
المنتخب الوطني بين! دارة الأزمة وصناعة المستقبل(مقال رقم 3)|احمد بوسكرة
كاتب |جزائري
المنتخب الوطني بين إ
دارة الأزمة وصناعة المستقبل
المقال (3)
فسخ عقد المدرب الوطني بين
الالتزام التعاقدي ومتطلبات الحوكمة الرياضية
أعاد الجدل الدائر حول مستقبل الناخب الوطني، عقب مشاركة المنتخب الجزائري في كأس العالم 2026، إلى الواجهة ملفًا لا يقل أهمية عن الجانب الفني، وهو ملف إدارة العقود داخل المؤسسات الرياضية. فبعيدًا عن النقاش الدائر حول بقاء المدرب أو رحيله، تبرز مجموعة من الإشكالات القانونية والإدارية والحوكمية التي تستحق القراءة والتحليل، لأن قوة المؤسسات لا تُقاس فقط بحسن اختيار مدربيها، وإنما أيضًا بقدرتها على إدارة التزاماتها التعاقدية وفق مبادئ القانون والحوكمة الرشيدة.
لقد تابع الرأي العام، قبل انطلاق كأس العالم، إعلان الاتحادية الجزائرية لكرة القدم عن تجديد عقد المدرب إلى غاية سنة 2028، حيث قُدم القرار حينها باعتباره ثمرة للثقة في المشروع الفني والنتائج المحققة. وبعد أسابيع قليلة فقط، عاد الملف نفسه إلى الواجهة، في ظل الحديث عن مستقبل المدرب، وعن تشكيل لجنة لتقييم عمله، وتداول سيناريوهات متعددة بشأن إنهاء العلاقة التعاقدية.
ولا يهدف هذا المقال إلى مناقشة بقاء المدرب أو رحيله، فذلك يبقى من صلاحيات الهيئات المختصة، وإنما إلى مناقشة منهجية اتخاذ القرار داخل المؤسسة الرياضية، ومدى انسجامها مع مبادئ الحوكمة والشفافية وإدارة المخاطر.
إن أول سؤال يفرض نفسه هو:
ما هي المعايير التي اعتمدت عند اتخاذ قرار تجديد العقد؟ وهل سبق هذا القرار تقييم علمي شامل للأداء الفني والإداري، أم أنه استند أساسًا إلى النتائج المرحلية؟
ومن الذي أعد هذا التقييم؟
وهل ناقش المكتب الفيدرالي، بعد اطلاعه على تقييم عمل المدرب، هذا القرار وصادق عليه؟
وهل كانت هناك دراسة للمخاطر المحتملة التي قد تواجه المشروع الرياضي خلال المرحلة اللاحقة، وأُخذت بعين الاعتبار عند صياغة العقد؟
وإذا كان عقد التجديد قد وُقِّع على أن يبدأ سريانه في الأول من أوت 2026، فما هو الوضع القانوني للعلاقة التعاقدية خلال الفترة السابقة لذلك؟
وهل يصبح عقد التجديد ملزمًا للطرفين بمجرد توقيعه، أم أن آثاره القانونية ترتبط بتاريخ دخوله حيز التنفيذ؟ وهل يظل العقد الحالي هو المرجع القانوني إلى غاية نهاية مدته، أم يبدأ العمل بالعقد الجديد بمجرد التوقيع عليه؟
وفي حال قررت الاتحادية مراجعة قرارها قبل بدء سريان عقد التجديد، فهل يتضمن العقد بنودًا تنظم هذه الحالة؟
وهل توجد مواد واضحة تتعلق بالفسخ المبكر أو الإنهاء بالتراضي؟
وهل ينص العقد على تعويضات أو شروط جزائية؟ أم أن عقد التجديد يعد امتدادًا للعقد الأصلي، بما يجعله ملزمًا منذ لحظة توقيعه؟
إن هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها من خلال التأويلات أو التسريبات الإعلامية، بل من خلال النصوص التعاقدية والبيانات الرسمية. ولعل تطبيق مبدأ الشفافية كفيل بالإجابة عن كثير من هذه التساؤلات، باعتباره أحد أهم مقومات الحوكمة الرشيدة التي ننشدها في مشروعنا الرياضي الوطني.
ومن زاوية أخرى، يبرز سؤال يتعلق بإدارة المال العام والموارد المالية داخل المؤسسات الرياضية. فإذا ترتب عن أي قرار آثار مالية معتبرة، فهل أُجري مسبقًا تحليل للمخاطر القانونية والمالية قبل توقيع عقد التجديد؟
وهل توجد داخل الاتحادية لجان قانونية واستشارية متخصصة ومستقلة تدرس مختلف السيناريوهات قبل اتخاذ القرارات الاستراتيجية؟
إن إدارة العقود في الرياضة الاحترافية لم تعد مجرد إجراء إداري، بل أصبحت جزءًا من منظومة متكاملة لإدارة المخاطر، وحماية الموارد، وتحقيق الاستقرار المؤسسي.
كما تفرض هذه القضية سؤالًا آخر يرتبط بالاتصال المؤسسي: لماذا تظل المعلومات الأساسية المتعلقة بإدارة هذا الملف غائبة عن الرأي العام؟
ولماذا يُترك المجال واسعًا أمام الإشاعات والتأويلات؟
إن مبادئ الحوكمة الحديثة لا تعني نشر كل تفاصيل العقود، لكنها تقتضي الإفصاح عن المبادئ العامة التي تحكم القرارات الاستراتيجية، بما يعزز الثقة ويحافظ على مصداقية المؤسسة.
ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرحه كل متابع للشأن الرياضي هو:
هل تمتلك الاتحادية سياسة واضحة لإدارة عقود المدربين، أم أن كل حالة تُعالج بصورة منفصلة وفق الظروف الآنية؟
وهل تخضع قرارات التعاقد، والتجديد، والفسخ إلى دليل إجراءات ومعايير معلنة، أم أنها تبقى رهينة التقديرات الظرفية؟
فالمؤسسات الرياضية الناجحة لا تبني قراراتها على ردود الأفعال، وإنما على سياسات مستقرة، ولجان متخصصة، وآليات واضحة لإدارة المخاطر والمتابعة والتقييم.
إن القضية المطروحة اليوم لا تتعلق بشخص المدرب، ولا بمستقبله المهني، وإنما تتعلق بمدى قدرة الاتحادية الرياضية على تحقيق التوازن بين احترام الالتزامات التعاقدية وحماية المصلحة العامة.
فالعقد الرياضي ليس مجرد وثيقة قانونية، بل هو التزام استراتيجي يجب أن يُبنى على رؤية واضحة، ودراسة دقيقة، وتقدير للمخاطر، وآليات للمراجعة والتقييم.
وفي اعتقادي، فإن ما تعيشه الكرة الجزائرية اليوم يمثل فرصة حقيقية لإعادة التفكير في كيفية إدارة العقود داخل الاتحادات الوطنية والأندية الرياضية، بما ينسجم مع المبادئ التي أقرتها الهيئات الرياضية الدولية، وعلى رأسها الشفافية، والمساءلة، وإدارة المخاطر، وحسن استخدام الموارد، واتخاذ القرار على أساس الدراسات والمؤشرات، لا على أساس ردود الأفعال.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يشكل محور النقاش الوطني:
هل نحتاج إلى تغيير المدرب فقط، أم نحتاج قبل ذلك إلى اعتماد منظومة حوكمة رياضية تجعل من كل قرار تعاقدي قرارًا مؤسسيًا مدروسًا، يحترم القانون، ويصون المال العام، ويخدم المشروع الرياضي الوطني على المدى البعيد؟







