
فانتازيا المتعاليات الرمزية وتسريد الكارثة المؤجلة في رواية “الكلاب الطائرة” لفاضل الكعبي
فانتازيا المتعاليات الرمزية وتسريد الكارثة المؤجلة في رواية “الكلاب الطائرة” لفاضل الكعبي
أ.د. زينب لوت
تخصص نقد حديث ومعاصر
الجزء الأول.
الرواية العجائبية لا تعرف زوايا مكان
أو زمـــــــــــنية فعل هــــــــــــــــــي تقــــــاطعات
في عـــــــــــــــــــــوالم مختلفة الواقع الاستيهام
الرؤيا ذات الأبعاد التي تجسد فلسفة
خاصة للكاتب خلف أسوار المحكي.
زينب لوت
تندرج رواية الكلاب الطائرة للكاتب العراقي (فاضل الكعبي) ضمن أفق الرواية العجائبية الموجهة لليافعين؛ إذ تقدم نصاً يقوم على جدلية الواقع والفانتازيا من خلال حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها وعميقة المضمون والمضمر الثقافي والفكري ووعي المؤلف بالتوقع الاستباقي للفكة ذاتها، تتمثل في اختفاء الكلاب من المدينة، لكنها سرعان ما تتشعب لتصبح مدخلاً إلى استكشاف علاقة الإنسان بالطبيعة وإشكالية المعرفة وحدود الإدراك البشري. فالرواية تستثمر جملة من الرموز المركزية، كالكلاب والطيران والحلم والنباح، لتشييد عالم عجائبي يتجاوز المألوف دون أن ينفصل عن مرجعيته الواقعية المستمدة من زلزال تانغشان المدمر الذي ضرب الصين سنة 1976. وهكذا يتحول الحدث التاريخي إلى مادة تخييلية يعاد تشكيلها داخل خطاب روائي يجعل من الكارثة بنية سردية تتكون تدريجياً عبر إشارات وإنذارات تسبق وقوعها.
وتبرز أهمية الرواية كذلك في انفتاحها على متعاليات نصية متعددة، يتقدمها التناص مع رواية العجوز والبحر لإرنست همنغواي، حيث تتقاطع تجربة شان في البحث عن كلبه المفقود مع تجربة سنتياغو في مواجهة البحر والإصرار على مواصلة الرحلة رغم الإخفاقات. وبهذا التفاعل النصي تتسع دلالات الرواية لتلامس أسئلة الصبر والمقاومة والبحث عن المعنى في عالم تحكمه المصادفات والقلق والانتظار.
وانطلاقاً من ذلك تسعى هذه الدراسة إلى الكشف عن الكيفية التي وظف بها فاضل الكعبي الفانتازيا والمتعاليات الرمزية في بناء ما يمكن تسميته بـ”سردية الكارثة المؤجلة”، حيث لا تظهر الكارثة بوصفها حدثاً فجائياً، بل تتشكل عبر سلسلة من العلامات الاستباقية التي تجعل القارئ يعيش حالة من الترقب والتوتر قبل وقوع الحدث المركزي. كما تحاول الدراسة الوقوف عند الأبعاد الدلالية للرموز الموظفة في الرواية، وتحليل علاقتها بالعجائبي والفانتازي، واستجلاء دورها في إنتاج رؤية فكرية تجعل من الطبيعة فاعلاً سردياً يمتلك لغته الخاصة وقدرته على الإنذار والكشف.
ومن أجل مقاربة هذه الإشكالية، ستعتمد الدراسة على تحليل المتعاليات النصية المتمثلة في التناص مع العجوز والبحر، والمتعاليات الرمزية المرتبطة بالكلاب والطيران والحلم والنباح، فضلاً عن دراسة البعد العجائبي وآليات بناء الكارثة قبل وقوعها، وصولاً إلى بيان العلاقة بين الإنذار الطبيعي والحدث الزلزالي بوصفها الرؤية المركزية التي ينتظم حولها العالم الروائي في الكلاب الطائرة.
المتعاليات النصية: التناص والتماثلات دلالية في الرواية( الكلاب الطائرة)
يُعد التناص أحد أبرز المتعاليات النصية التي تشكل البنية العميقة للرواية، حيث يحضر نص الشيخ والبحر بوصفه مرجعاً دلالياً يضيء مسار الشخصية الرئيسة (شان). فالرواية لا تستحضر همنغواي استحضاراً إضافياً، وإنما تجعل من تجربة (سنتياغو) نموذجاً موازياً لتجربة شان في مواجهة الغياب والانتظار. وكما ظل الصياد العجوز في صراع طويل مع البحر مدفوعاً بالإصرار والأمل، يجد (شان) نفسه في رحلة بحث مضنية عن كلبه (لوفي)، رافضاً الاستسلام للضياع أو القبول بتفسيرات جاهزة.
يُشكلُ التناص مع رواية (العجوز والبحر) أحد أهم المتعاليات النصية في رواية الكلاب الطائرة، إذ يستدعي فاضل الكعبي تجربة إنسانية عالمية تقوم على الصبر والمكابدة ومواجهة المجهول. وتحكي رواية همنغواي قصة الصياد العجوز (سنتياغو) الذي أمضى أربعة وثمانين يوماً من دون أن يصطاد سمكة واحدة، فقرر أن يبحر بعيداً في أعماق البحر متحدياً الشيخوخة والوحدة وسخرية الآخرين. وبعد صراع طويل ينجح في اصطياد سمكة ضخمة، غير أن أسماك القرش تلتهمها في طريق العودة، فلا يصل إلى الشاطئ إلا بهيكلها العظمي. ومع ذلك لا يُعد سنتياغو مهزوماً، لأن انتصاره الحقيقي يكمن في قدرته على المقاومة وعدم الاستسلام. وفي هذا السياق ترد العبارة الشهيرة لهمنغواي:
“يمكن للإنسان أن يُدمَّر، لكنه لا يُهزم.”
ويستثمر (فاضل الكعبي) هذا الأفق الدلالي ليجعل من شخصية (شان) صورة معاصرة لسنتياغو. فالبطل لا يخوض معركة ضد البحر، بل ضد الغياب والقلق والغموض الذي أحاط باختفاء لوفي. وكما ظل سنتياغو متمسكاً بخيط الأمل وسط اتساع البحر، يواصل شان رحلة البحث عن كلبه رغم تزايد الحيرة وتراكم الأسئلة. لذلك لا يظهر التناص في الرواية على مستوى الإحالة المباشرة فقط، بل يتجسد في بنية البحث ذاتها؛ إذ يتحول لوفي إلى موضوع رغبة ومعرفة في آن واحد، ويتحول البحث عنه إلى رحلة لاكتشاف معنى ما يحدث خلف الظواهر.
ومن ثم فإن التناص مع العجوز والبحر لا يؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل يساهم في بناء الرؤية الفكرية للرواية. فإذا كان البحر عند همنغواي فضاءً لاختبار الإرادة الإنسانية، فإن اختفاء الكلاب عند الكعبي يصبح اختباراً لقدرة الإنسان على قراءة العلامات الخفية التي ترسلها الطبيعة. وهكذا يلتقي النصان عند فكرة جوهرية مفادها أن البحث، مهما بدا شاقاً أو عبثياً، يظل فعلاً من أفعال المقاومة في مواجهة المجهول.







