صديقي الكلب بقلم نصر العماري

صديقي الكلب
بقلم نصر العماري
كنتُ قد كتبتُ سابقا عن صديقي الكلب ، وانّي لم أفطن إلى انّه كلبٌ إلا حين عَضّني. وذكرتُ أنّه بات يتضوّر جُوعًا ليلتها ، فاليدُ التي كانت تطعمهُ جريحة .
وصِدقًا ، انا كنتُ أتحدّث عن كلبٍ،
و قد تبيّن انّه كلبٌ حقيقيّ ، من سلالة “البلدوغ” ،
بعد الحادثة الأليمة التي وقعت لي؛ شهد كل من علم بالواقعةِ أنّه كلبٌ خطيرّ من سلالة الكلابِ السّائبةِ التي وفدت على القرية منذ زمن
و تناسلت وتكاثرت ،
احسستُ في تعليقاتهم سُخرية ، وتعال ، يسخرون منّي كيف وقعتْ يدي فريسة له ، وتعال وتفاخر علىّ لأنّه لم يستطع خداعهم طيلة تواجده في القرية، وانّ خُضوعه وتظاهره بالوداعة والطّيبة لم تكن سوى دموع تماسيح
كان يُجيد ذرفها ، لم تنطلي عليهم فهو كلبٌ إبن كلبٍ…
الأمر وقع والجرح غائرٌ، والذي حصل حصل ،
لكن الخوف كل الخوف من تبعات تلك العضّة !
عضّة الكلاب ليست سهلة ، فعلى الغالب انّه مصاب؛ عافانا الله واياكم بداء الكلب .
صديقي منصور ، لا لا؛ ليس الذي عضّني؛ لا هذا انسان يُدعى منصور واقول عنه صديقي باحتراز، فما عُدت أثق في الأصدقاء ، معذرة ،فصديقي الكلب عضّني ، بعد عشرة طويلة ، لعلكم تتفهمون، وتعطوني الحقّ في ذلك، المهم صديقي منصور كان خبيرا في وزراة الصّحة ، مسؤولا عن داء الكلب في الجهة، كل التّلاقيح والدفاتر تحت يديه ، حدثني مرّة وأطنب ونبّه وحذّر من الكلاب وصحبة الكلاب ، ومن طرائفه انه دخل مع أحد الأطباء في شجار حول بروتوكول التلقيح والتّوقي من داء الكلاب وتفوّق وسجّل اهدافا وعاد الطبيب إليه واعتذر منه ، المهم يَذكر منصور فيما يذكر انّه يستوجب القبض على الكلب، وقطع رأسه ثم اخذه للتحليل للتأكد من سلامته …
هاتفني صديقي منصور ليطمئن على صحّتي، اطنب كعادته يحذر من عضّة الكلاب، وشدّد النّصح في ان انظّف الجرح بالماء والصابون وان ادعكه جيّدا جيّدا قبل تطهيره “بالدّاكان” او اي مطهر آخر . وأكد انّه يستوجب علىّ ان اخضع للبرتوكول الصّحي الخاص بداء الكلب وانّه لا مفرّ من أخذ إبر داء الكلب… لم اجد بُدا من ان استمع لنصائح منصور وهو الخبير العارف بشؤون الطبّ وخاصة الكلاب لكني صرخت لأطمئنه :
لباس لباس يا منصور، غسلت الجرح ونظّفته وطهّرته ولقّحت ؛ وها إني لففتُ يدي في شاش ابيض واسأل الله الشّفاء .
لم يتمالك صديقي نفسه وهتف عاليا مُحذّرا :
ايّاك ثم ايّاك ان تغطّي عضّة الكلب،
لا تغطّي الجرح ، اتركه مكشوفا ،
اتسمعني اتركه مكشوفا.
استغربتُ من طلبه وعلّقتُ
متعجبا :
اترك الجرج مكشوفًا للغبار والجراثيم!
ثم سكتُّ ،
لكنّه لم يَسكت وهو يردّد: اتسمعني؟
اسمعني؛ اترك الجُرح مكشوفًا .
لم أجد بُدا من ان اجاريه:
– نعم نعم سافعل.
