محرك الجرار

محرك الجرار

بقلم ماهر اللطيف / تونس

انتصف الليل حين ولجتُ غرفة نومي.
كانت مظلمة، تنبعث منها رائحة زوجتي، مزيج من تعب النهار وعطر قديم يرفض الرحيل.
كان شخيرها يكسر هدوء البيت، ويؤكد – يقينًا – حضور الحشرات.
التحقتُ بها تحت الغطاء،
ومارستُ طقوسي الروحية المعتادة،
كأنني أستجلب السكينة لغرفةٍ يملؤها الضجيج…
سرعان ما باغتني النعاس،
فارتحلتُ إلى عالم الأحلام،
تارِكًا ورائي الدنيا ومن فيها.
تكاثرت أضغاث أحلامي،
وتناثرت صورها دون أن أفهمها.
فجأة،
أحسستُ بإصبعٍ يخزّ جنبي،
وصوتٍ عالٍ يقول:
“أغلق محرك جرارك!”
استفقتُ مذعورًا، أستغفر الله،
وأبحث عن كوب ماء أطفئ به ارتباكي.
رمقتني بنظرة حادة،
وقد جلست على الفراش،
وقالت:
– شخيرك تجاوز حدود المنزل… أقلق راحة الجيران، وهددوني برفع الأمر إلى الشرطة.
قلتُ متبرمًا:
– أحرمتِ نومي لتتنمّري؟
أجابت بحدّة:
– بل أنت من حرمني راحتي.
قلتُ:
– ألم تشعري بشخيرك أنتِ أيضًا؟
فقاطعتني،
ودخلنا في دوامة العراك،
شتائم، مدّ وجزر، نظرات مشتعلة…
ثم، فجأة،
ابتسمنا.
ضحكنا.
تبادلنا القبلات.
صمتنا…
واستلقينا من جديد.
وقبل أن يزورني النعاس،
زارتني ذاكرة الأيام:
كيف كنا ننام غزالين في غابة ساكنة،
لا يقطع صمتنا سوى دقات الساعة،
أو طارئ عابر.
لكن مع مرور السنين،
وكثرة التدخين،
تعب الجسد، وضاق النفس،
مرضتُ، وأجريتُ عمليات جراحية…
وصار شخيري يوقظني أنا قبل غيري.
أما شخيرها،
فهو تعبٌ متراكم:
بيت، عمل، أبناء…
وحياة لا ترحم.
ظللتُ على تلك الحال
حتى أيقظتني شمسٌ تخترق النافذة،
وفراشٌ بارد في جهتها الأخرى.
لقد يئست…
ورحلت بصمتٍ إلى غرفة الجلوس.
صار البيت،
كجرّارٍ قديم:
صاخب،
متعب،
مرهق…
لكنه
ما زال
يسير.