التعالق الدلالي الأجناسي الأدبي والفني قراءة في قصة لوحة من الليل اللٱخر نموذجا للقاصة حكمةجمانة

  1. قراءة نقدية:”التعالق الدلالي الأجناسي الأدبي والفني”

(قصة “لوحة من الليل اللآخر نموذجا)

القصة القصيرة: “لوحة من الليل الآخر”

القاصّة حكمة جمانة (الجزائر)

الناقدة: جليلة المازني (تونس)

أ- المقدمة:

يشير التعالق الدلالي الاجناسي الى تقاطع وتداخل الأنماط الأدبية والفنية.

ويقصد بالتعالق الاجناسي او تداخل الاجناس الأدبية وتراسل الفنون في قصة “لوحة من الليل الاخر” في ادماج خصائص الفن البصري والسمعي وتشعير السرد وتوظيف ادب الأسطورة وادب الحلم واستخدام التحليل النفسي داخل البناء السردي للقصة لتشكيل نص هجين يكسر الحدود التقليدية للقصة القصيرة (1).

وفي هذا الاطار فان الكاتبة جكمة جمانة قد زاوجت بين:

– السردي والتشكيلي.

– السردي والموسيقي.

– السردي والشعري

– السرد وادب الأسطورة

– السرد وادب الحلم

وقد استخدمت التحليل النفسي كمحرك لابداع القصة القصيرة

لتجعل العلاقة بين السرد والتحليل النفسي علاقة تكاملية وثيقة فكلاهما يبحث في تشكيل الهوية وفهم الذات ومعالجة الصدمات من خلال “الحكاية”.

ب – تجليات التعالق الاجناسي بالقصة:

1- السردي والتشكيلي:

+ بدْءا بالعنوان” لوحة من الليل الآخر” فالكاتبة زاوجت بين اللوحة التشكيلية البصرية والزمن السردي “الليل الاخر”.

هذا العنوان له بعدان:

– البعد الغرائبي : يكسر مفهوم الليل المالوف ليحوله الى غير المالوف:

فالليل المالوف الدال على الظلام والسكينة والوحشة.. يتحول الى “آخر” مما يشير الى عالم غير مالوف ,الى عالم مجهول, او الى حالة من الاغتراب او الانتقال الى حالة أخرى من الوعي والتأمل.

– البعد الجمالي والفني (اللوحة) يضفي العنوان على القصة سمة بصرية (كتابة أدبية بلون فني). فالكاتب لا يسرد حدثا عاديا بل يرسم مشهدا او يعبر عن ماساة .

انه يرسم لوحة سيريالية يمزج فيها الليل بالليل الآخر.

– العنوان يجسد علاقة الجزء بالكل فكأن الكاتبة ترسم لوحة من مجمل لوحات من الليل الآخر.

+ على مستوى متن القصة:

تداخل السرد بالتشكيل: استعارت الكاتبة تقنيات الرسم ( الألوان/ توظيف الظل والنور/ تاطير المشهد) في لغة السرد ليتحول النص الى ما يشبه “اللوحة الفنية” المعروضة امام المتلقي بدلا من مجرد سرد خطي للاحداث.

فالكاتبة تجعل القارئ ينتقل من خانة التلقي القرائي الى خانة التلقي البصري.

2- السردي والموسيقي: ان انغام تشايكوفسكي كانت تتابعها طيلة القصة.

وكأن الشخصية منتشية بهذه الانغام وهي ترسم وتعبر في نفس الوقت.

3- شعرية السرد (تشعير السرد): وظفت الكاتبة لغة مكثفة ومجازية تقترب من قصيدة النثر حيث تحضر الانزياحات الدلالية والاستعارات المكثفة وثنائية التجسيد والتشخيص عوضا عن السرد الخطي المباشر.

4- السردي وأدب الأسطورة:

يمثل السرد وأدب الأسطورة حسب بعض النقاد ركيزتين متكاملتين في التراث الإنساني فالاسطورة هي المادة الأولية او النواة الخيالية” التي تفسر الكون بينما السرد هو القالب الفني او الأداة اللغوية التي تُنقل بها هذه الاساطير عبر الأجيال”

ان هذا الارتباط الوثيق بين السرد والاسطورة يتسم ب:

– الأسطورة كحكاية مقدسة

– السرد كجسد فني للاسطورة .

