بين الفكرة والادعاء: تفكيك شرعية الخطاب النسوي أدبيًا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينبغي ان لا يذهب الذهن الى ان الأدب النسوي هو أدب كتبته إمرأة او هو أدب يتحدث عن النساء، يمكن القول وبوافر الثقة إنه كتابة إبداعية تُعاد فيها صياغة التجربة الإنسانية من وجهة نظر أنثوية ناقدة للسلطة واللغة والتاريخ، وهو خطاب أدبي ينطلق من وعي بأن المرأة لم تُكتب في التاريخ بوصفها ذاتًا، بل موضوعًا.
ومن هنا، فإن النظرة الشائعة عن الأدب النسوي بانه يطالب بحقوق سياسية أو قانونية فقط، هي نظرة خاطئة فهو يسعى إلى تفكيك “الهيمنة الرمزية” التي تنتجها اللغة والمعايير الجمالية والخيال الذكوري.
اذن هو بهذا المعنى، محاولة لتحرير الكتابة من مركزية الذكر، ومن التصورات النمطية التي رسّخها الأدب الذكوري التقليدي — لا بحقد، بل عن جهل أو عادة أو رؤية منقوصة للعالم.
ثمة أسئلة عدة تسارع الى الذهن بضرورة ملحة منها
هل يوجد “أدب نسوي” و”أدب ذكوري”؟
علينا أن ننبه بصورة حاسمة أنه لا يمكن القول إن كل أدب يكتبه رجل هو “ذكوري”، أو أن كل أدب تكتبه امرأة هو “نسوي”. إن (الذكورة) و(الأنوثة) في الأدب ليست مسألة بيولوجية، بل (موقع رمزي داخل الخطاب. (فقد تكتب امرأة أدبًا يخضع بالكامل لرؤية ذكورية (أي يكرّس الصور النمطية). وقد يكتب رجل أدبًا ينطوي على حساسية نقدية تجاه قضايا النوع، ويكشف السلطة الذكورية من الداخل.
فالفارق كما تلاحظ ليس في جنس الكاتب، بل في زاوية الرؤية، وأسلوب تشكيل التجربة، وكيفية إعادة بناء الذات والآخر داخل النص.
وبكلمات عالية الدقة نرى أن الأدب النسوي هو أدب يُعاد فيه بناء اللغة والسرد من تجربة امرأة بوصفها ذاتًا تفكر وتكتب وتحلل وتُفكك، لا كجسد أو دور اجتماعي فقط. في حين أن الأدب الذكوري هو ليس ما يكتبه الذكور، بل ما يستبطن رؤية أحادية تُقصي الآخر، أو تُعيد إنتاج التراتبية الجندرية.
لنواجه الأسئلة الأخرى بجرأة نقدية
هل “الأدب النسوي” أدب حقًا؟ أم احتجاج مشحون بالذاتية؟ هل هو مشروع جمالي؟ أم ردّ فعل تاريخي؟
أسئلة مشروعة، لا بد أن تطرح بلا تجميل. لأن كثيرًا مما يُكتب تحت لافتة “الأدب النسوي” يُربك القارئ الجاد، لا بسبب جرأته، بل بسبب غموض منطقه، وادعائه امتلاك حق التفوق الجمالي أو الأخلاقي لمجرد كونه مكتوبًا من زاوية نسوية.
لو كان “الأدب النسوي” مجرد صراخ ضد الذكورية، أو تسوية حسابات مع الأب أو الزوج أو المجتمع، فهو ليس أدبًا بل بيان عاطفي. لكن حين يرتقي إلى مستوى اللغة، ويُنتج خطابًا يُعيد النظر في تمثيل الذات والآخر، ويُفكك مركزية السرد الذكوري، يصبح فعلًا أدبًا.
لكن كم هي نسبة هذه النضوجات؟ أرى إنها قليلة. لأن أغلب ما يُنشر باسم النسوية يغلب عليه:
النبرة الشعاراتية. والتمحور حول الذات المجروحة. والانسياق إلى خطاب الاضطهاد دون عمق سردي أو لغوي.
بالتالي وبثقل اليقين أقول : نعم، يوجد أدب نسوي حقيقي، لكنه نادر، وما يُنشر غالبًا هو ظلاله الأيديولوجية.
أما عن “اللغة الأنثوية”، فهي فكرة طرحتها كريستيفا وغرييه وسوزان سونتاغ وغيرهن، ومفادها أن المرأة تكتب بلغة مختلفة لأن جسدها وتاريخها كُبتا طويلًا. لكن الحقيقة: لا أحد يعرف ما هي هذه اللغة تحديدًا. هل هي ناعمة؟ ليس دائما. هل هي عاطفية؟ ليس بالضرورة. هل هي ضد الذكور؟ أبدًا.
وما يُقال عن “لغة نسوية” هو غالبًا تمرد فكري على اللغة الذكورية، لكنه لم يُنتج بديلًا مكتمل الملامح.
ثم إن الخطاب النسوي كثيرًا ما يبدو مستعلِيًا، لأن بعض الكاتبات يكتبن من موقع مظلومية مفرطة، مما يجعل الخطاب: يغرق في الذاتية بدل النقد الموضوعي. ويُجمل صورة المرأة بوصفها ضحية دائمة. ويُسقِط الغضب على الذكر بوصفه الآخر الشرير.
وفي هذا خلل نقدي ساطع: لأن ما يُراد مقاومته (السلطة الذكورية) يُعاد إنتاجه بوجه أنثوي مضاد. اليس كذلك؟!
نعم، هناك أدب نسوي، لكنه ليس كل ما يُكتب عن المرأة، ولا كل ما تكتبه المرأة.
نعم، يمكن أن تكون هناك لغة بديلة، لكن لم تتشكل بعد، وما يُكتب باسمها كثير منه صراخ وتكرار.
لا، الأدب النسوي لا يملك شرعية مطلقة، ويحتاج أن يُنتج جماليته الخاصة.
لا، الخطاب النسوي لا يزال يتأرجح بين التفكيك الجاد والادعاء المتعالي.
ثمة فرق جوهري بين الأدب كفن، والنسوية كأيديولوجيا يتمثل في السؤال التالي
هل نكتب كنساء؟ أم نكتب كذوات تفكر وتعاني وتحب وتخلق؟ هذا هو سؤال الأدب النسوي حين يتحرر من التحيز، ويصير أدبًا.
حيدر الأديب
ليلة الجمعة
2025/4/17






