جارتي الجميلةقصة قصيرة للكاتب الهندي طاجور ١٨٦/١٩٤١ترجمة الكاتب عوني سيف مصر

  1. جارتى الجميلة.
    قصة قصيرة ، للكاتب الهندي . طاجور (١٨٦١ : ١٩٤١ )
    ترجمة ؛ عونى سيف / القاهرة.
    My Fair Neighbour. Short Story.
    By Tagore ( 1861 : 1941 ).
    مشاعرى تجاه جارتي ،الأرملة الشابة ، هى مشاعر تبجيل ، على الأقل هذا ما قلته إلى اصدقائى و نفسى . حتى صديقي المقرّب ” نابين ” لا يعرف شيئاً عن الحالة الحقيقة التى بداخلى . ذلك اعطانى نوع من الكبرياء ، لأنى استطعت أن أخفى هذا العشق النقى و اربطه بنياط القلب. هى مثل زهرة ليل ، مشبعّة بالندى ، سقطت في غير أوانها. بهية و مقدسة كالسماوات. هى مثل سرير زواج مزين بالورود فى إنتظار العروس. عشقها يشبه جدول صغير نازل من الجبل يرفض أن يتوقف مكان ميلاده ، وينشد مخرج أسفل الجبل. ولهذا حاولت أن أعبر عن مشاعرى بالقصائد ، لكن قلمى العاصى رفض أن يدنس معبودتى.
    حدث عرضياً فى هذا الوقت أن صديقي نابين أحب جنون الشعر . أتى عليه الشعر مثل الزلزال ، و هجم على المسكين هجمته الأولى دون أن يكون مستعداً للوزن و القافية.
    و مع ذلك لم يستطيع منع نفسه ، بل خضع الى سحر فى رأسه
    يوحى له أن الأرملة الجميلة سوف تكون زوجته الثانية. بحث نابين عن مساعدتى له .كانت موضوعات قصائده كلها قديمة ، ليس بها جديد ، فهى دائماً تنشد المحبوبة . فصفعته بسؤالى :
    _ حسناً يا صديقي ، من هى ؟
    ضحك نابين و أجابني :
    _ لم اكتشفها بعد .
    انا اعترف أنى وجدت راحة كبيرة لحالتى فى مساعدة نابين ، مثل الدجاجة عندما تساعد البطة فى احتضان بيضها. فوضعت كل عشقي الحار فى شعره، كنت اراجع و ادقق كل كتاباته لدرجة أن الجزء الأكبر من القصيدة أصبح لى و ليس له . كان نابين يقول مندهشاً :
    _ هذا بالضبط ما كنت أريد قوله و لم استطع ، كيف تستطيع صوغ هذه المعانى الجميلة ؟
    كنت اقول له مثل رد الشعراء :
    _ أنها وليدة خيالى ، انت تعرف الحقيقة صامتة ، لكن الخيال هو الذى يفرز البلاغة. الحقيقة مثل صخرة تعوق تدفق المشاعر و الاحساس ، لكن الخيال يمهد طريقاً إلى نفسه.
    أخذ نابين يتمتم قائلاً :
    _ نعم ، نعم بالطبع ، نعم نعم ، أنت على صواب.
    مشاعر حبى لها كانت محاطة برقة مبجلة تمنعنى من صوغ بعض الكلمات ، لكن فى مساعدة نابين كنت واضح كالشاشة . لا شيء يعرقل قلمى . مشاعرى الحقيقية الدافئة تتدفق فى قصائده بالنيابة عنى. كان نابين فى بعض أحيان وضوحه يقول :
    _ أنها قصائدك ، دعنى أنشرها باسمك. كنت اجب عليه :
    _ لا طبعاً ، أنها قصائدك يا صديقي العزيز ، أنا فقط وضعت لمسة أو لمستين هنا وهناك .
    نابين بالتدريج صدق هذا .
