
بين قداس الذاكرة وبوابة السكري في روايات سليم بتقة بقلم الناقدة د نور الهدى قرباز الجزائر
الدكتورة نور الهدى قرباز مخبر اللغة والأدب الجزائري -جامعة محمد خيضر بسكرة.
بسكرة في مرآة السرد: بين قدّاس الذاكرة وبوابة السكّري في روايات سليم بتقة

تنهض الرواية الجزائرية المعاصرة، في تجلياتها الأعمق، بوظيفة مزدوجة: استعادة الذاكرة من جهة، وإعادة تشكيلها جماليًا من جهة أخرى. وفي هذا الإطار، تأتي روايتا “قدّاس الكاردينال” و”بوابة السكّري” للروائي سليم بتقة بوصفهما نصّين متكاملين يشتغلان على مدينة بسكرة، لا باعتبارها فضاءً جغرافيًا فحسب، بل ككيان رمزي متخم بالتاريخ، ومفتوح على الأسطورة، ومشبع بروائح الأرض والدم.
منذ العتبة الأولى، يضعنا عنوان “بوابة السكّري” أمام أفق تأويلي مركّب؛ فالبوابة ليست مجرد مدخل مكاني، بل هي معبر زمني تتقاطع فيه الحقب، أما “السكّري” فيحيل إلى دقلة نور، تلك الثمرة التي تختزل هوية بسكرة الزراعية والثقافية. وفي خلفية هذا العنوان، يتشكّل تناصّ دلالي مع “بوابة الحلواني”، بما يشي بامتداد ثقافي يربط بين الجزائر ومصر، ويؤكد أن الحضارات تتجاور في الذاكرة كما تتجاور في النص.
أما “قدّاس الكاردينال”، فتتخذ من الطقس الديني بنية رمزية لاستحضار الألم الجماعي، حيث يتحوّل القدّاس إلى فعل تطهيري، والكاردينال إلى شاهد على تاريخ مثخن بالجراح. هنا، لا يكتفي السرد بإعادة الحكي، بل يمارس نوعًا من الطقس الروحي الذي يعيد إحياء الذاكرة ويمنحها بُعدًا إنسانيًا عميقًا.
لا
تتميّز الروايتان باستدعاء شخصيات تاريخية ودينية، تُسهم في توسيع أفق الدلالة، وتمنح النص عمقًا رمزيًا. فحين تُستحضر عصا موسى، لا تُستدعى كمعجزة دينية فحسب، بل كرمز للتحوّل والانفجار الكامن في التاريخ، وكأن الرواية تعلن أن الأرض التي أنجبت المعجزات قادرة أيضًا على إنجاب الحرية. هذا التداخل بين المقدّس والتاريخي يمنح النص طاقة تأويلية، ويجعل السرد يرقص على كل “الطبوع”، متجاوزًا الحدود التقليدية بين الأنواع والخطابات.
وفي قلب هذا البناء السردي، تتجلّى بسكرة بوصفها امتدادًا للأندلس، تلك الجنة التي سقطت في التاريخ وبقيت حيّة في الذاكرة. إنّ جمال طبيعة بسكرة، بواحاتها ونخيلها، يستعيد في الروايتين صدى الأندلس، وكأن الكاتب يعيد وصل ما انقطع بين الضفتين. ويزداد هذا الربط عمقًا مع استحضار زوجة المعتمد بن عباد، بما تمثّله من رمز للحنين والترف الضائع، حيث تتقاطع مصائر الشخصيات بين المجد والسقوط، بين الحضور والغياب.
غير أن هذا الجمال لا يُقدَّم في عزلة عن الألم، بل يتجاور معه في مشهد سردي كثيف، يجعل القارئ يكاد “يشتم” رائحة الأرض، ويشعر بثقل الدم الذي سُفك فوقها. فالتاريخ في هاتين الروايتين ليس سردًا محايدًا، بل هو ذاكرة حيّة لأرض رُويت بالدم حتى نالت استقلالها. وتبرز أحداث “الأحد الأسود” بوصفها لحظة مفصلية، تتكثّف فيها صور الظلم الاستعماري، ويتحوّل السرد إلى شهادة أخلاقية تفضح القهر وتستعيد الكرامة.
ولا تكتمل صورة بسكرة دون فضاءاتها الرمزية: من حصن لالة الدبّارة، إلى سيدي زرزور، وصولًا إلى مقبرة لعزيلات، حيث يرقد العظماء. هذه الأمكنة ليست مجرد خلفيات، بل هي شواهد حيّة على تاريخ المدينة، تشارك في تشكيل الوعي السردي، وتمنح النص بُعدًا طقوسيًا، كأن القارئ يعبرها لا بعينيه فقط، بل بروحه.
وفي مستوى آخر،رغم انه لم يذكرها بالاسم ذكر ليسي العربي بن مهيدي وحدائق النخيل .ويتّجه رأي ناشر الروايتين محمد بن زيد إلى موقف ثقافي واضح يرفض الارتهان لمنطق الجوائز العالمية وشروطها، ويؤكد الاكتفاء بالاعتراف الوطني الصادق، وهو ما ينسجم مع رؤية النص وهويته. ويعبّر عن هذا التوجّه في أحد نصوصه القصصية من مجموعة “قل اهبطوا منها جميعًا” بقوله:
“تدفّق كاتب من الظلمة وبكى، حتى أكون مشهورًا، ولي صولات وجولات، أمروني بأن أفضح شهوة المرأة وأن أحنّط شارب الرجل”؛
وهي عبارة تختزل صراع الكاتب بين الإبداع الحر وإكراهات السوق، وتفضح الضغوط التي قد تدفع الأدب إلى الابتذال بحثًا عن الاعتراف الخارجي.
كما تعكس الروايتان، في هذا السياق، صورة “البسكري” بوصفه إنسانًا متديّنًا، متجذّرًا في عقيدة صحيحة، ومشبّعًا بثقافة أبوية أصيلة، ترفض الانسياق وراء “ثقافة القطيع” أو الخضوع لمنطق المساومة. وهنا، تتحوّل الرواية إلى خطاب هوياتي، يدافع عن خصوصية ثقافية في وجه العولمة الجارفة.
تقدّم روايتا “قدّاس الكاردينال”و”بوابة السكّري” تجربة سردية غنية، تزاوج بين التاريخ والمتخيّل، بين الجمال والألم، بين المحلي والكوني. إنّهما نصّان يكتبان بسكرة بالحبر والدم، ويجعلان منها بوابةً لا لعبور المكان فقط، بل لعبور الذاكرة، حيث يلتقي الماضي بالحاضر، ويولد المعنى من رحم المعاناة