ورجوته قطع المكالمة إلى ان نلتقي بعد المساء…
تمتمت:
– اترك الجُرح مكشوفا ! الجرح مكشوفٌ بطبيعته ؛ و من لم يسمع بعضّة صديقي الكلب لي ؟ الحادثة مكشوفة للجميع.
احسستُ بشيء من الإرهاق و اكبرت في صديقي منصور؛ بين ظفرين شهامته. تمدّدت على الأريكة في قاعة الجلوس ولاحت لي صورة صديقي الكلب ينظر لي يتفرس فيّ وكأن شيئا لم يقع .
يا لوقاحته ، لكنّه كلبٌ! من اين تأتيه الشّهامةُ لم يكلّف خاطره حتى أن يسأل عنّي ،
بل هجر المكان ويبدو انه فرّ من المدينة .
صديقي الكلب معروفٌ، اخبرني احدهم انّه شاهده يتسكّعُ في العاصمة . مازحته قائلا : لعلّه يبحث عن يدٍ اخرى يعضّها.
اغمضتُ عينيّ طلبا للرّاحةِ ، لكن صورته لم تفارق عينيّ ولم اجد بُدٌا من أن اخاطبه:
يا خسيس ، تقضمُ يدي وتاخذ من لحمي لتأكله وتطعم جراءك وزوجك ؟ يالك من كلبٍ ! هل وجدت لحمي لذيذا ؟
لكن صدق من قال:
“كم من أناسٍ لهم في الودّ أقنعة يبدون غير الذي في قلبهم خافٍ
إذا رأوني قالوا : أنت صاحبنا
وإن أغب طعنوا ظهري بأسيافٍ”
بصبص صدقي الكلب ذيله وحرك اذنيه ونبح نبحتين كانه ينبهني وقال: هذا لزميلي
المتنبي انا مغرم بشعره . التفت يمنة ويسرة ابحث عمن يكلمني فلم ار سواه ، فحرك رأسه وفتح فمه وقال:
انا ، انا من يكلمك.
استغربت وكاد يغمى عليّ
وقهقه عاليا واضاف :
وكانك لا تعرف اني شاعر او تنكر عليّ ذلك .
كادت المفاجأة تلجمني ولكني تداركت، واستعذت بالله من الشيطان الرجيم وسألته:
كيف يكون ذلك كلب وشاعر ؟
حملق فيّ طويلًا، ولهث قليلًا، ثم اعتدل في جلسته كخطيبٍ يستعدّ لإلقاء قصيدة، وقال:
— تسأل كيف أكون كلبًا وشاعرًا؟
وهل الشعر حِكرٌ على من يمشون على قدمين؟
الشعر يا صديقي ليس نسبًا ولا هيئة… إنّه جوع.
وأنا أجوع أكثر منكم جميعًا.
قلتُ ساخرًا:
— وتجوع إلى ماذا؟ إلى لحم الأصدقاء؟
ابتسم — أو خُيّل إليّ أنّه ابتسم — وقال:
— أنتم تسمّونه غدرًا، ونحن نسمّيه طبعًا.
الكلب إذا عضّ، عضّ لأنّه كلب.
ثم اقترب منّي وخفّض صوته:
— أتذكر بيت زميلي أبو الطيب المتنبي؟
إذا رأوني قالوا: أنت صاحبُنا
وإن أغبْ طعنوا ظهري بأسيافِ
— وتتّهمني أنا؟
ارتبكتُ. فقال وهو يهزّ ذيله:
— الجوع كافرٌ يا صديقي… كافر.
هممتُ أن أجيبه، وإذا بي أسمع طرقًا قويًّا على الباب.
أفقتُ مذعورًا.
كنتُ قد غفوت.
نظرتُ حولي، لم أرَ جديدًا… كلّ شيءٍ في مكانه.
لكن الطرق تواصل، أشدّ إلحاحًا.
أسرعتُ لأفتح.
كان منصور.
قبل أن يسلّم، دفع الباب ودفعني معه، ثم جذبني إليه، وأخذ يفكّ رباط الجرح وهو يتمتم بقلقٍ ظاهر:
— جرثومة الكلب تموت في الهواء… يجب أن يبقى الجرح مكشوفًا. مكشوفًا!

الهام عيسى
الهام عيسى
المقالات: 5355