    أنا لا أنكر مشاعرى . كنت احملق فى جارتى الأرملة مثل شخص مهتم بالفلك يحملق فى سماوات مليئة بالنجوم. و وضح لى أن نظراتى الماكرة تحولت إلى رؤي ، أو على الأقل ومضات من نور نقى لهذه الملامح التى أصبحت جلية و عنيفة فى مشاعرى.
    فى ذات يوم ، جفلت ، لم أصدق عيناى ، كانت ظهيرة يوماً صيفى حار ، و إذا بالسماء سحب سوداء فى ركنها الشمالى الغربى – و بخلاف هذا الضوء الغريب المخيف فى الخلفية – وهى واقفة تحملق فى السماء. يا له من عالم من الشوق البائس الذى لمسته فى عيناها السوداتين المغريتين . و يا له من بركان مازال ثائراً بداخلى بهذه الاشراقة الهادئة لهذا القمر. يا أسفاه ، نظرة هذا التوق غير المنتهى التى ترف باجنحتها مثل طائر شغوف يبحث عن عش فى قلب أحد البشر.
    بعد هذا المنظر ، نظرة العشق المكتوم ، بالكاد استطعت أن أجمع شتات نفسى ، و لم اعد ارضى بتصحيح قصائد صديقي نابين . أصبحت أود أن أعبر عن الوجد الذى بداخلى بطريقة فعلية و عملية. فى النهاية فكرت أن اكرس نفسى لكي اعمل اشهر زواج أرملة فى تاريخ المدينة كلها. و لم استعد لهذا الموضوع بالكلام أو الشعر ، بل بالمال أيضاً.
    أخذ نابين يجادلنى و يحاورنى :
    _ ترملها جعلها فى نقاء و سلام هائل . جمالها الهادئ يشبه صمت المقابر فى حضرة نور القمر فى يومه الحادى عشر (يوم الصيام ) . هل من احتمال أن زواجها مرة أخرى سوف يدمر قدسية جمالها ؟
    هذا النوع من العاطفة جعلني عنيف إلى حد ما ، فقلت له :
    _ فى وقت المجاعة ، إذا رجل بطنه مليئة بالخبز ، يسخر من الطعام ، و ينصح الجوعى الذين اقتربوا من الموت بأن ينظروا إلى جمال الزهور ، و ينصتوا إلى تغريد الطيور ، ماذا نقول عنه ؟
    انظر يا نابين ، بالنسبة للفنان ممكن أن يكون تدمير الأشياء جميلاً.لكن البيوت لم تبنى لإرضاء الفنانين ، بل تبنى للسكنى .
    من الجميل تقديس الترمل من مسافتك البعيدة الآمنة ، لكن يجب أن تعرف أن هذه الأرملة بداخلها قلب حساس ، ملئ بالرغبة و الألم.
    كان لدى انطباع إن هذه المحادثة مع ” نابين ” كانت صعبة أكثر ما كنت أود أن تكون ، اندهشت إلى حد ما عندما أنهيت حديثى معه ، وجدته تنهد تنهيدة عقلانية و أتفق معى ، و هذا كان لا يهمنى كثيرا.
    أتى نابين بعد اسبوعين و وضح لى أنه يرغب فى الزواج ، و طلب منى أن اساعده فى الاستعداد لذلك. ضحكت كثيراً و وعدته أنى سوف اساعده فى اى نقود يحتاجها لهذا الغرض .
    ثم حكى لى عن قصته. عرفت أنه لا يحب معشوقة فى خياله ، بل إنه عشق الأرملة من بعيد، ولم يكلم أحداً عن هذه المشاعر أبدا.
    المجلات التى نشر فيها نابين قصائده ، أو على الأرجح قصائدى ، لم تصل إلى يد الجميلة ، أو هذا ما اعتقدته. و بعد ذلك عرفت أن ” نابين” أستخدم مرض اخوها و قصائدى ، و طلب يدها للزواج..
الهام عيسى
الهام عيسى
المقالات: 5371

اترك ردّاً