
أثر المعرفة الغنوصية في الأدب العربي
أثـر فلسفة المعرفة “الغنوصية” في الأدب العربي ..
د.علي أحمد جديد
كان لفلسفة المعرفة (الغنوصية” أثرها الواضح في الأدب العربي ، وثمـة نـصوص تتناول مفاهيم فلسفة المعرفة الصوفية (الغنوصية) ، كالروحانية ، وكتَفوُّقِ الروح علىٰ الجسد ، والبحث في المعرفة الحقيقية التي تُحَقِّقُ النَجاةَ من الظلام المادي . وقد بدا ذلك التأثر جلياً في التصوّف الإسلامي ، حيث اعتُبِرَت المعرفة الصوفية (الغنوصية) الطريقة المباشرة للوصول إلىٰ الإدراك الوجداني ، علىٰ عكس الإدراك الحِسِّي والعَقلاني . وقد ظهر تأثير المفاهيم (الغنوصية) في أعمال شعراء الحَداثـة ، مثـل الشاعر السوري (أدونيس) الذي يرىٰ في التصوّف أكثر من حركة دينية ، بل رؤية العالم بتجاوز الحدود المادية واستكشاف الواقع الشامل الذي يشمل ما هو مرئي وغير مرئي علىٰ حَدٍّ سواء ..
“جَسَدانا كتابةٌ
وكِلاهُما كتابٌ للآخَر
جَسَدانا وَحْيٌ
ويَرفضُان الهَياكِلْ
جَسَدُكِ مُفرَدٌ بِجَسَدِكْ :
فُرادَةٌ مثنوية
جَسَدُكِ
طَ لْ سَ مٌ ( لي )
مُ سْ لَ طٌ (عَلَيّ)” .
“تَخيَّلتُ طُفولَتي
ورحتُ ألهو علىٰ الشاطئ
حيناً ، كطِفلٍ يَرسمُ وَجهَ البَحرِ
ويَعِدُّ أصابِعَ الشَمسْ
وحيناً ، كبَحَّارٍ شَيخْ
يَقرأُ تاريخاً آخرَ للماءْ” .
وفي اللحظة التي تُقدِّم فيها الحداثةُ تَساؤلاً جذرياً لاستكشاف اللغة الشِعرية واستقصائها في آفاقٍ تجريبية جديدة من الممارسة الكتابية ، وابتكار طَرائقَ للتعبيرِ في مستوىٰ هذا التساؤل ، يكون التَلَقي امتداداً لإشراقاتِ النَصّ لأنه يشارك في القَدْر نفسه بإحداثِ الأثر الجديد للغـة أو بانحسارها في أُفُقِها الخاص إلىٰ حين تَبَدّيها في قراءةٍ أخرى .
فالحداثـة إذن تفترض أن يبدأ الكتاب من حيث ينتهي الآخرون لتوسيع أفق الكتابة والعالم ، ولم يعد ـ بالنسبة إليهم ـ بالإمكان النظر إلىٰ الشِعر علىٰ أنه تعبيرٌ لُغَويٌّ عن واقع الحياة ، لأنه ليس مُحاكاةً تَخيّلية موازية ، كما لم يعد الشِعرُ تَعويضاً عن نَقصِ العالم ، بل باتَ بَحثاً عن إمكانية تغييره بخَلْقِ واقعٍ آخرَ يتقدَّم عليه ويتجاوزه . لأن الحداثة ـ بحَدِّ ذاتِها ـ رؤيا غنوصية جديدة في جوهرها ، رؤيا تَساؤلٍ واحتجاجٍ بآنٍ واحد .. تَساؤلٌ حَولَ الممكن ، واحتجاجٌ علىٰ السائد ، لأنَّ لَحظَةَ الحَداثـة هي لَحظَةُ التَوتّرِ في خِضَمِّ التصادم بين البُنى السائدة في المجتمع ، وبينَ ما تَتطلَّبُه الحركةُ العميقة التغييرية من البُنىٰ التي تَستجيبُ لتلك اللحظةِ وتَتلاءَمُ معها لتستندَ الرؤيا الجديدة إلىٰ لغةٍ تستنفِدُ فيها الأشكالُ القديمةُ جدواها ، وهو ما دعا “أدونيس” إلىٰ اعتماد تلك (الخيميائية اللغوية” في نصوصه من خلال استحضارِ التراثَ الشِعري القديم ، سواء كان من عَصر الشِعرِ الجاهلي العربي ، أو باستحضار لغةِ الشعراء الذين شَكَّلوا مُفتَرَقاً حضارياً في لُغَةِ المعنىٰ كأسماءِ أعلامٍ مثلِ “أبي تمام والمتنبي والمعري” ، إذْ جاء في شِعرِ (المتنبي) من اللمسات الصوفية قَولُـه :
