
قراءة لقصيدة( اصرخ) للشاعر الدكتور محمد سليط|طه طه دخل الله عبد الرحمن
كاتب وناقد| فلسطيني
11-8-2026
صرخةٌ تلدُ من رحمِ الصدى سماءً
لعلَّ الصمتَ هو الخطيئةُ الأولى التي ارتكبها الكائنُ في حقِّ نفسِه، حين ظنَّ أنَّ الصبرَ فضيلةٌ تُنسيهِ مرارةَ الفراغ، وأنَّ الكلامَ ترفٌ لا يليقُ بمَنْ أَحاطَ الزمانُ أعمارَهم بأسوارِ الحسرات. لكنَّ الشاعرَ، في هذا النصِّ الذي يشتعلُ كجمرةٍ في هشيمِ الروح، لا يأمرُ بالصراخِ استجابةً لغريزةِ الألم، بل يخلقُ من الصراخِ كينونةً موازيةً للعدم، يهبُ الصوتَ قوةَ التكوين، ويجعلُ من تموُّجاتِه في الفراغِ يداً خفيَّةً تمسحُ الدمعَ المُرَّ عن خدِّ الوجود.
إنَّ النداءَ “أُصرُخ” ليس بدءاً، بل هو نتيجةٌ لصمتٍ طويلٍ تشكَّلَ في الروحِ كطبقاتِ الصخر، حتى ظنَّ صاحبُهُ أنَّ الزمنَ كتلةٌ من الحسراتِ لا بابَ فيها للأفق. وهنا مكمنُ العظمةِ البلاغية: فالأفقُ ليس فضاءً بصرياً يُرى، بل هو إمكانٌ وجوديٌّ يُفتحُ بالصوت، وبغيرِ الصوتِ يظلُّ الزمنُ محاطاً بسورِ الحسراتِ كأنه سجنٌ كونيٌّ لا نوافذَ له على الضوء. الشاعرُ يُعيدُ تعريفَ المكانِ عبرَ بنيةِ الزمن، إذ يقول: “فِي هَذَا الفَرَاغِ العَمِيمْ، فِي عُمُرٍ يُصَادِرُهُ الصَّمْتُ” – وهو بهذا يجعلُ الصمتَ فاعلاً يمتلكُ سلطةَ المصادرة، كأنه قوةٌ جبّارةٌ تنهبُ العمرَ من صاحبِه، تاركةً إياه فارغاً إلا من الصدى المؤجَّل. الفراغُ العميمُ ليس فراغاً حسابياً، بل هو فراغٌ وجوديٌّ عميق، إنه الخلاءُ الذي يتركه الغيابُ حين يحتلُّ الروحَ دون استئذان.
ثم يأتي الاستفهامُ كضربةِ برقٍ تشقُّ سماءَ الذاكرة: “أَأَنْتَ الَّذِي كُنْتَ تَرْنُو لِفَجْرٍ فَتَلْقَى الظَّلامَ يَسِيرُ عَلَى قَدَمَيْهِ” – إنها صورةٌ سرياليةٌ موحشة، يرتقي فيها الظلامُ من كونهِ حالةً طبيعيةً إلى كونهِ كائناً مادياً يمشي، له قدمان، وله إرادةُ الحركة. هذا التجسيدُ للظلامِ يجعله خصماً يُواجَه، لا قدراً يُسلَّمُ به، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الظلامَ حين يصبحُ فاعلاً مرئياً فإنَّ مواجهتَه تصبحُ ممكنة، ولو بالصراخ. وحين تصفُ القصيدةُ السنينَ بأنها “تَمُرُّ خِفَافاً تَجُرُّ وِرَاءَ الخُطُواتِ غُبَارَ الهَزِيمْ”، فهي تجعلُ من الزمنِ ذاتاً هاربةً مذنبة، تخلّفُ وراءها أثراً هو الهزيمة، كأنَّ كلَّ سنةٍ كانت معركةً خاسرة، والغبارُ الذي تثيرهُ خطواتُها العابرةُ ليس غبارَ الطريق، بل غبارُ الروحِ المتآكلة.
في المقطع الثاني، يتحولُ الصراخُ من مجردِ صوتٍ عابرٍ إلى طقسٍ كونيٍّ لإعادةِ الخلق: “أُصرُخْ لِتَبْكِيَ هَذِي الشَّوَارِعُ حِينَ تَرَاكَ تَطَأُ العُقُودَ” – إنَّ الشاعرَ هنا لا يطلبُ من الشوارع أن تبكيَ شفقةً، بل أن تبكيَ لأنها رأتْ مَنْ يطأ العُقود، أي مَنْ يتجاوزُ الزمنَ نفسَه بفعلِ الصراخ. هذا الاستعلاءُ على الزمنِ ليس هروباً، بل هو انتزاعٌ للذاتِ من قبضةِ التاريخِ المأزوم. وحين يقول: “صِبَاكَ اعْتَلاَهُ الغُبَارُ وَأَنْتَ تُحَاوِلُ بَعْثَ الحَيَاةِ مِنَ الحَجَرِ المَيِّتِ المُحْتَضَرْ”، فإنَّ الصورةَ تبلغُ ذروتَها البلاغية: الحجرُ ليس ميتاً فحسب، بل هو “مُحْتَضَر”، أي أنَّ فيه بقيةَ حياةٍ تلفظُ أنفاسَها، والمهمةُ ليست خلقاً من عدم، بل هي انتشالٌ للحياةِ من الحافةِ الأخيرةِ للموت. الصرخةُ هنا تنبضُ بالمعنى: إنها قابلةٌ روحيةٌ تُولِّدُ الوجودَ من رحمِ الحجر.
