فيما يلي تحليل أدبي شامل لقصيدة “ضمائر” للشاعر نصر العماري، مقسّمًا بنيويًا ودلاليًا ولغويًا وتداوليًا، مع إبراز الخصائص الأسلوبية والرمزية:
أولًا: القراءة العامة للقصيدة
القصيدة قصيرة، لكنها عالية التوتر العاطفي تقوم على تصعيد ضمائر المخاطب والغائب والمتكلم، لتكوين شبكة حب/انتماء تنتهي بظهور المعنى المركزي:
الحبيب هنا ليس فردًا، بل هو المجد/الوطن/القيمة العليا.
يمزج الشاعر بين لغة العشق ولغة البطولة، بين الماء والصحراء، وبين البصر والعماء، ليصنع قصيدة ذات نبرة وجدانية ـ وطنية في آن واحد.
ثانيًا: التحليل البنيوي
1. بنية الضمائر (العنوان مفتاح المعنى)
العنوان “ضمائر” ليس عنوانًا عاديًا، بل مدخل التأويل.
القصيدة تتحرك وفق انتقال مقصود بين الضمائر:
أنا أُحِبُّهُ
أنتَ تُحبّهُ
هي تُحبّهُ
هي (أخرى) تَعشَقهُ حدّ السماء
من لا يحبّه (ضمير غائب سلبي)
هو (المحبوب/الوطن/القيمة)
هذا البناء ليس شكليًا، بل يشير إلى:
✔ شمولية الحب
✔ تعدد الأصوات
✔ تمثُّل جماعي للمحبوب الواحد
الضمائر تصنع فضاءً جمعيًا، وكأن الشاعر يقول:
كلنا نلتقي في حب الشيء الواحد… إلا الجبان.
2. بنية الصور الشعرية
القصيدة مبنية على ثلاث صور مركزية:
أ) العشق حدّ السماء
صورة للامحدودية، تؤسس للمجاز الأعلى: الحبيب قيمة متجاوزة.
ب) الصحراء وجرعة الماء
ثنائية الظمأ/الارتواء تُستخدم للمقارنة:
كما تحتاج الصحراء للماء، يحتاج الإنسان لهذا الحبيب.
ج) بَياض العَماء مقابل رؤية الحقيقة
العين التي لا تحبّ الحبيب “مغطّاة بالعماء” →
عتاب أخلاقي وإدانة وجودية.
3. بنية النهاية (مقطع الخاتمة)
الخاتمة تتجه إلى صياغة خطاب بطولي:
حبيبي هو المجد
هو العزّ لمن يموت في حبّه
هو الشوك في حلوق الجبناء
هنا يحدث انتقال من:
حب → انتماء → بطولة → إدانة الجبن
الخاتمة تلغي الغموض:
الحبيب = قيمة سيادية، وطنية، أخلاقية، ربما رمز للوطن نفسه.
ثالثًا: التحليل الدلالي
1. معنى “الحبيب”
الحبيب هنا ليس شخصًا، بل هو:
وطن
قيمة عليا
مبدأ
مقدّس دنيوي
ويمكن مقارنة ذلك بالرومانسيات السياسية عند درويش (“سجل أنا عربي”) أو أحمد مطر (“يا وطني”)، حيث يتحوّل خطاب الحب إلى خطاب الانتماء.
2. ثنائية الحب/الجبن
القصيدة لا تكتفي برفع شأن الحب، بل تجعل ضدّه الجبن:
المحب = باسل
غير المحب = أعمى
الحبيب = شوك في حلوق الجبناء
بهذا التحويل تصبح القصيدة إيديولوجيا وجدانية:
تحويل الحب إلى معيار أخلاقي.
3. توظيف الصحراء والماء
الصحراء رمز للجدب، الماء رمز للحياة.
من لا يحب “المجد/الوطن” كالذي يرفض الماء في الصحراء…
أي أنه يجهل ذاته وحاجته الأساسية.
رابعًا: التحليل اللغوي والأسلوبي
1. بساطة لفظية + كثافة معنوية
اللغة سهلة، لكن دلالاتها مشحونة:
أفعال حب: أحبّه، تحبّه، تعشقه
أفعال نقيض: يغشّاها، العماء، الجبناء
أفعال الحركة بين البصر والعماء تمنح النص طابعًا بصريًا.
2. الإيقاع
يعتمد الشاعر على:
تكرار الضمائر
تكرار الضمير “هُ” (الحبيب)
حركة الفعل المضارع
التوازي التركيبي:
أنا أحبّه / أنت تحبّه / هي تحبّه
هذا يصنع نشيدًا يشبه الهتاف الجمعي.
3. المجاز
الصحراء / الماء → مجاز الحاجة
الشوك في حلوق الجبناء → مجاز المقاومة
بياض العماء → مجاز العمى القيمي
خامسًا: القراءة التداولية (المراد الضمني)
الشاعر يوجّه خطابًا غير مباشر:
يدعو إلى الانتماء
يواجه الجبن
يرسم معيارًا أخلاقيًا:
من يحبّ الوطن فهو شجاع، ومن لا يحبه فهو أعمى.
القصيدة خطاب تعبوي – وجداني بامتياز.
سادسًا: القيمة الشعرية
تتميّز القصيدة بـ:
✔ الاقتصاد اللفظي
✔ الوحدة الموضوعية
✔ التكثيف الرمزي
✔ الطاقة الإنشادية
✔ بناء هرمي للضمائر
وهي تنتمي بوضوح إلى أدب الانتماء والهوية
ضمائر
***
أنا أُحِبُّهُ
أنْتَ تُحِبّهُ
هِيّ تُحِبّهُ
تَعْشَقهُ حَدّ السّمَاءْ
وَتَموتُ في حُبّهِ
أوَ لاَ تَعشقُ الصّحرَاء
جَرعَة مَاءْ
وَمَاذا يَعنِيهَا
مَنْ لا يُحبّهُ
فَما نَفْعُ عَينيهِ
اذا غَشّاهَا بَياض العَماءْ
حَبيبي هُو المَجدُ هُو العِزُّ
لمَنْ يَمُوتُ في حبّهِ
هُو الشّوكُ في حُلوق الجُبناءْ
***
نصر العماري





