في مثل هذا اليوم 24 فبراير 1980م..
وصول أول سفير مصري في إسرائيل سعد مرتضى إلى تل أبيب، وأول سفير إسرائيلي في مصر إلياهو بن إليسار إلى القاهرة.
لا تصالح ولو وقفت ضد سيفك كل الشيوخ، والرجال التي ملأتها الشروخ”، هكذا صرخ الشاعر المصري الراحل أمل دنقل في أشهر قصيدة ضد التطبيع مع إسرائيل، ليتبعه أول شهيد ضد التطبيع بصرخة مماثلة “اطردوا السفير الإسرائيلي من القاهرة، ولتحيا مصر حرة، ولتحيا مصر عربية”، ليدفع سعد إدريس حلاوة حياته ثمنا لأول تبادل سفراء بين مصر وإسرائيل في فبراير/شباط 1980.
استقبال بالصراخ
في 24 فبراير/شباط عام 1980 وصل أول سفير إسرائيلي إلى مصر “إلياهو بن إليسار”، مع وصول سعد مرتضى أول سفير مصري إلى إسرائيل.
قبلها بستة أيام رفع العلم الإسرائيلي لأول مرة في القاهرة في مشهد حزين ثقيل على قلوب المصريين، خاصة جيران السفارة، الذين شاهدوا رفع العلم بالصراخ والعويل، ولم تتحمل فتاة عشرينية المشهد فهرولت باكية، وآخر كان يمسك علم مصر ويلوح متحديا حتى رأى العلم الأرزق، فدس وجهه بالعلم المصري باكيا، متمثلا قول الشاعر أحمد شفيق كامل “وفي علمي داريت دمع هواني”.
بعد هذا المشهد الذي وصفت الإذاعة الإسرائيلية بأنه “عيد لنا ولهم”، خرج الرئيس الراحل محمد أنور السادات إلى قصر عابدين لاستقبال إلياهو بن إليسار كأول سفير إسرائيلي لمصر، في غرفة مغلقة بعيدا عن عيون الصحف ووسائل الإعلام المحلية والعالمية.
أول شهيد للتطبيع
في الوقت نفسه كان المصريون والعالم يتابعون قصة شاب عشريني من قرية أجهور بمحافظة القليوبية شمال القاهرة، قرر احتجاز موظفي الوحدة المحلية بقريته مهددا بقتلهم، وقتل نفسه إذا لم يطرد السفير الإسرائيلي، لكنه قتل برصاص الشرطة، ليكون يوم 26 فبراير/شباط هو ذكرى سقوط أول شهيد ضد التطبيع.
وجرى تخليد ذكرى سعد حلاوة كأول شهيد لقطار التطبيع الذي مر على أجساد مصريين بالقتل أو السجن، أو الموت مصابين بسرطان تفشى تحت غطاء التعاون الزراعي بين الدولتين.
وسعد هو حفيد “إبراهيم حلاوة” أحد الأعيان الذين ساندوا الثورة العرابية ووقفوا إلى جانب جيش أحمد عرابى بالخبز والتمر والمال لشراء الأسلحة، ووقعوا على عريضة مطولة تأييدا لعرابى ثم رفعوها إلى الخديوي توفيق، حسبما ذكر المؤرخ عبد الرحمن الرافعي في كتابه عن الثورة العرابية.
السفير الإسرائيلي السابق حاييم كورين والدبلوماسي المصري أشرف منير خلال افتتاح السفارة الإسرائيلية بالقاهرة (الجزيرة)
السفير الإسرائيلي السابق حاييم كورين والدبلوماسي المصري أشرف منير خلال افتتاح السفارة الإسرائيلية بالقاهرة (الجزيرة)
عزلة تامة
منذ وصول السفير الإسرائيلي إلى القاهرة تعامل معه المصريون على كل المستويات -باستثناء الرسمي- كمن به طاعون أو جرب، على حد وصف دبلوماسي إسرائيلي، حيث عانى من عزلة تامة شعبيا وثقافيا وسياسيا، وكذلك فشلت كل محاولاته للقاء سفراء عرب بالقاهرة أو دعوتهم لمناسبات تقيمها السفارة.
لم يكمل بن إليسار 11 شهرا حتى طلب من وزارة الخارجية الإسرائيلية إعفاءه من منصبه، وقال في مذكرته للخارجية والكنيست “إن المصريين يرفضون التطبيع والوجود الإسرائيلي في القاهرة، ومن ثم فإن عمل أي سفير لتل أبيب في القاهرة هو أمر مستحيل، وإن التطبيع بين القاهرة وتل أبيب سوف يظل تطبيعا على الورق أبد الدهر”.
على مدار السنوات الماضية، لم تفلح السفارة الإسرائيلية بالقاهرة في الفت في عضد الرفض الشعبي الكامل للتطبيع، وتشهد على ذلك الفرحة العارمة بعدما نجح الشاب أحمد الشحات في تسلق مبنى السفارة عقب ثورة يناير 2011، وانتزاع العلم الإسرائيلي وحرقه بعد أن وضع العلم المصري مكانه، واعتبره المصريون بطلا، واحتفوا به وحملوه على الأعناق.
تنظيم ثورة مصر
قوبلت كل محاولات السفارة الإسرائيلية للتغلغل داخل المجتمع المصري أو حتى التقرب منه برفض قاطع، وصل في بعض الأحيان إلى استخدام العنف والسلاح ضد محاولات التقرب ممن يرونه عدوا لكل بيت مصري.
فبعد أقل من ثلاثة أشهر من افتتاح السفارة بالقاهرة حدث انفجار في المعبد اليهودي، ثم تعرض أتوبيس يقل سياحا إسرائيليين للتفجير بمنطقة الهرم أكتوبر/تشرين الأول عام 1982 خلف قتلى ومصابين، تلاه إلقاء قنبلة مولوتوف على سيارة القنصل الإسرائيلي بالإسكندرية، وإطلاق قذيفة “آر بي جي” على مبنى السفارة بالقاهرة عام 1985، واغتيل في العام نفسه مدير شركة سياحية إسرائيلية بمنطقة المهندسين ووجدت على جدار الشقة عبارات معادية للصهيونية.
ووصل الأمر إلى أن يؤسس ضابط المخابرات السابق محمود نور الدين، تنظيما سريا مع ثلاثة آخرين (ضباط بالقوات المسلحة ومدنيين) أطلق عليه “منظمة ثورة مصر” أخذت على عاتقها -حسب كلام نور الدين أمام النيابة- مكافحة الوجود الصهيوني على أرض مصر بالسلاح، وكان خالد نجل الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر من أهم الفاعلين في التنظيم.
نفذت المنظمة عمليات عدة منها محاولة اغتيال عضو الموساد زيفي كيدار عام 1984، وفي أغسطس/آب 1985 أعلنت المنظمة “قتلها مسؤول الأمن بالسفارة الإسرائيلية وإرساله إلى الجحيم”، وبعد مظاهرات كبيرة ضد الوجود الإسرائيلي في معرض القاهرة التجاري الدولي عام 1986، حيث كان المتظاهرون يهتفون “ثورة مصر طريق النصر” أعلنت المنظمة تصفيتها لمديرة الجناح الإسرائيلي “إيلي تايلور”.!!!!!!!!







