قراءة نقدية لثلاثية مشانق الحكايا بقلم الناقدة الجزائرية وردة عون للكاتبة الهام عيسى

تفاصيل الألم.. بين الوجود والعدم: قراءة تأويلية في الققجية (مشانق الحكايا) للكاتب الهام عيسى | وردة عون
ناقدة | جزائرية

 

حين أقرأ نماذج من نصوص أدبية شعرية كانت أو نثرية، تراثية قديمة أو حداثية معاصرة، كثيرا ما تجول في ذهني أسئلة عديدة، من مثل:
ما علاقة الألم بالكتابة سواء كانت شعرا أو قصة أو رواية أو مسرحية؟
وهل ارتبط الأدب بكل أجناسه بالألم والوجع؟
هل كلما أحس الإنسان بوجع جادت قريحته فتنساب الكلمات بدل الأدمع؟
لكأنّ الألم هو المحرك الأساسي للغة، هل أن اللغة هي ترجمان ما تعانيه النفس من ألم ومعاناة؟
أم أنها الأداة التي تعيد ترتيب الفوضى والصراع الداخلي الذي ينتاب شعور صاحبها عند الألم؟
أو أنها تعيد ترميم ما انكسر في النفس؟
أو أنها تعين على بناء وتصميم وتأثيث الذات من جديد؟
هل الألم هو من يصنع اللغة؟
أم أن اللغة (الكتابة) هي فعل مقاومة لدفع الألم؟
أم هي بحث عن خلاص أو نجاة؟، فكما أن النفس تصرخ من الألم، كذلك اللغة تصرخ بالكلمة، وقوة الكلمة تتباين حسب طبيعة الألم ودرجة الوجع.
حيث يقول الفيلسوف نيتشه: “كلّ فنّ عظيم يولد من الألم”.
الألم هو طاقة شعورية وقوة داخلية دالة، إما على الوجود باعتباره – الألم – حافزا على الإبداع والابتكار، والحرية التي يتوق إليها الإنسان وينشدها عبر الكتابة التي هي فعل مقاومة ووعي والتزام ونضج وفكر.
ويقول دوستويفسكي في هذا الشأن: “المعاناة والوعي مرتبطان ارتباطا لا ينفصل، فكلما ازداد وعي الإنسان ازداد ألمه”.
أو قوة دالة على العدم والضياع حين يسيطر على وجود الإنسان، ويدفعه إلى الإحباط واليأس، والانكسار، والاستسلام والتشاؤم.
استهلت الكاتبة الققجية بعبارة: نهض الصباح متألما.
لفظة الصباح تشير إلى ميلاد يوم جديد، والنهوض فعل يدل على التجدد والاستمرارية، والبحث عن الوجود، لكنه على مضض لأنه يتألم، محاولا لملمة شتاته، وهي ما توحي باستجماع القوى، ومحاولة تجاوز الألم والانكسار، والإصرار على استمرارية الحياة والوجود.
من خلال ما ورد في العبارات: يخترق حجب الفضاء، يشق طريقه، ركع يُحيّي، وكلها عبارات تدل على الكينونة والوجود بقوة الإرادة والحياة حسب الرؤية الفلسفية السارترية.
أنين المعابد، خطى وئيدة، قلوب ضائعة، حكايا مصلوبة، تفاصيل الألم تمتطي الخيال، هي عبارات دالة على الألم بكل تفاصيله.
تراتيل وقداس، أصوات تعلو رويدا رويدا كلما قرعت الأجراس وارتفعت المآذن.
وهنا توظيف للأماكن والطقوس كرموز دالة على الهوية والكينونة، حين يصبح المكان ملاذ الذات بحثا عن السكينة والطمأنينة، وملجأها عند الألم والانكسار والهشاشة، تُترجم فيها المعاناة والأوجاع، علّها تجد خلاصا أو نجاة، أو هروبا من الواقع لتجاوز الألم والمعاناة والمكابدة، أو مقاومة الضياع والصراع الذاتي.
توقظ الأرواح، الإيقاظ هو فعل للتجدد، للحياة، للانبعاث.
غفلاتها، ليل طويل، قلوب ضائعة، حكايا مصلوبة، أسدل الستار، الفصل الأخير، إلى الفراغ، ليسكن العدم، كلها عبارات دالة على العدمية، الضياع، الفراغ، النهاية، الموت.
ومن هنا نلمس في الققجية المراوحة بين لغة الوجود ولغة العدم، وما بينهما تكمن تفاصيل الألم.
وبهذا تحولت الققجية إلى نص فلسفي عميق، رؤى وتأملات في جوهر الذات الإنسانية المتقلبة، المشحونة بالألم، في صراع بين الوجود (الحياة) والعدم (الموت).
بين الصباح والنهوض اللذان يمثلان الحياة والوجود، وبين الألم الذي يمثل الفراغ والعدم، تشكلت العلاقة بين الإنسان والمكان والزمان وانصهرت مكونة الهوية، والذاكرة الإنسانية رغم الألم.
إن هذا التوتر والقلق الوجودي والشعور بالألم والوجع في خضم هذا العالم العبثي، يعكس فهم الوجود، وحقيقة الواقع، أزمة الذات والهوية.
وهو ما دفع الكاتبة لاعتبار كل ذلك مسرحية أسدل الستار على فصلها الأخير، واختارت قفلة للققجية:
إلى الفراغ… ليسكن العدم…
العدم هو نهاية كل شيء، هو الموت.
العدم والوجود مفهومان فلسفيان للبحث عن الحقيقة والمعرفة.
استخدمت الكاتبة الفراغ والعدم، لأن النفس حين تصل ذروة الوجع والألم فهي تختار العدم، حين تنهار القيم، وتختل الموازين، وتخترق المبادئ والقوانين، وتُسحق الإنسانية سرا وعلانية.
كما يرى كل من هيدجر وسارتر: “أن العدم ليس عدما مطلقا، بل هو القلق الذي يواجه الإنسان”.
تناولت الققجية الألم ليس كظاهرة شعورية داخلية فحسب، بل كقضية فلسفية، ومشكلة وجودية صارخة، ليصبح بذلك – الألم – علة (سبب) لوجود أو عدم.
وأن الذات، سواء في حالات الوجود أو العدم، فهي تتألم، وحيثما تتألم فهي تتعلم (الوصول إلى المعرفة والحقيقة)، وبالتالي تتغلب على الصعاب، وتزداد وعيا، وتنضج فكرا، وتطمح إلى الحرية والتجديد والتغيير.

الهام عيسى
الهام عيسى
المقالات: 5384