
قراءة نقدية في لوحة( أمان) للفنانة التشكيلية المغربية فاطمة الزهراء كريم |طارق الأسمر
كاتب وإعلامي| مغربي
فِي مَهْدِ الظِّلِّ وَالوَرْد …
حِكَايَةُ المَلَاذِ الأَزَلِيِّ بَيْنَ انْحِنَاءِ الوَجْهَيْن …
في لوحة “أمان” للفنانة التشكيلية المغربية ” فاطمة الزهراء كريم “، نجد أنفسنا أمام نصٍّ بَصَريٍّ يَضِجُّ بالعاطفةِ ويَتَنَفَّسُ الطمأنينةَ. لا تَكتفي الفنانة بتصوير مشهد، بل تَخْلُقُ حالةً شُعُوريةً عميقةً، مُسْتَخْدِمَةً تقنياتِ الأكريليك بأسلوبٍ تَعبيريٍّ يتجاوزُ التفسيرَ السطحيَّ للكلمات.
حيث يُهَيْمِنُ على التكوين وَجْهَانِ مُتَلَاحِمَانِ، يُشَكِّلَانِ بؤرةً بصريةً واحدةً. الوَجْهُ العلويُّ، بِسِحْنَتِهِ الدافئةِ والمائلةِ للغروبِ، يَبْدُو كَصَخْرَةِ سَنَدٍ، يَحتَضِنُ الوجهَ السُّفليَّ الأصغرَ والأكثرَ بَياضاً، والذي يَتَوَسَّدُ المَنْكِبَ في استسلامٍ تامٍ. هذا التَّدَاخُلُ يَنْتِجُ تَمَاثُلاً بنيوياً يُعَبِّرُ عن الاتحادِ لا الانفصالِ، ويُجَسِّدُ مَفْهُومَ الـ “أمان” كَمَلَاذٍ رُوحِيٍّ قَبْلَ أن يكونَ جَسَدِياً. إنه حوارٌ صامتٌ بين رُوحَيْنِ وَجَدَتَا طَرِيقَهُمَا إلى السكينةِ.
كما تَعتَمِدُ فاطمة الزهراء كريم على لوحةً لونيةً دافئةً ومُتَنَاغِمَةً، تَدُورُ في فَلَكِ الورديَّاتِ والتُّرَابِيَّاتِ والأبيضِ النَّقِيِّ. ضَرَبَاتُ الفرشاةِ خَشِنَةٌ ومَحْسُوسَةٌ، تَمْنَحُ السطحَ عُمْقاً تَاريخياً وتُرَابِياً، كأنَّ هذا الـ “أمان” قد صُقِلَ عَبْرَ الزمنِ. هذه الملامسُ تَمْنَحُ العاطفةَ قُوَّةً وتَثْبِيتاً، وتَجْعَلُ المشهدَ كَجُزْءٍ من الأرضِ لا يَتَزَعْزَعُ.
و تَبْرُزُ زَهْرَةٌ وَرْدِيَّةٌ واحدةٌ، بَتَلَاتُهَا دَقِيقَةٌ ومُلَوَّنَةٌ، فوقَ الوجهِ الأصغرِ. هذه الزهرةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ زِينَةٍ؛ بل هي تَمْثِيلٌ بَصَرِيٌّ لِأَنُوثَةِ العاطفةِ ونُعُومَتِهَا. هي “شَامَةُ” العَمَلِ، وقَلْبُهُ النابضُ الذي يَرْبُطُ بين الـ “أمان” والجمالِ الطبيعيِّ. قد تُرْمِزُ إلى الحلمِ، أو إلى لحظةِ تَفَتُّحِ السكينةِ في القلوبِ.
حيث تَطْمِسُ الفنانةُ تَفَاصِيلَ الخلفيةِ، وتَحَوِّلُهَا إلى سَدِيمٍ لَوْنِيٍّ مُضِيءٍ ومُنْفَتِحٍ، مِمَّا يَعْزِلُ هذا الملاذَ عَنْ ضَوْضَاءِ العَالَمِ الخَارِجِيِّ. هذا التجريدُ يَمْنَحُ الـ “أمان” بُعْداً كَوْنِياً ويَجْعَلُهُ حَالَةً أَبَدِيَّةً لا تَحُدُّهَا الزمانُ ولا المكانُ. الإضاءةُ تَنْبَعِثُ من داخِلِ التكوينِ، تُنِيرُ الوجوهَ من الـدَّاخِلِ، وتُؤَكِّدُ أنَّ المصدرَ الحقيقيَّ لِلـ “أمان” هو الرُّوحُ.
كما تَحْمِلُ ملامحُ الشَّخْصِيَّاتِ عُمْقاً تُرَابِيَّاً يَتَنَاغَمُ مع الجُذُورِ المغربيةِ، لكنَّ العاطفةَ المُعَبَّرَ عنها تَتَجَاوَزُ الحُدُودَ الجغرافيةَ لِتُلامِسَ قَلْبَ الإنسانِ أَيْنَمَا كان. إنه الـ “أمان” العَالَمِيُّ الذي نَبْحَثُ عنه جميعاً.
في الختام، تُقَدِّمُ فاطمة الزهراء كريم في “أمان” قراءةً عميقةً ومُؤَثِّرَةً لِهَذِهِ العاطفةِ الإنسانيةِ الأساسيةِ. لا تَرْسُمُ كريم الـ “أمان”، بل تَجْعَلُ نَبْضَهُ مَسْمُوعاً ومَحْسُوساً على قُمَاشِ اللَّوْحَةِ. إنها لَوْحَةٌ لا تُشَاهَدُ فَقَطْ، بل تُسْتَنْشَقُ ويُعَاشُ دِفْؤُهَا، وتَدْعُونَا لِتَأَمُّلِ المَلَاذِ الـذَّاتِيِّ في دَوَاخِلِنَا.







