
الوجوه الملطخة تنتهي بلا ملامح قراءة تفكيكية في نص (المقاس)للكاتبة الهام عيسى |الدكتور توفيق مدار
ناقد أكاديمي | الجزائر
يحمل هذا النص كثافة دلالية لافتة،لا يقف عند حد الوصف الواقع على شخصية متعصبة بل يتجاوز إلى بناء خطاب سلطوي،يصنف وقد يسقط الأقنعة كما أنه يشي بانهيار الذات وتتبع رحلتها السلطوية من الهيمنة إلى التلاشي
ويقدم النص أيضا مفارقة نقدية رصينة تغوص لاعماق النفس وهي أنه كلما أمعن الإنسان في اقصاء الآخر وتأطيره وفق اسقاطاته وظنونه فَقَد جزء من إنسانيته وهويته ليتحول منطق أفعاله إلى عقاب ذاتي ينتهي به إلى الهاوية المحو والعدم
أولا:العتبة النصية “المقاس”
العنوان إشارة دلالية محايدة ظاهريا جدا عن الاجناس الأدبية،فالقصة بُنيت على الاقتصاد اللغوي الذي بعد جوهر القصة القصيرة جدا،كما أنها لم تذكر الأسماء ولا الأشخاص ولم تعرض الأحداث بالمعنى التقليدي،بل النص حركة واحدة متصاعدة ثم تقع في المنعرج لتسقط على صاحبها
واللافت أن كلمة «المقاس» داخل العنوان يمكن أن تُقرأ استباقيًا بوصفها مفتاحًا للنص: «ألبس الجميع ثيابًا على مقاس ظنونه.»
فالمقاس هنا لا ينظر إليه بالمعنى المادي يخضع للقياس وإنما هو مقاس ذهني وأخلاقي،فشخصية النص تحاول أن تجعل الآخرين مطابقين للصورة التي صنعتها عنهم
وهنا تبدأ عملية التلاعب بالاعصاب وهي تقنية ذكية لا يتقنها الكثير،من يقيس ومن يحدد حجم الآخر المُقاس،فالشخصية في القصة هنا تتوهم أنها هي الوحيدة التي تقيس الآخرين،لكن النهاية تكشف أنها أصبحت بلا ملامح.
أولا :فعل السلطة: (رفع سقف الشتائم) هذه الافتتاحية مثيرة جدا دلاليا،فالشتيمة فعل لغوي مشين،لكن الكاتبة الهام عيسى منحتها سقفا أي حولت اللغة العدوانية إلى بناء مرتفع بلغ حد السقف ويمكن بقراءة مضادة فرفع السقف بوصفه انتقالا من الشتيمة الفردية إلى منظومة خطابية سيىة يعرف بها صاحبها منذ اللفظة الأولى فلم يعد الأمر شتيمة عابرة بل أصبحت تصعيدا يبدأ بالشتيمة التي تتحول إلى خطاب ثم إلى تصنيف ليصل حد الاقصاء ،فالشخصية لا تكتفي باهانة شخص محدد وإنما تنتقل إلى وهذا مهم؛ لأن الشخصية لا تكتفي بإهانة شخص محدد
ثانيا :وهم القوة:تنتقل الكاتبة مباشرة إلى«ألبس الجميع ثيابًا على مقاس ظنونه.» فالخطاب مبني على الظن لا اليقين،ولفظة جميع تقفز فوق الفردية وتلغيها وكأن هذه الشخصية لا ترى الانسان له إحساس بل صور متحركة صنعها مخياله.
واستعارت الكاتبة السيطرة (ثيابا على مقاس ظنونه)
هذه الجملة هي، في تقديري، المركز الدلالي للنص كله.
فالكاتبة لا تقول حكم عليهم وفق ظنونه وإنما استبدلت الحكم باللباس وهي حركة تحويلية ذكية ورائعة
فالإنسان عادة يختار ملابسه، لكن هنا يحدث العكس: فالشخصية هنا تفرض على الآخر ملابسه التأويلية أي أنها لا ترى الآخر كما هو، وإنما كما تظنه.
وتظهر هنا ثنائية مركزية الحقيقة والظن الآخر كما يراه المتكلم والآخر كما هو ،الواقع والصورة،الوجه والقناع،الهوية والتصنيف.
لكن التفكيك يبدأ عندما نكتشف ضعف المتكلم الذي يصنف الآخر،فالظن لا يغني من الحق شيئا ولا ينتج حقيقة بل ينتج ثوبا على المقاس بمثابة القناع ويمكن نزعه ليظهر الحق.
