رؤية الاستبداد في الفن والادب بقلم د علي أحمد جديد

رؤيـة الاستبداد في الفن والأدب ..

د.علي أحمد جديد

كتـب سعـد الله ونّـوس مسرحيـتـه “حـفـلـة سَمـر” بـهـدف وضْـعِ عـمـلٍ فنّي ينتهي إلىٰ مُظـاهـرةٍ شعبية ضد المظالم و الاستبـداد ، مؤمنـاً بأن الفـنَّ يحـوِّل الوعي ، وأن الوعي إذا أُحسِنَ تحـويله يحـوِّل الـواقـع ويعطيه صيـاغةً جـديـدة . وبـعـد ثلاثين عاماً ، كان “ونّوس” يتأمَّل في مسرحيته (الأيـام المخمـورة) ، أحلامه الضائعة ويبحث عن الحدود الفاصلة بين الوهم وبين الحقيقة ، محـاولاً مراجعـة فكريـة معمَّقـة . وبيـن المسرحيتين ، تعاقبت أحداثٌ كثيرة اختبـرت ما كان يبـدو صوابـاً ذات يوم ، وفي اللحظـة الفاصلـة بين صعود الصواب وسقوطـه ، انتقل “ونّوس” من شكل فنّي إلىٰ شكلٍ آخر ، ومن تَصوراتٍ لا يعوزها اليقين إلىٰ تَصوراتٍ مسكونةٍ بالتشاؤم والقلق ، وكأن الفنـان “ونّوس” وفي أقل من ثلاثين عاماً ، قد هَجَـر التفاؤل والتحريض واليقين ، وانفتح علىٰ تشاؤمٍ واسعٍ يبشّر بكارثـةٍ وشيكة . وكذلك كان “زكريا تامر” المنتمي إلىٰ جيل المثقفين الوطنيين الذين يحملون هموم المسحوقين في الوطن ، حين بدأ مطمئناً إلىٰ انتصار الصواب وهو ينتظر سيفاً ينصر الفضيلة ، إلىٰ أن جاءت النكسة في حزيران 1967 وهدمت الطمأنينة المُفترَضَة ، مُرسِلةً بحامل الأحلام الخائبة إلىٰ رحلةِ بحثٍ مضنية . وكان عليه ، وهو يعاين الهزيـمـة الوليـدة ، أن يتنقَّل بين رؤيةٍ متفائلة وبين رؤيةٍ أقل تفاؤلاً ، حتىٰ انقلب يقينه الىٰ يأسٍ يحاصره ، وأدرك أن الماضي الكئيب قائم في حاضرٍ أشد كآبةً ، وصار الحاضر سديماً غادرته الأشكال ، وما عاد الشكل القصصي في وَعيٍ يَرىٰ في الكارثة إلا أثراً للمعنىٰ الهارب كما لو كان في تحطم المعنىٰ الذي يُضيِّق بأُنشوطته علىٰ الشكل ويخنقه . بدا وكأن العالم فَقَدَ ملامحه وبات يزهد بالشكل ، ويزهد أكثر بأديبٍ مغترِب يبحث عن حقيقة الأشكال . لهذا يتكشّف الوعي الآسن في قصص زكريا تامر الذي يعيش يومه بلا ملامح ، وفي وجودٍ بليدٍ بلا صفات . فغادره التناقض وارتاح إلىٰ ركودٍ يُتاخِم الموت ، وكأن الوجوه كلها اُخْتُزِلت إلىٰ وجهٍ واحدٍ وبلا ملامح ، والحركة مفقودة في سكونٍ متثائبٍ يعلن عن التفكك ، ولا ضرورة للمكان بعد أن حمل الزمن متاعه ورحل . عالم من التجانس والمجانسة الواسعة فَقدَ الإنسان فيه جوهره واحتفظ باسمٍ يدّل على الخواء . كان هاجس زكريا تامر في قصة (ربيع في الرماد) يبحث عن مدينة سويّة ، تأتي .. ولا تأتي ، ويظل القلق في احتمالها وعداً ينتظره حالِماً بمدينة عادلة ، غير أنه ما يلبث أن يتخفّف من الوعود البسيطة ليصل إلىٰ ضفاف الوعيد الذي يغتال المأمول المحتمل ويستنبت ظلماً أبدياً له حرّاسٌ لا ينامون . وإذا كان زكريا تامر في (النمور في اليوم العاشر) قد تعايش مع بَشرٍ ينزفون أرواحهم بلا انقطاع ، فإنه في (تكسير ركب) كان يتأمل ـ محزوناً ـ أرواحاً ميتة . فيساوي الإنسانُ المقموع مسارَ الأسىٰ المتنامي فيه وهو ينتظر موتاً بلا كرامـة ، لأنه نسي معنى الكرامـة في مرحلـة ، وأدمن اعتناق المهانة في مرحلةٍ لاحقة . وعلىٰ الرغم من اختلاف أقاليم الأحزان الفاصلة بين زكريا تامر وبين سعد الله ونوس ، إلا أنهما يتقاسمان الأسىٰ في مساريهما ، ويتشاركان رؤيـة الأسىٰ في دربٍ موحش ، وفي حاكمٍ زاجر لا يحدّد إلا الخطأ ووحده يقيس المسافات . وحين كان زكريا تامر يسخر من السخرية العادية في (النمور في اليوم العاشر) ، كان سعد الله ونوس يسائل الصواب في عزلته ويخاصم اليقين في مرضه ومعاناته ، وحين كان زكريا تامر يجمع الأزمنة المختلفة في زمن السلطة الطاغية المتجددة عبر مجموعته (نداء نوح) ، كان سعد الله ونوس يقرأ سلطة الخراب في (منمنمات تاريخية) .
