
بين قدسية عصا موسى وصلاة يوسف مع أبيه وأهله قراءة نقدية في ثلاثية ققج حفاة المدن بقلم الناقدة جليلة المازني
قراءة نقدية: “حفاة المدن” هم “الأعلى”.
(بين قدسية عصا موسى وصلاة يوسف مع أبيه و أهله).
ثلاثية ققجية للكاتبة الهام عيسى (سوريا)
الناقدة: جليلة المازني (تونس)
القراءة النقدية: “حفاة المدن” هم “الأعلى”.
( بين قدسية عصا موسى وصلاة يوسف مع أبيه و أهله).
المقدمة:
ان الكاتبة إلهام عيسى التي دأبت على كتابة الثلاثية الققجية إيمانا منها بأن الققجية الواحدة قد لا تفي بالرسالة التي تريد تبليغها علما وأن الق.ق.ج مطبوعة بالايجاز لذلك عمدت الى الثلاثية الققجية حتى يكتمل الحكي والقص.
وفي هذا الاطار فان الثلاثية الققجية تقتضي سمات تتميّز بها وهي سمات كمقياس على ضوئه يتم التناغم والاتساق بين القصص .ق.ج الثلاث للثلاثية :
1 – سمات وأهداف الثلاثية :
لو تأمّلنا بأهمّ سمات هذه الظاهرة الأدبية الثلاثية نلاحظ أنها تهدف بالأساس الى:
أ- تصوير الواقع.. أي ملمح يميل الى الجانب التصويري؟.
ب – التميّز بالدّائرية (عودة الأبطال بالظهور في معظم المراحل الثلاث).
ج – حصول نفع القراءة من أي مرحلة تبدأ .. مع خيط رفيع رابط بينها.
لعلّ هذا ما جعلنا نعتبر الكاتبة الهام عيسى تنخرط في ظاهرة الثلاثية لتحقّق الملامح الثلاثة السالفة وتحقق الحكائية والقصصية بها.
ويبدو ان هذه الثلاثية الققجية تختلف عن سابقاتها لان الكاتبة لم تسند لها عنوانا شاملا وجامعا للققجيات الثلاث .
لعلها تعمدت ذلك ايمانا منها بسلطة القارئ في حقه في حرية التأويل ليكون الخيط الرابط بين الققجيات بيد القارئ ليخيط به المعنى وفق السمات الثلاث للثلاثية:
2- تجليات السمات الثلاث بثلاثية الكاتبة الهام عيسى
أ- تصوير الواقع.. أي ملمح يميل الى الجانب التصويري؟
+ الققجية الأولى :”حفاة المدن”
ان عنوان الققجية يتناص مع مرثية الشاعر اللبناني عباس بيضون للشهيد “علي توفيق شعيب” المثقف الثوري المناضل البطل وقد لحنها وغناها مارسيل خليفة ويقول فيها:
يا علي … يا علي … يا علي…
نحن أهل الجنوب
حفاة المدن نروي سيرتك
على أصفى البرك والأودية
ان حطام أبنائنا وأسلحتهم
يغطي السفوح
ونحن نرى ذلك بصمت
لئن جعل الشاعر عباس بيضون “حفاة المدن” رواة لسيرة الشهيد فلعلّ الكاتبة الهام عيسى قد جعلت من حفاة المدن فاعلين ينتشلون انفسهم من مصير معين ويرتقون من الأسفل الى “الأعلى” ومن الأرض التي لم تنصفهم الى السماء التي تحتضنهم.
و”حفاة المدن” تشي بمقابلة مسكوت عنها وهم المترفون “سادة المدن”
وحفاة المدن ترمز الى الارتباط بالأرض والاصالة فالأقدام الحافية ترمز الى الارتباط العميق بالطبيعة والتربة بعيدا عن زيف المدن .
وتطلق العبارة لوصف الثوار والمناضلين الفقراء.
وتطلق على المهمشين من فقراء وأطفال.
ان “حفاة المدن ” في هذه الثلاثية الققجية قد غيبتهم ظروف القهر ودون موعد
وكأني بالكاتبة قد جعلت حفاة المدن يتحدّوْن الظروف الجائرة بل ويستعجلون موعد غيابهم ايمانا منهم بانهم سيرتقون من الأرض الى السماء وكان الغياب هو خيار يحملون بأيديهم جواز سفره.
ان هذا التحدي يذكر بتحدي الذين آمنوا بدين موسى وتحدوا تهديد فرعون لهم بقطع الايدي والارجل مرددين قوله تعالى في سورة الأعراف(125)”انّا الى ربنا منقلبون” وبالتالي فهم لا يهابون العدوّ.
وقد يكون غياب حفاة المدن بالهجر( على اجنحة الغياب قطعوا تذاكر سفر على غير موعد. وحدهم من يملكون جواز العبور الى مملكة السماء)
وفي هذا الاطار فان الكاتبة قد حوّلت الضغوطات الى موارد فحولت “حفاة المدن” من السلب الى الايجاب ومن الهامش الى المركز:
– من حفاة المدن بالارض الى مدينة الطهر بالسماء.
