
نور العقل يهزم الظلام..أغنية غفران على خطى العميد | طارق الأسمر
كاتب وإعلامي |معربي
فِي أَرْوِقَةِ “مَرْكَزِ رِعَايَةِ المَكْفُوفِينَ وَضِعَافِ البَصَرِ” بِجِهَةِ سُوسَ مَاسَّةَ، لا تُقَاسُ الأَبْعَادُ بِالمَسَافَاتِ أَوْ المَوَارِدِ، بَلْ بِثِقَلِ الكَلِمَاتِ وَمَدَى شَغَفِ الأَرْوَاحِ. هُنَاكَ، حَيْثُ يُمَسِي البَصَرُ المَادِيُّ المَحْضُ تَفْصِيلًا ثَانَوِيًّا، وُلِدَتْ حِكَايَةُ صَبِيَّةٍ غَزَلَتْ أَمَلَهَا مِنْ حَرِيرِ العَزِيمَةِ، وَعَاهَدَتْ نَفْسَهَا أَنْ لا تَتْرُكَ لِلْعَتَمَةِ سَبِيلًا إلَى أَرْكَانِ رُوحِهَا. إنَّهَا «غُفْرَان زَعْبُول»، ابْنَةُ ثَانَوِيَّةِ “المَعْرِفَةِ” بِآيِت مَلُول، الَّتِي حَوَّلَتِ العَتَمَةَ إلَى مَصْرَعٍ لِلْجَهْلِ وَمِيلَادٍ لِلْبَصِيرَةِ.
حيث تَعُودُ القِصَّةُ إلَى خَطَأٍ طِبِّيٍّ جَائِرٍ جَرَّدَهَا مِنْ نِعْمَةِ البَصَرِ فِي مَطْلَعِ صِبَاهَا. غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ الجُرْحَ لَمْ يَنَلْ يَوْمًا مِنْ شَغَفِهَا بِالحَيَاةِ أَوْ يَنْتَزِعْ مِنْهَا ثِقَتَهَا بِالغَدِ. فِيهَا يَعِيشُ كِبْرِيَاءُ البَرَاءَةِ، وَبِضَحْكَةٍ يَسْكُنُهَا المَجْدُ وَالرِّضَا، تَسْتَحْضِرُ مَسَارَ «طَه حُسَيْن» عمِيدِ الأَدَبِ العَرَبِيِّ، لِتُؤَكِّدَ أَنَّ مَنْ يَنْطَفِئُ نُورُ عَيْنَيْهِ لَا يَفْقِدُ العَالَمَ، بَلْ يَصْنَعُ عَالَمَهُ الخَاصَّ المَشْحُونَ بِنُورِ العِلْمِ وَحَرَارَةِ الكَلِمَةِ.
واتَّخَذَتْ غُفْرَان مِنْ الكُتُبِ الصَّوْتِيَّةِ زَادًا لا يَنْفَدُ وَسَفِيرًا يَحْمِلُهَا عَبْرَ الأَثِيرِ إلَى عَوَالِمِ المَعْرِفَةِ الفَسِيحَةِ. مَكَّنَهَا اصْطِحَابُ الكَلِمَاتِ مِنْ إتْقَانِ اللَّهَجَاتِ وَتَوْسِيعِ آَفَاقِهَا، حَتَّى بَاتَ كُلُّ كِتَابٍ تَسْتَمِعُ إلَيْهِ عُمْرًا جَدِيدًا يُضَافُ إلَى حَيَاتِهَا. فَبِقَلْبٍ مُفْعَمٍ بِاليَقِينِ تَقُولُ إنَّ الكُتُبَ لا تَزِيدُ العَقْلَ مَعْلُومَاتٍ فَحَسْبُ، بَلْ تَهَبُ الإِنْسَانَ أَعْمَارًا أُخْرَى لا تُقَاسُ بِالسَّنَوَاتِ.
وَعِنْدَمَا أُعْلِنَ عَنْ انْطِلاقِ «المَشْرُوعِ الوَطَنِيِّ لِلْقِرَاءَةِ»، أدْرَكَتْ غُفْرَان أَنَّ سَاعَةَ اللِّقَاءِ مَعَ الحُلْمِ قَدْ حَانَتْ، وَأَنَّ نِدَاءَ السُّطُورِ يَدْعُوهَا لِتأْكِيدِ الذَّاتِ وَإِثْبَاتِ الوُجُودِ. وَفِي يَوْمِ التَّصْفِيَاتِ المَشْهُودِ، لَمْ تَكُنْ تَسِيرُ فِي هَذَا الدَّرْبِ بِمُفْرَدِهَا؛ بَلْ كَانَتْ إلَى جَانِبِهَا الأَخِصَّائِيَّةُ النَّفْسِيَّةُ وَالاجْتِمَاعِيَّةُ «حَنَان أَعْرَاب»، كَسَنَدٍ يَمُدُّهَا بِالقُوَّةِ وَيَشُدُّ مِنْ أَمَلِهَا كَي يَزُفَّ الحُلْمَ إلَى سَاحَةِ النَّجَاحِ.
وتَبْقَى غُفْرَان زَعْبُول شَاهِدًا حَيًّا عَلَى أَنَّ الظَّلامَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ غِيَابَ الضَّوْءِ عَنِ العَيْنَيْنِ، بَلْ هوَ انْطِفَاءُ جَذْوَةِ الشَّغَفِ فِي الرُّوحِ؛ فَقَدْ جَعَلَتْ مِنْ قَلْبِهَا عَيْنًا تَرَى بِهَا جَمَالَ الكَوْنِ، وَمِنْ عَقْلِهَا مَنَارَةً تَهْدِي كُلَّ مَنْ ضَلَّ الطَّرِيقَ إلَى النُّورِ.