وفي أعمال هذين المبدِعَين سيرةٌ ذاتية مضمَرة و متشحة بالسواد ، لأنها سيرةُ زمن عربي ينفتح علىٰٖ الموت . وفيها تراجيديا الكتابة المبدعة التي تصرّح بالحقيقة ويزجرها صمت يتحصّن بالانحطاط المفروض في الحاضر كما تحصَّنَ به في الماضي . والمعروف أن كل فن حقيقي ينشغل بالحاضر ويجعل من الحاضر المعطوب مجازاً لكل الأزمنة . إلا أن الاثنين زكريا تامر وسعد الله ونّوس انشغلا بحاضر يجتاحه العطب ، وبحياة تجعل من العيش عبئاً ثقيلاً . ولم تكن بقايا الحياة المتاحة إلا ترجمةً لسلطاتٍ سياسية متعالية تُتقن صناعة الخوف وتنظيم الإذلال بحِرَفيةٍ وإتقان ، كما لو كانت للسلطة القدرة على القتل ، وتقمع في الإنسان خُلُقه الأول المؤمن بالبراءة والعدالة وبالصواب ، وتقذفه من طبيعته الأولىٰ إلىٰ طبيعةٍ طافحةٍ بالتشوّه وبالقبح والاعتلال ، لتختصر تاريخ المجتمع المهزوم إلىٰ تاريخ التسلّط في شخص القائد الضرورة والمنتصر في كل هزائمه ، وذلك ما أملىٰ علىٰ زكريا تامر وعلىٰ سعد الله ونوس أن ينطلقا من زمن السلطة وأن يختصرا الأزمنة السلطوية ، في الماضي وفي الحاضر ، إلىٰ زمن سلطوي جوهري يتأمله الأدب و الفن ، و ينظران إلىٰ بدايته ومآله وينددان به تنديداً لا مزاودة عليه . ولهذا ذهب سعد الله ونّوس إلىٰ ماضٍ ما هو بالماضي في معظم مسرحياته ، واستولد زكريا تامر (عنترة النفطي) ، الذي أرسله إلىٰ عواصم باذخة ، لتكونَ (لندن) هي أرض الوغىٰ الجديدة التي ينشغل فيها (عنترة) بالسمسرة وبالشراب والعمولات . وليس غريباً في التصور الفني أن تُشتَقَّ السلطات العربية من سلطة طاغية لا زمن لها ، حتىٰ يكون للتاريخ العربي القديم في مجموعة زكريا تامر (نداء نوح) حضوره الواسع ، ويقرأ المتلَقي العناوين :
“عبد الله بن المقفع الثالث ، عنترة النفطي ، نبوءة كافور الأخشيدي ، يُحكىٰ عن عباس بن فرناس ، شهريار وشهرزاد ، يوم غضب جنكيز خان ، وحكايات جحا الدمشقي” ليأخذ الرجوع إلىٰ التاريخ البعيد في وجدانه دلالاتٍ متعددةً وليكون تنويعاً في المادة الكتابية وتوسيعاً لزمنٍ راهنٍ راكدٍ ومتجانس بأزمنةٍ بعيدةٍ تشبهه أو يشبهها ، وتوطيداً لهجاء السلطة والسخرية من التاريخ الذي تنتسب إليه كما لو كان حاضر السلطة آيةً علىٰ الماضي الذي انتهىٰ إليها ، أو آيةً أخرىٰ تُهين الماضي البعيد وتزدريه .
إن في العودة إلىٰ الماضي بحثٌ عن دلالة الحاضر في زمن غابر أكثر وضوحاً ، واحتجاجٌ علىٰ حاضر ينصر المُشَوَّه والمرذول ، ويعاقِب السويَّ والفاضل .
