
المعلقة الكبرى (قانون الدوران والأصل معدن )|الدكتور فضيل حاج بن عدة
كاتب وناقد |مغربي
ألا أيتها الحروف اشتدي وتمزقي فاليوم ينطق الصدق فتخرس الأكاذيب وتذوب الجبال خجلا وتبكي السماوات تحت عرش الرحمن
يقولون الوفاء وقلوبهم بيوت للخراب مقسمة دهاليز دهليز للخبث ودهليز للنفاق ودهليز للخيانة يؤجر بالدم
يستقبلونك بضحكات الشياطين وفي الظهور يذبحونك بسكاكين البسمات فإذا رفعك الله درجات حسدوك حتى على الهواء وتظاهروا بالعمى
الناس في سرنا أكثر منهم في سر أنفسهم يحصون أنفاسنا ويزنون نعم الله علينا بميزان الحسد يتمنون لك الخير بأفواههم فإذا أتاك الخير اسودت وجوههم وارتجفت قلوبهم وماتت أرواحهم غيظا
وأشد الناس عداوة لك من علم أنه لن يبلغك فجعل من عجزه عبادة ومن حسده دينا ومن غيظك قبلة يتعبد بها ليل نهار
ألا وإن للدهر قانونا لا يحابي ولا يرحم اسمه الدوران رحى تدور لا تتوقف اليوم تطحن عدوك وغدا تطحنك فما زرعته خيرا حصدته نورا وما بذرت شرا أتاك بركانا
واحفظها في قلبك وانقشها على عظامك من خرج من بابك باختياره لا يعود إلا بإذن كرامتك ومن كسر العهد بيده لا يبك إذا قطعته يده فلا تخط رقعة لثوب مزقه هو ولا تنفخ الروح في ميت دفنه هو
وقوة الشخصية ليست شتما في الطرقات ولا قذارة لسان في المجالس ولا صراخ سوقة القوة أن تصمت والكل يصرخ القوة أن تكون جبلا ترمى بالصخور فتهدي ظلا وثمرا
والصدق جوهرة في قاع محيط مظلم فلا تسأل عنها غواصا باع ضميره بدرهم ولا تطلب ماء من سراب مفلس المبادئ باع نفسه من قبل فكيف يشتريها منك
فيا معشر الأقنعة المتلونة كفوا عبثكم فالله يرى والملائكة تحصي والزمن يدور اليوم أنت القاضي وغدا أنت المتهم اليوم تضحك وغدا يبكيك الدهر دما وصديدا
أنا ابن الجزائر أرض الشهداء لا أسجد إلا للحق ولا أحمل إلا الصدق راية من أراد الوفاء فليأت بقلب واحد طاهر ومن اختار الخيانة فليحفر قبره بيديه فإن قانون الدوران آت لا يخطئ
كانوا أذى وكان الله لطيفا بي فأزالهم برحمته بلا قتال فالحمد لله الذي نجانا من سمهم قبل أن يسري في العروق
لا بطولة في منازلة الكائنات السامة ابتعد فإن الهرب شرف والصمت حكمة والعاقل من فر من النار قبل أن يصير رمادا
ليس النقاء خلوك من العيوب فكلنا طين نخطئ بل النقاء خلوك من الخبث أن يكون قلبك زجاجا لا يعلق به قيح
لهذا النفوس الكريمة تعترف بالفضل وتذكر الجميل وتسقي الود وإن أجدبت الدنيا
والنفوس اللئيمة تنبش القبور وتبحث عن الزلات وتجعل من الهفوة جبلا ومن الزلة سيفا
الأصيل لا يبيع العشرة ولو طلقته الدنيا ولا يطعن ظهرا كان يوما سترا له ولا ينسى خبزا وملحا ولا يمحو عمرا بزلة
أما الخائن فيبيع سنين الوفاء عند أول مصلحة ويبدل المبادئ كما تبدل النعال ويتلون كالحرباء حتى ينسى لونه
فالأصل معدن يلمع في الشدة كما يلمع في الرخاء لا يصدأ والخيانة طبع لا يغطيه ألف قناع وإن تزين
وكما يجب أن يقال هناك أصدقاء ملائكة يدافعون عنك وأنت غائب ويحفظون غيبتك وأنت لا تدري يسترونك في ظهرك ويذودون عنك في مجلسك هم الأهل هم الوطن هم الرزق الذي لا يشترى بمال
فاختر صحبك كما تختار ماءك فإن الماء إن تلوث قتلك وإن صفا أحياك
واهرب من أهل الخبث فإن قربهم سم زعاف وبعدهم ترياق
فطهروا القلوب من درن النفاق واغسلوا الألسن بماء التقى فما الدنيا إلا قنطرة والآخرة دار القرار ومن زرع الشوك جرحته يداه ومن غرس النور بشرته الملائكة فإن الله لا يضيع أجر المحسنين
وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون إن الله لا يظلم مثقال ذرة وهو اللطيف الخبير
—