وبالتالي فالعلاقة بينهما جدلية فالكتاب يستخدمون الاساطير لاسقاطها على الواقع المعيش مما يمنح النص دلالات متجددة (2).

في هذا الاطار فقد استخدمت الكاتبة ثلاث اساطير لتجسيد ثنائية الخير والشر:

– اسطورة بحيرة البجع.

– اسطورة يوليفيموس

-اسطورة الساحرات العجائز الثلاث

5- السرد وأدب الحلم ويستخدمه الكاتب كوسيلة للتحرر من قيود الواقع .

ان الكاتبة حكمة جمانة اعتمدت على تتقنية الحلم واللاوعي كفضاء لتحرير الشخصية من قيود الزمان والمكان مما يتيح للكاتبة طرح أسئلة فلسفية حول الوجود والذاكرة والصراع النفسي…

تقول الكاتبة: ” استيقظت على اثرها مفزوعا وادركت ان العينين ما هما الا عيون من الليل الآخر”

وفي هذا الاطار فقد استفادت القصة من اضاءات التحليل النفسي والفلسفة لتخرج عن النمط الكلاسيكي للقصة الى نص يتجاوز التصنيفات الجاهزة ويلغي الحدود النوعية.

فقصة “لوحة من الليل الاخر” للكاتبة حكمت جمانة تغوص في أعماق النفس البشرية متخذة من العزلة والوحدة موضوعا أساسيا لاستكشاف آلية الدفاع النفسي وتيار الوعي من خلال:

– تحليل الشخصية : يوفر التحليل النفسي أدوات لقراءة الشخصية السردية وقد تجلّى في:

+ صراع الذات واللاوعي من خلال:

– الكبت والصدمة: تعكس القصة حالة الصدمة والهروب من الواقع حيث تدفع اللاواعية البطل الى الهروب من ماضيه أوواقعه المؤلم.

– اسقاط المشاعر(اللوحة): تمثل اللوحة في القصة مرآة تعكس الرغبات الدفينة والمخاوف المكبوتة.. انها أداة اسقاط نفسي تتيح للبطل تفريغ شحناته الانفعالية دون مواجهة مباشرة مع محيطه الخارجي.

+ ثنائية الواقع والوهم:

– العزلة كآلية دفاع : تلجأ شخصية وبطل القصة الى العزلة والانفصال عن محيطه كدرع يحمي به ذاته من المزيد من الصدمات.

– الوقت والنفس: تلعب الأزمنة النفسية في القصة دورا محوريا فالماضي يسيطر على الحاضر. وتتداخل الاحداث وفقا لمنطق اللاشعور(أحلام اليقظة والهلاوس) بدلا من التسلسل الزمني المنطقي مما يبرز حالة الاغتراب النفسي.

وفي هذا الاطار فان الشخصية قدعاشت صراع المتناقضات:

أ- الصراع مع ريشتها وهي بين العجز والتمرد تقول الكاتبة:

*عجز الريشة: “وكم وددت ان أزفر زفرة قوية تترجمها ريشتي العنيدة” وبالتالي هذه الزفرة عجز التشكيلي عن رسمها فعبر عنها السردي.

* تمرّد الريشة : تقول الكاتبة باسم الشخصية :”وحدث مالم أتوقعه : هربت الريشة من يدي كفرس جموح ..أجدني عاجزا تماما عن ترويضها .. استسلمت لعنادها”

ب – الصراع مع أنغام تشايكوفسكي بين التخدير والتنبيه: “كانت انغام تشايكوفسكي تنساب في رقة مخدرة ومنبهة تغازل الصمت الهادر”

فهذه الانغام بقدر ما ينتشي بها البطل بقدر ما توقظه لتجعل صمته هادرا.

وخلاصة القول فان الكاتبة قد استطاعت بامتياز أن تنْحتَ للقارئ ملامح قصة قصيرة” هجينة” اتسمت بالتعالق الدلالي الاجناسي الادبي (كالشعر وادب الحلم) والفني(التشكيلي والموسيقي) واستخدمت ادب الأسطورة والتحليل النفسي من أجل تحدي الواقع الموجود الى اللاواقع المنشود. .