يندفع زكريا تامر في توطيد هجاء الاستبداد الجوهري وفي خَلط الأزمنة المستبدة كإعلانٍ عن نقدٍ ساخر يضع (السلطان) في زمن ثورة المعلوماتية و(وزير الدفاع” في زمن سلطة غابرة ، وكأن (جنكيز خان) مُوزَّعٌ علىٰ زمن الخلفاء وعلىٰ كل الأنظمة الملكية والأميرية منها والجمهورية ، وهو في ذلك يكون قريباً كل القرب من تصوّر سعد الله ونوس ، الذي استنبط في “الملك هو الملك” معنىٰ السلطان المستبد من بنية السلطة التي تعيد صياغة الحكام وتنتجهم وجوهاً متناظرة في صولاتِ استبدادهم وفي أقوالهم . فكل حاكِمٍ ينتهي إلىٰ سلطان ، وكل سلطان يحكم بمشيئته المنفردة التي تُحوِّل المتعدد والمتنوّع إلىٰ فراغ لا قوام له :
“أصدر السلطان أمره إلىٰ الليل بالمجيء ، فأتىٰ الليل مرصّع السواد بالنجوم المرتعشة ذعراً . تثاءب السلطان ، فتثاءب شعبه ونام فوراً” . وربما تكون هذه الكلمات في قصة “من الألف إلىٰ الياء” تعبيراً عن المعنىٰ الذي يذهب إليه زكريا تامر في دروبٍ مختلفةٍ حيث لا وجود لشعبٍ إلا بسلطانٍ يستبدّ به ، ولا وجود لسلطانٍ إلا بشعبٍ مقموعٍ يبرهن عن وجود السلطان ، وكأن القمع من طبيعة الوجود ، إنْ تَخفَّفَ ورحل بدا الوجودُ من دونه فاسداً . والجَمعُ بين الطرفين طريفِ وشديد ، فالمستبد لا يغادِرُ قصرَه ولا يثقُ بأحد ، كما المُستَبَّد به يَرىٰ القصر من الخارج وأيضاً لا يثقُ بأحد ، والفَرق بين الطرفين هو الحاشية المُتَمَلِّقَة التي تُمجِّد الظالمَ وتلعن المظلوم .
وفي استحضاره الماضي البعيد ، عرف كلاً من “هارون الرشيد وعبد الله بن المقفع والتتار” إضاءةً للحاضر والتماساً للوضوح ، فأوضح الظواهر المستبِّدة الغابرة منها ، والمخادعة لرقابة السلطة ولسلطة الرقابة . وبذلك يفصح الاستحضار التاريخي عن بلاغة المقموعين التي تواجِه قمع السلطة بما يمكن اعتباره المقاوَمة اللغوية للرقابة السلطوية ، وبالمخادَعة الفنية التي تتوشح أشكالاً فنية تردّ علىٰ حاضرٍ غادرته الأشكال ، كما في (كليلة و دمنة) حين يأتي الحديث علىٰ لسان الحيوان أو أن يكون الحيوان حاكماً من نوعٍ رمزي خاص في “الفيل ياملك الزمان” ، فكل الحكام سلاطين وكل السلاطين يُستَنسَخون تباعاً في كيان لا يحتاج إلىٰ تسميته . يقول الوزير في قصة (عبد الله بن المقفع الثالث) لزكريا تامر :
“ما هو عمل الحاكم الصالح ؟ أليس عمله التفكير بدلاً من الناس الذين يحكمهم؟ إذا تَعوَّدَ الناس التفكير وحدهم ، فلن يحتاجوا إلىٰ حكامهم” .
وتلغي السلطة القامعة المتواترة معنىٰ الزمن ، فهي الزمن الوحيد والباقي والخالد ، وما خارجها مجرد غبار . وكأن السلطة تُشَخْصن الزمن فتلغيه إذا لم تكن شخصنتها لها قوامها وقوام إلغائه . لهذا يكون “عبد الله بن المقفع ” الأول قائماً في زمنه وفي زمننا ، وفي كل الأزمنة ما دام قوله راهناً يجدّدُه أدباءٌ يعيشون زمـنـه و هُم يـعيـشـون زمن الحـاكـم ـ الزمن . و يرد “ابن المقفع” علىٰ الوزير بقولٍ مُغاير :
“الإنسان الذي لا يفكر أقل منزلةً من الحيوان” .
ومهما تتغيّر الأسماء فإن الزمن لا يتغيّر ما دام الأديب يكرّر قوله العاجز ، وما دام قاتل الأديب يستأنف الأقنعة القديمة .
