تحولات الذات والزمن قراءة لقصيدة بين الأمس واليوم للشاعرة زهرة بن عزوز بقلم الناقدة وردة عون

تحولات الذات و الزمن : قراءة في قصيدة “بين الأمس واليوم” للشاعرة  الجزائرية زهرة بن عزوز
بقلم الأستاذة وردة عون / الجزائر
يعد الزمن أحد مقومات الحضارة الإنسانية،وارتبط بالأدب عموما العربي والغربي، قديمه وحديثه ومعاصره  الأمر الذي أثار اهتمام الدارسين والأدباء والنقاد،فحضوره لم يكن ذلك الحيز أو الفضاء الخطي الكرونولوجي للحياة، بل أصبح من المواضيع الإنسانية الهامة،فكلما زاد الوعي الإنساني زاد مفهوم الزمن أكثر دلالة،واتسعت دائرة معناه،وأصبح جزء لا يتجزأ من الحياة الإنسانية ،حتى أنه اقترن بالذات، وأصبح الاثنان في علاقة تلازمية تكاملية ،يكمل أحدهما الآخر إلى درجة الانصهار والاندماج الذي يولد عنه الحدث الفني أو التجربة الإنسانية ( العمل الفني والأدبي)،
قد يوظف مكون الزمن إما كمؤثر أو محفز إيجابي أو كعائق ،أو كمشكلة ذاتية،نفسية،أو اجتماعية ،أوفلسفية  تؤثر على الذات ، وينعكس ذلك على الأعمال الفنية والتجارب الابداعية والتي تختلف حسب أصحابها،لذلك كثيرا مانجد تساؤلات حول معنى الزمن وسؤال الذات، ماعلاقة الزمن بالذات؟،إلى أي مدى يؤثر الزمن في الذات الإنسانية المبدعة؟ ومن هنا تطور مفهوم الزمن وازداد وعي الإنسان ونضجه الفكري وتعددت رؤاه ليصبح الزمن مقاربة حتمية لفهم التجارب الشعورية الإنسانية ،ولعل الشعر أكثر الفنون توظيفا للزمن لأنه أكثر حملا للأفكار والأحاسيس والمشاعر والتمثلات التي تعبر عنها الذات الشاعرة ،وعن مشكلاتها وصراعاتها الداخلية.
أسالت قصيدة بين الأمس واليوم للشاعرة زهرة بن عزوز ،مداد قلمي لاستقرائها واستكناه فحواها وإحاطتها بقراءة متواضعة موسومة ب” تحولات الزمن والذات في قصيدة بين الأمس واليوم”
عتبة العنوان: يعد عنوان القصيدة في حده ذاته نصا آخر،حمولة دلالية تشي بما تحمله من معان وأبعاد رمزية ،وكأن الشاعرة تخاطب المتلقي / القارئ  من أول وهلة وتسرد حكايتها ضمن مسار زمني خطي أو كرونولوجيا سردية بأوجه الزمن ( الماضي الامس/ الحاضر اليوم) وبين الزمنين يولد زمن إنساني داخلي متحول ،هو تحول الذات،وكأن الذات بوصلة تتحول وتتغير من حالة إلى أخرى كلما تغير مؤشرالزمن .
التحليل: استهلت الشاعرة قصيدتها بالزمن” كل صباح أطارد ظلي” الصباح وقت يدل على التجدد،الاشراق ،لحظة تجلي ،واستخدمت عبارات دالة عن الزمن الماضي من خلال الافعال والأسماء : صوت قديم/ كنته ذات يوم/ بين امس يتآكل/ طفل كان يعدو في دمي/ ثم خمد/ في هذه الفترة تسرد الشاعرة معاناتها والصراع النفسي،  من خلال البحث عن ذاتها أطارد ظلي/ عالقة/ عن شرارة خانها الزمان/ أجس وجهي / أبتسم قسرا / كي لاتفضح ارتباكي المرايا/ أفتح خزائن الذاكرة
انتقلت الشاعرة مباشرة من ذاكرة الماضي إلى سرد الحاضر من خلال توظيف زمن الحاضر والعبارات الدالة عليه: تتبعثر الأسماء أمامي/ أستدعي ضحكتي الأولى/ كأني غادرت ذاتي/ تركت خلفي بابا مواربا/ أسأل الليل/ أحاور الوقت/ يفلت من نظري/ يتركني مع عقارب باردة.
في خضم تحول الزمن وتعاقبه: (الصباح/ الليل)، (الماضي / الحاضر )  تحاول الشاعرة تخطي الأزمة، واستعادة ذاتها،ونبضات نفسها،،وتجاوز الخيبات والعثرات في محاورة الوقت ومساءلة الليل ، لتستجمع قواها وتعيد بناء ذاتها من جديد، والبحث عنها والسؤال في قولها: فمن أنا الآن؟
ظل تخلف عن صاحبه؟
أم حكاية أضاعت خاتمتها
فعلقت بين سطرين
أم أنني عابر  في ذاتي
يطرق أبوابها كل فجر
بعد الانكسار والعجزو الضياع،تحولت الذات إلى ذات مقاومة ،تستنهض قوتها بكل ثقة ،و لفظة الفجر زمن يدل على التجدد،التغير، الانفتاح والاقبال على الحياة، وتحدي العوائق والأزمات والمضي في الزمن واستشراف المستقبل  والعزم على المواصلة ولملمة شتاتها على أمل أن تجد ذاتها صدفة في طريق لم تكتبه خطاها وذلك في قولها:
ومع ذلك
ألم شتاتي كل يوم
أرتب وجهي
كأني أولد من جديد
وأمضي علني ألقاني صدفة
في طريق
لم تكتبه خطاي بعد.
إن تقاطعات الزمن  هذه هي بمثابة مراحل مفصلية لتحول الذات تحولا داخليا ونفسيا،تتماهى فيه الذات مع الزمن في بنية شعرية سردية تعبر عن قلق إنساني ذاتي مشحون بدلالات رمزية، ليُكسب الزمن شعرية جمالية ،علاوة على ذلك حضور الزمن السردي من خلال تقنية الاسترجاع والاستباق.
القصيدة كانت رحلة الذات وتقلباتهاعبر الزمن، حيث شغل هذا الأخير حيزا كبيرا منها،وبرز كإشكالية فلسفية وجودية ( العدم/ الوجود) تعكس قلق الإنسان ،وانتقال مفهوم الزمن من كرونولوجيا خطية إلى رؤية فلسفية ذاتية تعبر عن حالات شعورية انفعالية تواجهها الشاعرة وتدفعها إلى تجاوز العقبات ومواجهة التحديات لتنتج  في آخر المطاف لغة شعرية وجمالية فنية وابداعا خالدا،إبداع من صنع الذات الإنسانية المتماهية في الزمن.
– في الختام نشكر الشاعرة زهرة بن عزوز على هذا البوح العميق،والثراء اللغوي،والشاعرية المكثفة التي جعلتنا نزداد فهما وإدراكا بأهمية الزمن ونستشف أثره على الوعي الذاتي وعلى الابداع والانتاج الفني والأدبي.
كل التوفيق مع دوام الألق والتميز.