أروحُ وقد خَتمتُ علىٰ فؤادي
بحبك أن يحلّ به سواكا
ولو أني استطعتُ خفضتُ طرفي
فلم أُبصِرْ به حتىٰ أراكا
لم نَرَ مَنْ نادمتُ إلّاكا
لا لِسِوىٰ وِدِّكَ لي ذاكا
* * *
وما الخِلّ إلا من أُوَدُّ بقلبه
وأرى بطرفٍ لا يُرى بسوائه
فومَن أُحِبُّ لأعصينَك في الهوى
قَسَمَاً به وبحسنِه وبهائه
* * *
يا مَنْ ألوذُ به فيما أؤمله
ومن أعوذ به مما أحاذره
* * *
وقنعتُ باللقيا وأولِ نظرةٍ
إنَّ القليلَ من الحبيبِ كَثيرُ
* * *
إذا نلتُ منك الوِدَّ فالمالُ هَيِّنٌ
وكل الذي فوق التراب ترابُ
* * *
كتمتُ حبّكَ حتى عنكَ تَكرُمَةً
ثم استوى فيكَ إسراري وإعلاني
كأنه زادَ حتى فاضَ من جَسدي
فصارَ سقمي بهِ في جسمي كتماني
وكذلك في نصوصِ شعراء الصوفية الذين التزموا لغةَ الإشارة والإيحاء وعلى رأسهم “الحَلّاج والنُفَّري وابن عربي” . وباستقراء التراث القديم من خلال ما يقولُه (أدونيس) :
هـٰذا أنـا ..
لا ، لَستُ من عَصرِ الأُفولْ
أنـا ..
ساعةُ الهَتكِ العَظيمِ أتَتْ ..
وخَلْخَلتِ العُقولْ
هـٰذا أنـا ..
عَبَرتُ سَحابَةً ..
حبلىٰ بزَوبعةِ الجنونْ .
إضافةً إلىٰ أنَّ كتاب “إخوان الصفا” قد تَضمَّن أيضاً بعض الأفكار (الغنوصية) الأساسية ، مثل أن الروح الإنسانية هي شرارة من النور الإلـٰهي ، وأن خَلاصَ النفس من أسْرِ العالم المادي لا يتم إلا بالمعرفة وبالتحرر من قيود الالتزام بعقيدةٍ دينيةٍ واحدة ، لأن العقائد الدينية واحدةٌ في أساسها ، والدين في كل فروعه وشرائعه واحد لأن الربَّ واحد ، ولو تَعدَّدت الأديان إنما يعني تَعددَ الأرباب . ولأنَّ المُتَصَوِّفَةَ الغنوصيين يَرَونَ أن الروح هي الجزء الأعلىٰ في الإنسان ، وأنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعالم الإلـٰهي ، يكون الجسد المادي سِجناً للنفس ، ويجب علىٰ الإنسان تحرير روحِهِ من هـٰذا السجن بالسعي إلىٰ التَصوّف الذي يوصِلُ إلىٰ ما تدعو إليه نظرية “القَبَّالَة اليهودية” في (المعرفة الغنوصية) ، والتي تعني المعرفة المباشرة بالألوهية الخَفية التي تَحِلُّ في الذات البَشرية وتُساعد علىٰ تحقيق الخَلاص من الظلام المادي .
وقد استخدم بعض الشعراء لغةً رمزيةً في التعبير عن المعاني للتصوّف الغنوصي مثل الروح ، والعالم الإلـٰهي ، والنجاة . وتُظهِرُ بعضُ النصوص الفلسفية أيضاً تأثرَها بـ(الغنوصية) من خلال تناولها مفاهيم الروح ، والجسد ، والعالم الإلـٰهي . ولهـٰذا تَأثَّرَ التَصوّفُ الإسلامي بالفلسفة الغنوصية ، خاصة في مفاهيم المعرفة الصوفية . وبذلك يظهر أن أثر الغنوصية في الأدب العربي يتنوَّع في النصوص التي تتناول مفاهيم الروحانيات ، وماديات الجسد والعالَم المادي ، والمعرفة التنويرية للعقل .. ويبدو هذا التأثر بارزاً وواضحاً في قصائد التَصوّف للشعراء الإسلاميين ، وبصورة خاصة في نصوص “إخوان الصفا” الذين يعتبرون الوجود المادي شيطانياً وشِرّيراً ، وأنَّ الخَلاص هو في المعرفة المباشرة للألوهية الخفية أي (حلول الإلـٰه في الذات البشرية) والذي لايتحقّق إلا ببصيرة (القَبَّالَة) في الغنوصية الصوفية .