ان هذا التعالق الاجناسي يضع حدّا للقطيعة بين الاجناس الأدبية والفنية و هو بذلك ينتهك حرمة أولوية جنس أدبي او فني على آخر.

ان الكاتبة حكيمة جمانة ترتقي بقصتها “لوحة من الليل الآخر”الى العالمية من حيث التعالق الاجناسي الادبي والفني مع:

– الاديب المغربي محمد شكري في السيرة الذاتية الروائية.

– الاديب ايميل حبيبي في روايته “الوقائع الغريبة”.

– الاديب أمين معلوف في روايته التاريخية”ليون الافريقي”

سلم قلم الكاتبة حكمة جمانة هذا القلم المجدد و المتمرد على القصة القصيرة الكلاسيكية .

بتاريخ 05/ 06/ 2026

المراجع:

(1) العبور الاجناسي- نادية هناوي – مجلة الجديد -01 جويلية2021

(2) الأسطوري- والسردي بقلم فتحية بن فرج -25 ماي 2026

(3) الحلم في الادب والفن..ملجأ الهاربين من الواقع- أحمد رجب – صحيفة العرب –

02 جانفي 2018

ص القصة: الكاتبة حكمة جمانة

 

 

لـوحــة من الـلـيـل الآخـــر

 

سقطت المدينة مستسلمة في حضن الليل الجائع وما سقطتُ أنا

في حضنه لأن جوعي يفوق جوعه أضعاف المرات، لحظة مقارنة

فارقة، ألـقتْ بظـلالها باعـثة بعض التحـدي وأنـا أقـول في قـرارة

نفسي لو كان ليلي جمرة متقدة فأنا نار متأججة تستجـدي لحظـة سكون دافئة لأجـل روح باردة منذ أكثر من شهر.

كانت الألوان قاتمة، الريشة زائغة وكان اللوح الصغير المرفوع

على القائمتين الخشبيتين متحـفزا كما عـين ساهـرة ترقـب ولادة

نجـم في سماء غائمة.. بينما كانت أنغام “تشايكوفسكي” تنساب

في رقة مخدرة ومنبهة تغازل الصمت الهادر..

اقـتربتُ بخطى وئيدة نحو الريشة، الـتقطتها من موضعها كمن

يلتقط درة نفيسة من مكان سحيـق.. رفعتُها صوب عينيّ مـطيلا

فيها التأمل، شحنتها ببضعة كلمات من الإطـراء الأبيض فحسب حتى لا أشركها باقي الألوان تجنبا لغيرتها..

هكذا اعتدتُ على إغرائها كلما شرعت في طقوس الولادة الفنية.

كانت الفكرة المجردة تدب برأسي تتخبط بقوة جنين في بطن أمه

ساعـة مخاض، استعجلت هـذه المرة ُالولادة بلهفة غريبـة غرابة ذلك الشعور المبهم الذي يسكنني بعبئه الثقيل.

أحسستُ أن صدري قد انتفخ وكأن أوكسجينا ملوثا قد قـرّ برئتي

وكم وددت أن أزفر زفرة قوية تترجمها ريشتي العنيدة..!

تحسستُ شـعيراتها الناعـمة بحنو جـارف أستجـديها برقـة غـير

معهودة؛ أغـمستُ بعد ذلك رأسها في أحــد الألوان دونما انـتقاء

محدد، صوبتها نحو الإطار الخشبي وتركتُ لها العنان علها تخرج

الحمل الثقيل الذي سكن صدري منذ أكثر من شهر..

وحـدث ما لم أتوقعـه ؛ هـربتْ من يـدي، تمردتْ كـفرس جموح

أجدني عاجزا تماما عن ترويضها.

( آه وآه ) فـلتتْ مـن أعماقي بألم وحـزن كبيرين، كأنّني أوقـظ

نبضها لتتحـرك وتفرغ تلك الحمولة التي أثقلت كاهـل صدري..