بين الأمسِ واليومَ…

كلَّ صباحٍ أُطاردُ ظِلّي…
فلا ألمحُ غيرَ وجوهٍ باليةٍ…
عالقة في زوايا ملامحي…
وصوتٍ قديمٍ…
كنتُهُ ذات يومٍ…
يناديني… فلا أصل…
أُقلّبُ في عينيَّ
عن شرارةٍ خانها الزمان
بين أمسٍ يتآكلُ…
ويومٍ لا يكتمل…
عن طفلٍ كان يعدو في دمي
ثمّ خمد…
كأنّه لم يُخلق…
أجسُّ وجهي…
كأنّي أستعيرُه من غريب…
وأبتسمُ قسرًا…
كي لا تفضحَ ارتباكي المرايا…
أفتحُ خزائنَ الذّاكرة…
فينهالُ الغبارُ قبلَ الحكايا…
وتتبعثرُ الأسماءُ أمامي…
كأنّها لم تسكنْ قلبي قطّ…
أستدعي ضحكتي الأولى…
تلك الّتي كانت تسبقني…
فلا يعودُ إليَّ…
إلّا صدىً مرهق… يكاد يتكسّر
في أروقةِ الصّمت…
كلُّ الدّروب الّتي عبرتُها
تنتهي إليَّ…
لكنّي لا أكون…
كأنّي غادرتُ ذاتي
دونَ وداع…
وتركتُ خلفي بابًا مواربًا
لا أجرؤُ على طرقه…
أسألُ الليلَ عنّي…
فيشيحُ بكتفيه…
ويُلقيني بنجمةٍ كسيرة…
وأحاورُ الوقت…
فيُفلتُ من نظري…
ويتركني مع عقارب باردة
تُحصي خيباتي وعثراتي…
نبضةً… نبضة…
فمن أنا الآن؟
ظلٌّ تخلّفَ عن صاحبه؟
أم حكايةٌ أضاعت خاتمتها
فعلِقتْ بين سطرين؟
أم أنّني
عابر في ذاتي…
يطرقُ أبوابها كلَّ فجر
ولا يُؤذَن له بالدّخول؟
ومع ذلك…
ألمُّ شتاتي كلَّ يوم…
أرتّبُ وجهي…
كأنّي أُولدُ من جديد…
وأمضي…
علّني ألقاني صدفةً
في طريقٍ
لم تكتبهُ خطاي بعد.

الشّاعرة الجزائرية زهرة بن عزوز