ثالثا:تدشين الجاهلية:وتوظف الكاتبة لفظة (جاهليته) التي تحمل بعدا حضاريا على مقاس المتحدث واحسنت حين اختارتها على لفظة الجهل للفرق الشاسع بينهما فالجهل في أبسط معانيه نقص المعرفة أو انعدامها أما الجاهلية فهي منظومة من السلوك والقيم والتصورات حين قالت (كانت جاهليته تدشّن نفسها بالاكراه).
ولهذا فإن الشخصية لا تعاني مجرد نقص معرفي، وإنما تحمل منظومة تفكير تقوم على الإكراه والتصنيف والإهانة.
والأهم أن الكاتبة قالت (تدشّن نفسها) وليس: (كان يدشن جاهليته).هنا تتحول «الجاهلية» إلى كيان شبه مستقل.
كأنها أصبحت قوة تسكن الشخصية وتتكلم من خلالها.
وهذا يجعل القارئ يغوص في الأعماق بقراءة عميقة ويطرح تساؤلات هل الشخصية التي توظف الجاهلية أم أنها هي ضحية لها؟ النص لا يحسم الأمر لكنه يورط القارئ ليبحث عن إجابات
وبلغة النحو والصرف هل الشخصية هنا فاعلا أم مفعولا به للجاهلية أن العكس وهل الأفعال التي تقوم بها الشخصية لازمة على الشتم الجاهلي أم متعدية إلى أفعال الجاهلية كلها وإذا كانت مفعولا به هل حاولت أن تتخلص من سيطرة الفاعل (الجاهلية) وهل يمكن أن يتحول المفعول به (الجاهلية) إلى فاعل (الشخصية)…
الجاهلية والاكراه تساوي انهيار وهم القوة فوظفت الكاتبة لفظة (الاكراه )
هذه الكلمة تكشف أن الشخصية عاجزة عن الإقناع.وهي مفارقة هزلية مهمة في الوقت نفسه فمن يملك الحقيقة لا يحتاج إلى الاكراه كي يفرضها،لذلك فإن الإكراه يكشف هشاشة السلطة التي يمارسها الشخص.الذي يبدو قويا يشتم ويصنف ويلبس الآخرين ثيابا ذهنية،لكنه في أعماقه غير قادر على قبول اختلافهم
وهكذا ينقلب مفهوم القوة:
القوة الظاهرة = الشتيمة والإكراه.
القوة الحقيقية = القدرة على مواجهة الاختلاف دون إلغائه.
والشخصية تفشل في الثانية.
رابعا :تشيؤ العدوان «وتدور بمخالبها في الوجوه»: هذه صورة مكثفة دلاليا:
فالكاتبة لم تقل تخمش الوجوه أو تجرحها وإنما قالت (تدور بمخالبها)
هنا ينتقل الخطاب من المجال الإنساني إلى المجال الحيواني.
«المخالب» تنتمي إلى الحيوان المفترس، بينما «الوجوه» تمثل الإنسان والهوية والكرامة.إذن الصورة قائمة على صدام بين المخلب والوجه،المخلب والعدوان،الوجه والهوية الإنسانية
وبالتالي يصبح العدوان محاولة لتمزيق وجه الآخر.
لكن المفارقة أن النص سينتهي بتمزيق وجه المعتدي نفسه:
(بقي وجهه بلا ملامح) .
وهنا تتشكل دائرة بنائية جميلة جدًا:
هو يشوّه وجوه الآخرين → وفي النهاية يفقد وجهه هو.
وهذه ليست مجرد نهاية أخلاقية، وإنما بنية انعكاسية للنص.
خامسا: الأقنعة: من يضع القناع على من؟ «وحين فرغ من توزيع الأقنعة» هذه عبارة تستكمل بها استعارة الملابس وهي لغة مادية نكاد نلمسها (وجوه ،أقنعة،ثياب) وهذا التدرج ليس عشوائيا بل :
الثوب يخفي الجسد،
والقناع يخفي الوجه،
لكن الوجه هو مركز الهوية.
الشخصية إذن لا تكتفي بتصنيف الآخرين، بل تحاول مصادرة هوياتهم.لكن أدخلت الكاتبة هنا رابطة لغوية متمثلة في لفظة (توزيع) حيث تمنح الفعل طابعا بيروقراطيا أو سلطويا كأنه المسؤول الوحيد عن توزيع هويات جاهزة هذا وطني وهذا خائن وذاك منبطح وذلك منافق….فالكل وفق تصنيفاته.