أعتـقتُها للحـظات بعـد أن ارتدتْ يـدي وتأرجحـتْ إلى جانـبي،

استسلمت أمام عنادها،وسحبتني أنغام تشايكوفسكي إلى بحيرة

البجع في وقت مستقطع؛ خيل لي أن ريشتي بجعـة بيضاء وكـم

يلـزمني من تعويذة لتعـود أوديت*

بعد تهويمات عدت إلى موضعي أربّتُ على يـدي التي راوغتْها

الريشة حتى تحركـتْ وارتفعـتْ وهي تملي عليها بـدء الرسـمـة.

وهاهي أخيرا تستقوى، تتحرك بحرارة، تفـرغ وجعي ونبضي

بطريقة لا شعورية ولما توقفت الماكرة عن الحراك أهدتني عينينكبيرتين مفتوحتين لا شبيه لهما في شلال خضرتهما وهما تذرفان دموعا حمراء؛ تأملتُ العينين الماثلتين أمامي على اللوحة حتى تـملكـني الإرباـك والذهـول وسرعان ما تسلـقني الخوف وعـبث بالمضغة الباردة في يساري..

كان مـرأى العينين مروعـا وهـو يشي بـسر عجيب ولغـز محـيّر..

سرتْ قشعريرة باردة في جسمي، تشنجت عضلاتي وتـفصد جبيني

عرقا ودونما شعور محوت العينين بعدما عبثت بي المخيلة،فخلتهما

عينين من عيون الملاحم والأساطير ربما عـين ” بوليفيموس” في

منتصف جبهتـه، ربما هي لـثلاث ساحـرات عجائـز يتقاسمن عـينا واحـدة وسنا واحدة ربــــمـــا..

طوتني أسئلة الاحتمال حتى ترنحتْ رأسي التي تفرغت بـدورها

لصدري المعبأ لتضغط عليه أكثر، وكمن حـط قدميه على الأرض

بعـدما عـرج في سما بعـيدة، استعـدتُ وضعـية رأسي المهربـة (فأين كنتُ يا ترى وأيّة قوة سحرية استلتني للحظات عن موسيقى

تشايكوفسكي التي انسجـمت مع قـطرات المطـر التي سمعـتُ لـها إيقاعا آخر وهي تنزلق على وجه النافذة الكريستالي ..)

وبعـدما بلغ مني التعب مبلغا كبيرا ارتميتُ على فراشي مستجديا

الكرى الذي كان يراوغني من حين لآخر بمرأى العينين الحمرواين،

استسلمت للنوم، ينفتحُ صدري المعبأ على دفته التي كانت مطبقة منذ أكثر من شهـر على حادثة عجيبة نسيتها رغـما عنيّ؛ كانت بطلتها طفلة صغيرة تبكي على عتبة باب منزل جميل وهي تقول بلغة أخاذة تأسر القلوب والألباب:

( أيها الناس هـل لـديكم الشجاعــة للسماع والاستمتاع؛ البـغـاة المقنعون لقد أرسلوا لنا عيني أخي الصغير الذي لم يتجاوز عمره

عشر سنوات في صندوق مـزدان بشريـط أحـمـر..؟!)

كانت الصغيرة تسرد الواقعة البشعة ببراعة مذهلة، بمقدرة خطيب

مفجوع حد النخاع وهي تصور فاجعتها بكلمات تقطر دما ودمعا،

وقتها كانت عـيناهـا مفتوحتين بسعة غريبة ترى وكأنها لا ترى.

أردفتْ: ( لماذا يدفع الصغار ضريبة اخـتلال القيم والمعـتقـد عـند

الكبار .. إرفعـوا أيديكم عن عالمنا ولا تجعـلوا منا بيادقا في تلك

اللعبة الملونة..وكفوا عن حرماننا من الركض، لقد أفسدتم علينا لعبة الغميضة بعدما أطفأتم عيون كل الصغار..)

مر شريط الحادثة التي انقضى عليها أكثر من شهر في منامي،

استيقظتُ على إثرها مفزوعا وأدركتُ أن العينين ما هما إلا عيون

من الليل الآخـر الذي لم يغسل بعد قلبه بالأمان والمحبة..وقـررت

البدء مرة أخرى في رسم اللوحـة وألا أتنحى عن موضعي حتى

أكملها..

انتهت

( ذات جرح من سنوات الجمر)

 

*أوديت شخصية في باليه بحيرة البجع وهي أميرة تمثل النقاء

حولها الساحر فون روثبارت إلى بجعة.