعلّ ذلك أشدّ قتلا وفتكا من الرصاصة الأخيرة. وهذا ما يُصوّر الضياع الإنساني الوجودي .
واختتمت بمشهدية العجوز الذي يلجأ بحكمته وإيمانه ومقاومته إلى الله من خلال السجود والركوع وهي قمة السمو والثبات والاتصال الروحي لأنه لاملجأ ولامنجاة إلا بالله، عندما تتكالب عليهم سهام الغدر،والوحدةوالأوجاع،ثم اعتلى سلم الغيم وغفى على رصيف الوداع ،وهنا يحدث التيه والانفصال والضياع،من المناجاة إلى الموت ،من اللجوء إلى الأجل، في هذه الققجية صورت القاصّة حالة الإنسان من المهد إلى اللحد( من الطفولة إلى العجز ) واستخدمت المضمرات والأنساق كأداة تنقيب في ماهية الإنسان .كالنسق الثقافي ذو البعد الفلسفي، وهي تصور حياة الإنسان وصوره وأنماطه تجاه الحياة والبيئة،وما يصاحب ذلك من متناقضات فرضتها الظروف ،جعلته بين صراع دامٍ وضياع دائمٍ، الطفل وهو يبحث عن غد ،والمرأة وسط الركام تنزف صمتا،والشيخ الذي مات بعد أن سجد وركع ولجأ إلى الله،وبين ذاك وذاك جزار يقتل ويذبح ويسفك الدماء.
*كما كان توظيف التناص والنسق الديني في عبارة ” إخوة يوسف مروا قريبا نظروا طويلا،ثم أكملوا الطريق…” فالأخوّة تحكمها صلة الدم والرحم والقرابة ،وكذلك أخوّة الدين واللغة والتاريخ والمصير المشترك لكنهم مع ذلك وبدافع الحقد والحسد والكراهية ألقوه وتركوه في غيابات الجب تأكله الذئاب، وهي إشارةدلالية رمزية عن الواقع المعاش، وهنا تكمن المفارقة ، فالظاهر إخوة ولكن القلوب والضمائر تضمر حقدا وكراهية، يرونه يمدّ يده ليستنجد بهم ،لكنهم تركوه وتآمروا عليه وأنكروا مافعلوه من جرم لكن عناية الله فوق الجميع، فاليد التي ألقت يوسف في الجبّ هي نفسها التي مدتها إليه تطلب الصدقة ،وهذا نسق ثقافي ذو بعد اجتماعي، تغيرت صورة الأخوة في ثقافتنا وأصبحت تحكمها المصالح،وتفككت في المجتمع، وزالت النخوة و الشهامة والمروءة والغيرة على الأرض والعرض . وهذا ماتقصده الكاتبة حين قالت دون شاهد،إخوة يوسف توقفوا قليلا ثم ….وهي دلالة، عميقة ومستترة أرادت من خلالها تمرير رسالة مشفرة لتناقضات إنسانية واقعية،ساخرة،دراميةمتأزمة،مجرّدة من القيم السامية..
*ولاشك أن الكاتبة استخدمت في أكثر من مقام أسلوب التلميح والتصريح،في أكثر من عبارة” خذلها الضمير العام” ،” ضجيج الصمت””لم يرها أحد” ” دون شاهد” لايصال رسالة قصديةتعمدّت من خلالها تحريك الوعي القومي والعالمي. وهنا تكمن وظيفة اللغة والأدب.
*كما تجلّى بوضوح النسق التاريخي،فكل مايحدث في العالم عبر التاريخ من صراعات وحروب يبرز هيمنة المحتل القوي على الشعب الضعيف الأعزل،واستباحة الأرواح والإبادة والقتل والتجويع والتهجير ،واستعمال القوة والسيطرة كسلاح،والمساومات والممارسات الإجرامية، البشعة، المجردة من الإنسانية تجاه المستضعفين من الأطفال والنساء والشيوخ،فضلا عن انتهاك حقوق الإنسان والحرمات والمقدّسات وسفك الدماء ،لابهدف نشرالأمن وإحلال السلام بل من أجل السيطرة على العالم أجمع.
*يظهر في الققجية نسق العنف والوحشية،إذ يولد العنف من رحم القوة والسي