وفي كتابه الشهير “طبائع الاستبداد” يميِّز عبد الرحمن الكواكبي بين الاستبداد ، وبين دوام الاستبداد حتىٰ ينتهي إلىٰ مبادئ المقاوَمَة وإلىٰ أصول الخضوع . فالإنسان يقاوم الاستبداد بخبرةٍ عاشها في زمنٍ غير مستبد ، وينقاد إلىٰ الاستبداد ويرىٰ فيه طبيعةً سَويّةً إذا كان قد عاش استبداداً طويلاً أنساه معنىٰ نقائضه ، وعندها يصبح الإنسان ، الذي “أناب حاكمه عنه في التفكير” حيواناً ، كما يقـول زكريا تامر علىٰ لسان “ابن المقفع الثالث” أو العكس . ولعل هذه “الحيونة” بلغة قلقة هي التي تضع قصصاً كثيرة عن الحيوان عند زكريا تـامر ، لتكشف معنىٰ الطغيان وتُنَدِّد به . وقد يرفع الأديب القاص السوري زكريا تامر لغة الهجاء إلىٰ ذروتها حين يجعل في قصته “آخر المرافئ” من الحمـار مرجعـاً نجيبـاً و حكيمـاً للإنسان ، يعلّمه معنىٰ الحرية وماهية المساواة والعدالة . ويضع زكريا تامر ذلك وهو يستأنس بكتاب (كليلة ودمنة) كل الزمن العربي في زمن “أبي جعفر المنصور” ويضع بـ”ابن المقفع” الزمن السلطوي في الحاضر وفي الماضي السحيق .
يتكشف الهجاء السياسي أدباً مقاوِماً ووثيقة صحيحة تتأمل التاريخ ساخرةً حين تستدعيه وتؤوّله وترفضه بصرخةٍ مدوّية يخالطها النشيج .
في كل نَصٍّ أدبي إبداعي توجَد بلدةٌ ظالِمة ، تدمِّر القِيَم وتحتفي بالرذيلة ، ومدينة فاضلة منشودة وغير موجودة لا يحتاج أهلها إلىٰ الحكام . فيكتب زكريا تامر عن أحوال القِيم في قصته “آخر المرافئ” :
“والصدق مفقود محتَقَر ، والكذب مبجَّل ، والدَعّيُ يحتل كرسي الأصيل ، والأصيل منبوذٌ مُـهان تطارده الكلاب ، ودماء الأبرياء تُسفَك كل صباح ولا منتقم لها ، والأخ يقتل أخاه إذا كان سيفوز بفردة حذاء ، والفاسد له الصدارة والتمجيد ، والصالح يُعامَل كأنه قاتل أمِّه ، والصديق وقت الضيق لا وجود له إلا في الحكايات الكاذبة”.
ويرىٰ زكريا تامر المأساة في انحلال الطبيعة الإنسانية ، كما يرىٰ الكوميديا السوداء في تبجيل الانحلال وتعظيمه ، وشَرُّ البليّة ما يُضحِك ، وشَرُّ الضحك ما يصفق للبليّة ، كحال الأب الذي يقطع لسان ابنه كي يضمن له حياته ، وحال “هارون الرشيد” الذي طالَبَ كبيرَ حجّابه بإعدام الموت ، وكالجنين الذي يطلب من أمِّه أن تطلِّق أباه الفقير . إنه عالم هجرَه المعقول وأصبح فيه غير المعقول مرجعاً ، منذ أن هجس السلطان باعتقال الليل وبإعدام الموت وبالتحقيق مع الخيول .
يرثي زكريا تامر عالَماً عربياً رأىٰ في الصمت فضيلته الوحيدة ، ملتمساً مقولاتٍ فنية تُعيد بِنـاءَ الحيـاة وتفضح فيه دلالته ، وتتضمن المبالغة المحددة والكابوس والضحك الأسود لينتهي ـ لزوماً ـ إلىٰ مجازِ الرعب في الفانتازيا . والفانتازيا تعبير فني عن عالَمٍ مُتداعٍ جاوز تداعيه حدود العقل ، والسخرية من عالَمٍ قاسٍ يشلُّ في الإنسان الأحكام والمعايير التي تعوَّد عليها ، ومرآة عن الخوف الذي يفشل الخائف في السيطرة عليه بأدوات ترتعد خوفاً أشدّ من خوفه . وتكشف الفانتازيا عن الرعب والانحطاط معاً ، أو عن الانحطاط المرعب الذي يوحِّدُ بين الموتىٰ وبين حفاري القبور الذين يُهيلون التـراب علىٰ زهـور الحدائـق لا علىٰ القبـور . هو التجريد الفني في واقعٍ عربي له شكل الكابوس الثقيل ، أو واقع الحلم المقلوب الذي يفرض صوراً وأشكالاً ولغةً خاصةً به .

الهام عيسى
الهام عيسى
المقالات: 5433