وهنا يمكن أن نقرأ النص بوصفه نقدًا لآلية بشرية خطيرة:
حين نعجز عن فهم الآخر، نختصره في ملصق..
سادسا: التفكيك الانقلابي الأعظم (وجهه الوحيد)
تأتي الضربة القاضية لتلك الشخصية المقنعة (بقي وجهه الوحيد بلا ملامح) هذه العبارة هي التي تفسر النص برمته،فالشخص حاضر في القصة كلها يشتم ويسب ويملي شروطه،وله القدرة وحده على إعادة تشكيل الآخرين ،لكنه يعجز في النهاية عن التعريف بذاته أو حتى تشكيلها فمن يبصق السماء ترجع عليه.ويحدث هنا الانقلاب القصصي فالذي كان يمنح الآخرين الأقنعة أصبح هو بلا وجه اطلاقا،والذي يحدد مقاسات الآخرين أصبح بلا هوية،والذي كان يرى الآخرين وفق ظنونه لم يعد قادرا على أن يُرى.وهذه هي المفارقة العجائبية في القصة
فالكاتبة لو أنها (من باب الاقتراح) استعملت عبارة “بقي وجهه بلا ملامح”لفجرت النص لأن الوجه الوحيد يمكن التعرف عليه والاشارة له بالبنان،فإضافة وجهه الوحيد هو إضافة طبقة أخرى
لأن كلمة «الوحيد» يمكن أن تُفهم باعتبارها الوجه الحقيقي الذي بقي بعد أن وزع الأقنعة ،لقد وزع الأقنعة على الجميع، لكنه لم يحتفظ لنفسه بقناع.ليتم اكتشاف الفراغ الداخلي الذي يعانيه
وكأن الشخصية اكتشفت متأخرة أنها كانت تستمد هويتها من تعريف الآخرين، فلما انتهت من تصنيفهم لم يبق لها تعريف.
سابعا: الثنائيات القلقة والمتوترة: الآخر والأنا:حيث تقوم القصة على علاقة متوترة جدا الأنا والآخر،وكأن الشخصية تقول أنا أعرفكم وفي النهاية هي ذاتها لا تعرف نفسها وهنا تنقلب السلطة المعرفية.
فالذات التي نصبت نفسها قاضيًا على الآخرين تتحول إلى موضوع للحكم.وهذا أجمل ما في النص من ناحية التفكيك حين ينقلب المركز إلى هامش،فالشخصية التي كانت ترفع،تلبس،تدشن،تدور،توزع…في النهاية فهي لا تفعل شيئًا.تتوقف عن الفعل ويبقى الوجه فقط بلا ملامح أي أن اللغة سحبت منها الفعل ثم سحبت منها الهوية.
ونجد ثنائية أخرى بين التوزيع والفراغ،وهي بنية دقيقة جدا و رائعة وزع على الآخرين لكنه لم يبق له شيء.
فنخرج بنتيجة رمزية مهمة جدا وهي كلما حاول الإنسان منح الآخرين هويات مصطنعة،فإنه يفقد من هويته الحقيقية إلى أن تنمحي اطلاقا،
وهذا يمكن قراءته رمزيًا: الشخصية وزعت:الشتائم،وأطلقت الأحكام،وظنت الظنون الخبيثة،وألبست الملابس والأقنعة،لم يبق لها سوى وجه وحيد أسود فاحم منحرف بلا ملامح بلا ذات ولا هوية أي أن عملية بناء الآخر بوصفه «عدوًا» أو «جاهلًا» أو «منحرفًا» انتهت إلى هدم الذات.
وبالنظر للنص عموماً فهو لا يقدم شخصية معروفة بعينها شريرة وهذا اختيار موفق فلا نعرف من هي، اسمها عمرها وظيفتها وإنما نكرة غير مقصودة وتركت للقارئ المتلقي حق التأويل كما عند روبرت ياوس وتركت مفاتيح التأويل (متعصبة،متنمرة،متطرفة،تحكم مسبقا،تقصي الآخر)وهذا الغياب يجعل الشخصية نموذجًا لا فردًا. إنها ليست شخصية محددة بقدر ما هي بنية سلوكية.ولربما تكون منظومة بأكملها.
وهذا الاتساع يزيد من قوة النص.
ونعثر أيضا على ثنائية أخرى وهي المفارقة الهزلية بين الملامح والأقنعة (وجوه،أقنعة،وجه بلا ملامح) وهذه حركة دلالية بالغة الأهمية فالقناع شيء يوضع فوق الوجه.