ثم يبني الشاعرُ جدليةَ القسوةِ والانتماء في صورةٍ عموديةٍ شديدةِ التكثيف: “هِيَ الأَرْضُ تَقْسُو وَلَكِنَّ فِيكَ انْتِمَاءً يَشُدُّ الجُذُورَ إِلَى القَاعِ كَيْ لا تَخِرَّ الوُعُودُ وَكَيْ لا تَتُوهَ العِبَرْ”. إنها معادلةٌ وجوديةٌ مضادة: الأرضُ قاسيةٌ إلى الأعلى، ولكنَّ الانتماءَ يشدُّ إلى الأسفل، والجذورُ تصارعُ السقوطَ في معركةٍ أبدية. الصراخُ هو الذي يجعلُ هذه الجذورَ تنموا عميقاً، وهو الذي يحفظُ الوعودَ من السقوطِ والعِبَرَ من التيه. وهنا، في لحظةٍ تنويريةٍ عظمى، يقول: “أُصرُخْ لِتَمْلَأَ كَفَّيْكَ نُوراً فَإِنَّ الصُّرَاخَ المَدَوِيَّ بِدَايَةُ كُلِّ سَفَرْ”. هذا البيتُ هو جوهرةُ النصِّ ورؤياهُ الفلسفية: الصوتُ يتحولُ إلى نورٍ في الأيدي، والصراخُ لا يُنهي شيئاً، بل يبدأ كلَّ شيء. إنَّ النورَ هنا ليس استعارةً مبتذلة، بل هو ضوءٌ داخليٌّ يتشكلُ من طاقةِ الصوتِ المحض، كما لو أنَّ تموُّجاتِ الصراخِ في الهواءِ تخلقُ نسيجاً ضوئياً يملأُ الكفَّ الفارغة. الرحلةُ، أيُّ رحلة، لا تبدأُ بالخطوة، بل بالصوتِ الذي يُعلنُ بدءَها، كأنَّ الصراخَ هو “كُنْ” التكوين.
في المقطع الثالث، يتسعُ النطاقُ من الذاتِ إلى النوع، من الفردِ إلى التاريخ، فيقول: “فَلَسْتَ الأَخِيرَ الَّذِي يَبْتَنِي أَمَلاً مِنْ دُمُوعْ”. الصورةُ هنا معماريةٌ بامتياز: الدموعُ ليست ضياعاً، بل هي حجارةُ بناء، وبنايةُ الأملِ تُقامُ من ماءِ العينِ المالح. هذا تحويلٌ بلاغيٌّ عبقريٌّ للمادةِ الأكثرِ هشاشةً إلى المادةِ الأكثرِ صلابة. وفي قوله: “هُوَ الحُزْنُ يَأْكُلُ أَيَّامَنَا فِي العَرَاءِ وَلَكِنَّ فِي صَوْتِكَ الشَّهْمِ شَيْئاً يَهَزُّ هَذَا الشَّجَنْ”، نرى الحزنَ كوحشٍ مفترسٍ يأكلُ الأيامَ في العراء، لكنَّ الصوتَ الشهمَ يمتلكُ قوةً غامضةً “شيئاً” – والتنكيرُ هنا مقصودٌ ليعطيَ للقوةِ صفةَ القداسةِ والغموض، قوةً لا تُسمَّى لأنها فوقَ التسمية – تهزُّ الشجن، وكأنَّ الشجنَ بناءٌ ضخمٌ يُزلزَلُ بالصوت.
ثم يختمُ الشاعرُ نصَّه برؤيا القيامةِ الصغرى: “أُصرُخْ لِكَيْ يَسْمَعَ الحُلْمُ أَنَّكَ بَاقٍ وَأَنَّ السِّنِينَ مَهْمَا اقْتَسَتْ فِي الظَّلامِ سَتَخْضَرُّ فِيكَ وَيُورِقُ زَيْتُونُهَا وَتَحْيَا الشُّمُوعْ”. إنَّ الصراخَ هنا يصبحُ نداءً موجهاً إلى الحلمِ ذاتِه، كأنَّ الحلمَ غائبٌ أو نائمٌ يحتاجُ إلى مَنْ يوقظُه. والأخضرارُ ليس في السنوات، بل “فيكَ”، أي في الذاتِ الصارخة، مما يعني أنَّ الزمنَ الميتَ يُستعادُ في الروحِ الحية، لا في الخارج. والزيتونةُ تورقُ في إشارةٍ إلى شجرةِ الكينونةِ المباركة، والشموعُ تحيا في النهايةِ كأنَّها قلوبٌ من لهب.