– من حفاة المدن العزل من السلاح الى حفاة مسلحين بالكتب
والكتب تذكر بكتب الأنبياء السماوية تقديسا لهؤلاء الضحايا بالغياب
– من حفاة المدن المهمشين الى أصحاب أحلام من نور.
وكاني بالكاتبة قد جعلتهم أصحاب رسائل تقديسا لهم.
– من حفاة المدن الذين لا صوت لهم الى سادة كلماتهم بيارق مرفوعة.
وتشير عبارة “بيارق مرفوعة ” في الموروث العربي الى الراية او العلم الذي يرفع كرمز للهيبة والشموخ والنصر وهي ترتبط بالاعتزاز بالقبيلة او بالوطن
ان حفاة المدن بهكذا صفات مقدسة لا يموتون ولا يغيبون بل هم خالدون.
+ الققجية الثانية:” قوس قزح”
لقد أسندت الكاتبة للققجة الثانية عنوان “قوس قزح”
و” قوس قزح “له دلالاته الرمزية والثقافية فهو يرمز الى (2):
– الأمل والتفاؤل: فهو رمز للهدوء والجمال الذي يأتي بعد العواصف..
انه بداية جديدة.
– الحظ السعيد: في العديد من الموروثات والاساطير (مثل الاساطير الايرلندية) قد ارتبط قوس قزح بالخير الوفير.
– التعبير عن السعادة و السلام والوئام وهو رمز خاص بمسيرات الفخر لمجتمع.
ان الكاتبة بريشة شخصية الققجية قد استطاعت ان تزاوج بين السرد والتشكيلي
انها زاوجت بين اللوحة التشكيلية البصرية والزمن السردي الذي تمثل في اختيار حفاة المدن الغياب بعد عواصف وضجيج المدن .
فالكاتبة قد استعارت تقنيات الرسم (الريشة والألوان والضوء..) في لغة السرد ليتحول النص الى ما يشبه” اللوحة الفنية” المعروضة امام المتلقي بدلا من مجرد سرد خطي للاحداث .
وبالتالي فالكاتبة الهام عيسى قد ارتقت بمفهوم التلقي فجعلت القارئ ينتقل من خانة التلقي القرائي الى خانة التلقي البصري.
وفي هذا الاطار قد يتدخل القارئ متسائلا:
– هل ان هذه المرأة(حافية المدن) التي رسمت بريشتها قوس قزح تبعث الأمل والتفاؤل في حفاة المدن الذين اختاروا الغياب؟
– هل أن هذا الرسم لقوس قزح سيجلب السعادة لحفاة المدن؟
– هل ان هذا الرسم لقوس قزح يبشر بمسيرة فخر لمجتمع قادها “حفاة المدن؟
– هل ان هذا الرسم يبشر بانتصار حفاة المدن على سادة المدن؟
لعل الققجية الثالثة تجيب عن تساؤلات القارئ:
+ الققجية الثالثة : “صمت المحراب”
اتخذت الكاتبة فردا بصيغة الجمع من حفاة المدن لتضفي عليه قدسية عصا موسى المعجزة لتفتح لهم طريقا لاجتياز “عباب السماء” ثم عادت الى تجميع كل أرواحهم بالمحراب لصلاة صامتة.
كاني بالكاتبة تسمو بحفاة المدن:
– باضفاء قدسية عصا موسى على أحدهم لتفتح لهم طريقا بالسماء.. فلئن لم تتسع لهم الأرض فالسماء تحتضنهم.
– باضفاء قدسية صلاة النبي يوسف مع أبيه وأهله لتجعل حفاة المدن ارواحا يحلقون بالسماء في محراب صلاة صامتة مقدسة للسجود.
انه سجود اجلال وتعظيم للخالق.
ب – التميّز بالدّائرية (عودة الأبطال بالظهور في معظم المراحل الثلاث).
ان الكاتبة كانت وفية لعودة حفاة المدن في الققجيات الثلاث:
لئن تحدثت الكاتبة عن حفاة المدن بصيغة الجمع في الققجية الأولى وجعلتهم يختارون الغياب ويرتقون الى السماء لانهم لم يجدوا حظهم على الأرض التي يحتكرها “سادة المدن”.
فان الققجية الثانية قد جرّدت من حفاة المدن حافية تنقش على قوس قزح الامل والتفاؤل والسعادة الروحية التي اختارها “حفاة المدن ” بالسماء.
اما الققجية الثالثة فقد أضفت على حافٍ من “حفاة المدن” قدسية النبي موسى وعصاه و صلاة النبي يوسف مع أبيه وأهله حين جعلت منهم أرواحا يحلقون معه ويصطفون في محراب صلاة صامتة..
انه جمع الشمل لارواح “حفاة المدن” في محراب صلاة صامتة تعظيما لربّ السماء تماما كما جُمع شمل النبي يوسف وسجدوا له سجود اجلال وتعظيم .
ج – حصول نفع القراءة من أي مرحلة تبدأ .. مع خيط رفيع رابط بينها.