لكن إذا كان الإنسان لا يملك ملامح أصلًا، فإن القناع يصبح بلا ضرورة.النص يوحي إذن بأن الشخصية كانت طوال الوقت تختبئ خلف عملية إخفاء الآخرين.كلما غطت الآخرين، كشفت نفسها.وهذه مفارقة شديدة الجمال فإخفاء الآخر وسيلة لانكشاف الذات.فشخصية هذه صفاتها تعاني هشاشة داخلية تعوضها بالعدوان على الآخرين:يلبسهم.,يصنفهم،يشتمهم،يقنعهم بقوالبهم،يضع لهم الاقنعة ،وكأن الذات لا تستطيع أن تثبت وجودها إلا من خلال إلغاء الآخر.وهذا يجعل النهاية أكثر قسوة:
عندما يختفي الآخر الحقيقي خلف الأقنعة، يختفي معها المرآة التي كانت الذات ترى نفسها فيها فتبقى بلا ملامح.
قدامنا: القراءة السياسية والاجتماعية
النص يقرا أيضا بوصفه استعارة للخطاب الإقصائي في المجال العام«رفع سقف الشتائم» يمكن أن يمثل انتقال الخطاب من الاختلاف إلى التشهير.
و«إلباس الجميع ثيابًا على مقاس ظنونه» يمثل صناعة الصور النمطية.
أما «توزيع الأقنعة» فيمكن أن يرمز إلى فرض هويات جاهزة على المجتمع.
ثم تأتي النهاية باعتبارها تحذيرًا: من يصنع مجتمعا من الأقنعة سينتهي إلى العيش في مجتمع لا يستطيع فيه أحد أن يرى وجهه الحقيقي، بما في ذلك صانع الأقنعة نفسه.
وأخيرا الجمالية اللغوية المقتصدة فالنص ينجح في الق.ق.ج لأنه لا يشرح.
فالكاتبة لم تقل كان متعصبًا، جاهلًا، عنيفًا، يسيء إلى الآخرين، ثم اكتشف أنه فارغ من الداخل.
لو فعلت ذلك لفقد النص كثيرًا من قوته.
بدلا من ذلك، أعطتنا سلسلة صور: سقف ، ثياب ، جاهلية، مخالب ، وجوه ، أقنعة ،وجه ، ملامح.وهذه ليست ألفاظا متجاورة فقط؛ إنها سلسلة تحولات.
فالخطاب يبدأ من الخارج: السقف،ثم يدنو الثياب، المخالب والوجوه ثم الأقنعة،ثم ينتهي في الداخل: الوجه بلا ملامح
أي أن النص يتحرك من العالم الخارجي إلى العدم الداخلي.
والخلاصة النقدية
يمكن القول إن النص يقوم على مفارقة مركزية واحدة: كلما حاولت الذات أن تمنح الآخرين هوية وفق ظنونها، فقدت هي هويتها.
والتفكيك هنا لا يهدم النص، بل يكشف التناقضات التي تحكمه:
من يظن نفسه قادرًا على تعريف الآخرين لا يستطيع تعريف نفسه.
من يضع الأقنعة على الآخرين ينتهي بلا وجه.
من يمارس الإكراه يكشف عجزه عن الإقناع.
من يرفع «سقف الشتائم» يخفض في الحقيقة منسوب إنسانيته.
من يظن أنه يرى الآخرين بوضوح يكشف النص أنه لا يرى إلا إسقاطاته عليهم.
ولهذا فإن الجملة الأخيرة:«بقي وجهه الوحيد بلا ملامح»
ليست مجرد خاتمة، بل هي مفتاح رجعي يجعلنا نعيد قراءة كل ما سبقها.فـ«الوجه بلا ملامح» هو النتيجة المنطقية لكل ما فعله.
لقد أمضى الشخصية النص كله في صناعة وجوه للآخرين، حتى اكتشف في النهاية أنه لم يصنع وجهًا لنفسه.
وهنا تكمن قوة القصة القصيرة جدًا: لم تعاقب الشخصية بالوعظ، بل جعلت منطق أفعالها هو الذي ينتج عقابها.
وأجمل ما فيها، في تقديري، أن الخصم الحقيقي في النص ليس شخصًا آخر، وإنما «الظن» نفسه؛ فالظنون التي ألبسها للناس تحولت في النهاية إلى قناع أخفى وجه صاحبها.