إنَّ هذا النصَّ، في عمقهِ البلاغيِّ الأخير، ليس قصيدةً عن الصراخ، بل هو الصراخُ ذاتُه بعد أن تجسَّدَ لغةً. إنه يخلعُ عن الكلماتِ ثوبَ الوصف، ويجعلها الفعلَ ذاتَه. الصوتُ فيه يسبقُ المعنى، بل المعنى يتشكلُ من تموُّجاتِ الصوت. ومن يقرأ النصَّ لا يقرأ، بل يشاركُ في طقسِ الخلق، حيثُ الصراخُ هو الفأسُ التي تكسرُ جدارَ الصمت، وحيثُ كلُّ بيتٍ هو ضربةٌ تُوسِّعُ الكوَّةَ التي سيدخلُ منها الضوء. وفي النهاية، لا يبقى إلا السؤالُ الذي يزرعه النصُّ في قلبِ القارئ: أتجرؤُ أن تصرخ؟ أتجرؤُ أن تكونَ بدايةَ سفرٍ في زمنِ الحسرات؟ إنَّ الصراخَ هنا ليس تعبيراً، بل هو ولادةُ المعنى ذاتُها من رحمِ العدم.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
11/08/2026
********************
القصيدة:
أُصرُخ
أُصرُخْ لَعَلَّ صَدَاكَ يَكُفُّ الدَّمْعَ المُرَّ
فِي هَذَا الفَرَاغِ العَمِيمْ
فِي عُمُرٍ يُصَادِرُهُ الصَّمْتُ
يَمْضِي
كَأَنَّ الزَّمَانَ هُنَا
مُحَاطٌ بِسُورٍ مِنَ الحَسَرَاتِ
وَلا بَابَ فِي الآفَاقِ
لِكَيْ نَسْتَقِيمْ
أَأَنْتَ الَّذِي كُنْتَ تَرْنُو لِفَجْرٍ
فَتَلْقَى الظَّلامَ يَسِيرُ عَلَى قَدَمَيْهِ
وَتَلْقَى السِّنِينَ تَمُرُّ خِفَافاً
تَجُرُّ وِرَاءَ الخُطُواتِ غُبَارَ الهَزِيمْ
فَلَمْ تَرَ فِيهَا احْتِفَالاً
وَلا صَدَفَةً مِنْ فَرَحْ
أُصرُخْ لِكَيْ يَعْرِفَ الوَقْتُ أَنَّكَ حَيٌّ
وَأَنَّ الخَرِيطَةَ لَيْسَتْ طَرِيقاً لِغَيْمْ
أُصرُخْ
لِتَبْكِيَ هَذِي الشَّوَارِعُ
حِينَ تَرَاكَ تَطَأُ العُقُودَ
فَلا يَوْمَ كَانَ يُضِيءُ الأَمَلْ
صِبَاكَ اعْتَلاَهُ الغُبَارُ
وَأَنْتَ تُحَاوِلُ بَعْثَ الحَيَاةِ
مِنَ الحَجَرِ المَيِّتِ المُحْتَضَرْ
هِيَ الأَرْضُ تَقْسُو
وَلَكِنَّ فِيكَ انْتِمَاءً
يَشُدُّ الجُذُورَ إِلَى القَاعِ
كَيْ لا تَخِرَّ الوُعُودُ
وَكَيْ لا تَتُوهَ العِبَرْ
أُصرُخْ لِتَمْلَأَ كَفَّيْكَ نُوراً
فَإِنَّ الصُّرَاخَ المَدَوِيَّ
بِدَايَةُ كُلِّ سَفَرْ
أُصرُخْ
فَلَسْتَ الأَخِيرَ الَّذِي يَبْتَنِي أَمَلاً مِنْ دُمُوعْ
وَلَسْتَ الوَهِينَ الَّذِي اسْتَسْلَمَا
هُوَ الحُزْنُ يَأْكُلُ أَيَّامَنَا فِي العَرَاءِ
ولَكِنَّ فِي صَوْتِكَ الشَّهْمِ شَيْئاً
يَهَزُ هَذَا الشَّجَنْ
أُصرُخْ لِتَسْتَرْجِعَ الذَّاكِرَةْ
فَكُلُّ المَحَطَّاتِ طَالَتْ
وَمَا زَالَ فِي الصَّدْرِ شَوْقٌ
إِلَى زَهْرَةٍ لا تَمُوتُ
وَنَبْضٍ أَمِينٍ يُسَمَّى الوَطَنْ
أُصرُخْ لِكَيْ يَسْمَعَ الحُلْمُ أَنَّكَ بَاقٍ
وَأَنَّ السِّنِينَ مَهْمَا اقْتَسَتْ فِي الظَّلامِ
سَتَخْضَرُّ فِيكَ
وَيُورِقُ زَيْتُونُهَا
وَتَحْيَا الشُّمُوعْ
بقلم الشاعر والناقد
دكتور محمد سليط