وفي هذا الاطار وما اتسمت به الثلاثية الققجية من تصوير للواقع وما تميزت به من دائرية بعودة الابطال في المراحل الثلاث فان خيطا رابطا وجامعا بين الققجيات الثلاث يضمن حصول نفع القراءة من أي مرحلة نبدأ:
* من البداية نزولا : ان “حفاة المدن ” بالققجية الأولى (البداية) الذين اختاروا الغياب عن الأرض بسبب تهميشهم فان الققجية الثانية(الوسط) انتشلتهم لتبارك اختيارهم للسماء دون الأرض وتبث فيهم الأمل والتفاؤل من خلال رسم قوس قزح.
اما الققجية الثالثة (النهاية) فقد أضفت الكاتبة على “حفاة المدن” قدسية موسى وعصاه و قدسية صلاة النبي يوسف مع أبيه و أهله.
* من الوسط: ان الققجية الثانية(الوسط) التي بثت فيهم الامل والتفاؤل من خلال رسم قوس قزح قد جعلت “حفاة المدن” في الققجية الأولى(البداية) يختارون الغياب من الأرض والارتقاء الى السماء.
ان هذا الامل والتفاؤل الذي بثته الققجية الثانية (الوسط) في حفاة المدن جعل الكاتبة في الققجية الثالثة (النهاية) تضفي عليهم قدسية النبي موسى والنبي يوسف
* من النهاية صعودا: ان الققجية الثالثة (النهاية) تجسد قدسية حفاة المدن (عصا النبيّ موسى وصلاة النبي يوسف ) انها قدسية نابعة ممّا بثته الققجية الثانية (الوسط) في حفاة المدن من أمل وتفاؤل يتسم به الأنبياء في رسالتهم.
ان هذه القدسية التي أضفتها الكاتبة على “حفاة المدن” بالققجية الثالثة(النهاية) هي نتيجة حتمية لسبب ورد بالققجية الأولى (البداية) في اختيار حفاة المدن السماء دون الأرض .
وفي هذا الاطار فان الكاتبة الهام عيسى قد نجحت بامتياز في “خياطة نسيج” الثلاثية الققجية شكلا ومضمونا:
– على مستوى الشكل: ان الثلاثية الققجية تناغمت مع السمات الثلاث المذكورة لضمان اكتمال سمة القص والحكي.
– على مستوى المضمون:
ان الكاتبة استطاعت أن تنتشل هذه الفئة المهمشة (حفاة المدن) لترتقي بهم من الهامش الى المركز.
واكثر من ذلك فالكاتبة لم ترْض أن يكون “حفاة المدن” “سادة المدن” على الأرض بل ارتقت بهم الى السماء لاضفاء القدسية الروحية عليهم بان جعلتهم في مصاف الأنبياء
ولاقناع القارئ بهذه الدرجة الرفيعة وهذه القدسية قد استخدمت :
+ معجمية دينية : مملكة السماء/ مدينة الطهر/ كتبهم سلاحا/ احلامهم مدافع من نور/ كلماتهم بيارق مرفوعة/ تلتف حول الضوء/ دون العالمين/ المحراب / ينشق نصفين/ عصاه/ عباب السماء/ محراب صلاة صامتة).
+ التناص الديني: معجزة عصا النبي موسى/ معجزة جمع الشمل وصلاة النبي يوسف مع ابيه وأهله.
وفي هذا الاطار فان الكاتبة قد أضفت على “حفاة المدن ” المهمشين قدسية الأنبياء لانتشالهم من قهر وقمع “سادة المدن” انتصارا لهم وايمانا منها ان “حفاة المدن” هم “الأعلى”.
سلم قلم الكاتبة د. الهام عيسى أيقونة الثلاثية الققجية .
المراجع:
(1) القران الكريم- تفسير القرطبي-تفسير سورة الأعراف- الآية 34.
(2) الجزيرة . نت . حقائق حول قوس قزح- اعلان وفقا لوقع ناشيونال جيوغرافيك-
ثلاثية ق ق ج بقلم الهام عيسى
=========
حفاة المدن
على أجنحة الغياب قطعوا تذاكر سفر على غير موعد. وحدهم من يملكون جواز العبور إلى مملكة السماء. مشوا حفاة في مدينة الطهر، بمسامات جائعة. كانت كتبهم سلاحًا، وأحلامهم مدافع من نور، وكلماتهم بيارق مرفوعة.
قوس قزح
========
البرق يخطف منها آخر الأمنيات. تلتف حول الضوء، وتمشي على أنقاض العالم. أمسكت ريشتها، فرسمت قوس قزح. دوّنت العالم بملامحها؛ هي وحدها، دون العالمين.
صمت المحراب
========
على ضفاف التوق، حيث لا شيء يروي الظمأ، كان النهر ينشق نصفين كلما لامسته عصاه. في الأفق مدّ يديه، تلامسان عباب السماء، لعل قُطبًا يأويه. وأرواح تحلق معه، يصطفون جميعًا في محراب صلاة صامتة.







