
الأسطورة والرمز في قصيدة بؤرة المجاز بقلم الناقدة وردة عون للشاعر حاتم الإمام غضباني
الأسطورة والرمز في قصيدة بؤرة المجاز( مخاض القصيدة) للشاعر التونسي حاتم الامام غضباني.
لقد حفل الشعر العربي المعاصر بالرمزية الأسطورية نتيجة تأثر معظم الشعراء العرب المعاصرين بالشعر الغربي أيما تأثر،واتجهوا نحو محاكاته وتقليده،موظفين الرمز والأسطورة في شعرهم،حتى غدت قصائدهم حافلة بهما ،الأمر الذي أدى إلى ظهور رؤية نوعية تجديدية على مستوى البنية الفنية الشعرية شكلا ومضمونا ونزعة حماسية معاصرة للشعراء في تبني التوظيف الأسطوري في تجاربهم الشعرية كأداة فنية في البناء الفني الشعري .
قصيدة بؤرة المجاز(مخاض القصيدة) للشاعرحاتم الامام غضباني،جاءت حبلى بالرموز والأسطورة،و توظيفها لها دلالات وسياقات مختلفة،فمنها ماهو مستمد من التراث العربي القديم( الحضارة المصرية القديمة/ أبو الهول) ومنه ماهو مستمد من التراث الغربي القديم ( الحضارة اليونانية والاغريقية/اوديب،بروميثيوس،نرجس،جلجامش،سيزيف) ولعل هذه المزاوجة بين التراثين الغربي والعربي قد طبعت على القصيدة ألوانا مختلفة أضفت عليهاجمالية فنية .
إن هذا الترصيص الرمزي الأسطوري وهذا الكم من التوظيف،هو لغاية مفادها بناء صرح القصيدة،فكانت لوحة فنية، بعث الأسطورة هو بعث جديد للكتابة، كتابة القصيدة هذا المولود الذي يخرج إلى النور بعد طول معاناة وعسر مخاض وعناء وألم وضياع وانكسار ألّم بالشاعر،وكان ميلاد القصيدة عنده بمثابة ولادة قسرية،رغم أنه وشيج الصلة بها وربما هي بين جوانحه وجوارحه وضلوعه ، وكان شيئا يدفعه ويؤزه إلى جمال رقتها ونعومة حروفها،لكنه أحيانا يصاب بالانهياروالضعف والضياع أمامها، فلا يجد الكلمات.
إن حضور الأسطورة في القصيدة هونوع من البعث والتجديد حيال حالة العبث،والشعور بالألم،لذلك تأسست على توظيف أساطير الخصب والنماء والبعث والولادة،والتجديد والحياة،والقوة والحكمة.
وكأني بالشاعر يستحضر تلك الأساطير كنوع من الخلاص لأزمته ومشكلة التعامل مع القصيدة ، ويوظف رموزها كمطية للنجاة والانعتاق، فذكر أسطورة أوديب التي تمثل فلسفة العبث والتيه،وأبو الهول الذي جمع بين القوة والصلابة في جسد الأسد،والحكمة في رأسه البشري،هذا التمثال الذي شيّد ليكون حارسا للمقابر والمعابدوالأهرامات، و أسطورة سارق النار بروميثيوس البطل المتمرد الذي عاقبته الآلهة،أما عن أسطورة نرجس اليونانية،الذي مات بسبب غروره وحب الذات في بركة ماء وهو ينظر إلى صورته، ولكن الشاعر كان يرى غرق الحقيقة في الوهم والخيال. وهذا يدل على البحث عن الذات وقلق المعنى،،ذكر الشاعر أسطورة عشبة جلجامش أو عشبة الخلود كما ذكرت في ملحمة جلجامش الشعرية ،وهي أقدم نص أدبي، يجسد رحلة البحث عن الحياة وسر الخلود،بعد رحلة طويلة وخطيرة عن عشبة سحرية تعيد الشباب يتم الوصول إليها لكنها تسرق وتضيع منه، هذه الأسطورة ترمز إلى حكمة مفادها أن خلود الإنسان ليس هو خلود الحياة إنما يكمن في الأعمال،وأن الخلود الحقيقي هو ذلك الأثر الذي تتركه.فالكلمة في القصيدة شبهها الشاعر بعشبة جلجامش ذلك أنها هي الخالدة عبر العصور،
ثم أن الصمت وعدم إيجاد الكلمات،كأن شيئا يدك عظامه،ويؤرقه،كأنها صخرة سيزيف التي يدفعها إلى أعلى الجبل، لكنها كانت تنزل إلى السفح،كلما دفعها إلى الأمام، وكأنه في معركة معها كذلك الشاعر في معركته مع القصيدة ،بين مد وجزر،وشد وجذب، ترمز إلى فلسفة العبث والبحث عن الوجود ومعنى الذات.
هذا المخاض بمثابة ( الغلالة) وجمعها غلائل ،أي دروع، وهوالثوب الرقيق،بطانة تلبس تحت الدروع،
في السياق التاريخي ،كلمة لها أصول إغريقية.
أما في المجال الطبي ،وفي التشريح تطلق على غطاء أو غلاف من النسيج يغطي عضو ما.
وبذلك يكون المخاض الذي نتج عنه ميلاد القصيدة بعد ولادة قسرية ،وعناء ومشقة وتعب بمثابة الثوب الرقيق الذي يفصل الواقع عن الحقيقة والأسطورة، كما يفصل الجسد عن الثوب الخارجي. فهو الذي وهبها حبره ،كي يتغير الحال إلى حال أحسن من بؤرة المجاز.
إن توظيف الأسطورة في القصيدة كظاهرة فنية،واستخدامها كوسيلة للتعبير وتجاوز الواقع والتغلب على المأساة،وربما كان توظيفها كحالة من الانبعاث والعودة والتجدد بعد الانهيار والانكسار،
أوربما كان توظيفها لأجل بناء صرح القصيدة ،إلى أن وصلت بؤرة المجاز إلى قوة الإنجاز وأطلقت عليها وسم القصيدة الأسطورة لأنها تكونت من أسطورة المخاض.
في الختام، إن التوظيف الرمزي والأسطوري في القصيدة بؤرة المجاز ربما له مبرراته والتي تعود إلى كون الشاعر يألف هذا الاتجاه أو إلى مرجعيته الثقافية العربية والغربية بصفة خاصة ،أو حبه للأساطير والتراث القديم بصفة عامة.
كل الشكر للشاعر على هذا الثراء الشعري وهذا الزخم الرمزي الأسطوري ، مع دوام التوفيق والنجاح.
بقلم وردة / عون الجزائر







