قصيدة البليارد والناقد الدلفري: الكلمات تتصادم والمعنى يصل بالطلب|حيدر الأديب

كاتب وناقد وباحث |عراقي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تدخل بعض قصائد اليوم إلى اللغة كما يدخل لاعبٌ مخمور إلى صالة بليارد يضرب الكلمة الأولى، فتندفع وتصطدم بأخرى، والثانية تقذف ثالثة، وبعد عدة ارتطامات تظهر أمامنا أمٌّ في جيب الغيمة، وحصانٌ ينام في معطف الوقت، ومدينةٌ تمضغ أصابعها تحت قمرٍ أعور. ينتهي الشاعر من لعبته ينظر إلى الفوضى فوق الطاولة، ثم يسميها: رؤيا. ( كذلك الشاعرة )

الكلمة بصراحة مركبة من ماهيتين
ماهية تواجدها التاريخي في الذهن بما تحمل من احالات تنتظر مثيرا او محفزا يؤجل احالاتها الأخرى ويتلبس ما يجسده

والماهية الأخرى الماهية العلائقية فهي حين تدخل اللغة تبدي انسجاما وتصادما مع مثيلاتها ينتج عنه المقاومة الجمالية

في بعض النصوص المعاصرة نصوص الذكاء الصناعي ونصوص الالتهام الشره للكلمات لا تدخل الكلمة إلى هذه القصيدة لأن موقعها يحتاجها، ما اراه انها تدخل لأن كلمة سابقة دفعتها. القمر يستدعي الذئب، والذئب يستدعي الدم، والدم يستدعي قميصاً، والقميص يستدعي يوسف، ويوسف يجرّ البئر، وبعد سبعة أسطر نجد أنفسنا في مقبرة بحرية من دون أن نعرف مَن مات، ومَن أحضر البحر، ولماذا أصرّ الشاعر على دفن الضحية في الماء. كل صورة تفتح دكاناً خاصاً داخل النص، ولا واحدة منها تعرف جارتها.

السياق الشعري لا يفرض حكايةً مستقيمة ولا منطقاً مدرسياً. القصيدة تستطيع أن تقفز من سرير عاشق إلى حرب، ومن قطرة ماء إلى طفولة كاملة، شرط أن تحمل القفزة أثر القدم التي سبقتها. الصورة البعيدة تحتاج توتراً داخلياً يردّها إلى مركز القصيدة. أما جمع الصور المتنافرة تحت عنوان غامض، فعملٌ قريب من رمي أثاث بيوت متفرقة في غرفة واحدة ثم الادعاء أن الغرفة تملك ذاكرة.
يمكن فحص هذا النوع من الشعر باختبار بسيط: بدّل ترتيب الأسطر، احذف ثلاثة منها، انقل صورتين إلى قصيدة أخرى، واستبدل القمر بمصباح والغراب بقطار. إذا بقي النص على حاله، فذلك يعني أن الكلمات لم تكن أجزاءً من بنائه؛ كانت كراتٍ ملونة تنتظر ضربة العصا. القصيدة التي لا تتأذى من تغيير أعضائها لم تكن جسداً منذ البداية.

تنبع سخرية هذه الكتابة من ثقتها العالية بنفسها. كلما انقطع السياق ازداد الشاعر اقتناعاً بأنه عميق، وكلما عجز القارئ عن العثور على العلاقة اتُّهم بالسطحية. هكذا يتحول العجز عن البناء إلى امتياز جمالي، ويغدو القارئ عاملاً مكلفاً بجمع الحطام وصناعة قصيدة لم يكتبها صاحبها.
الصورة الشعرية لا تُقاس بغرابتها منفردة، ثمة ما يسمى بالتماسك النصي والتماسك الشعري يشتغلان داخل الضرورة العلائقية وهذه الضرورة هي مناط احتياج الكلمة في الصورة الشعرية التي تُقاس بحجم الضرورة التي تربطها بما قبلها وما بعدها. الإدهاش الذي لا يغيّر مسار النص هو إدهاش فائض، والغموض الذي لا يخفي وراءه نظاماً هو فراغٌ يرتدي معطفاً أسود. القصيدة الحقيقية قد تربك القارئ، وقد تؤجل معناها، وقد تضعه أمام علاقة لم يألفها؛ لكنها تترك في داخله إحساساً بأن كل كلمة وصلت إلى مكانها بعد عناء. أما قصيدة البليارد فتتركه أمام سؤال واحد: مَن أدخل كل هذه الكرات، وأين القصيدة؟

وتكتمل اللعبة عند بعض النقاد؛ يتسلّمون الكلمات مبعثرة فوق الطاولة، ثم يعيدونها إلى القارئ داخل هالة أسطورية. يصبح الناقد على حد قول القاص الكبير رياض داخل عامل توصيل (دلفري) نظرياً: يلتقط المعنى من قاموسه، ويوصله إلى عنوان القصيدة الخطأ، ويضع لكل ارتطام اسماً نقدياً، ولكل فراغ تأويلاً. هكذا يتولى النقد كتابة القصيدة بعد نشرها، ويحصل الشاعر على فاتورة العبقرية عن وجبة أعدّها الناقد كاملة.