
أقنعة النجاة في مهب التلاشي
٠أقنعة النجاة في مهب التلاشي
قراءة في المأزق الوجودي لرواية “لعنة المنتصف”
بقلم : طارق الأسمر
تستدرجنا الكاتبة فرح راشد في نصها الروائي “لعنة المنتصف” إلى منطقة برزخية حادة، حيث لا بداية تشفع للمستقبل، ولا نهاية تمنح ختامًا مريحًا. إنها روايةٌ لا تقف عند حدود الحكاية العابرة، بل تتخذ من مأزق “المنتصف” ثيمة مركزية لتفكيك هشاشة الذات الإنسانية وهي تتخبط بين ما كانت عليه وما تجد نفسها مجبرة على إبرازه للعالم.
حيث تعتمد الرواية على إيقاع سردي يتصاعد بحذر، متخذًا من المونولوج الداخلي أداةً لشحذ حالة التوتر المستمر. تنجح فرح راشد في تحويل “المنتصف” من مجرد مرحلة زمنية أو عمرية إلى حالة نفسية معقدة، منتصف الطريق الذي يكتشف فيه البطل أنه استهلك نصف حياته في الركض نحو أهداف لا تشبهه. تمتاز اللغة هنا بثرائها الوجداني واقترابها من الشفافية الشاعرية دون أن تفقد دقتها في توصيف اللحظات الرمزية المشحونة.
واللعنة في النص ليست مجرد قدر خارجي غاشم، بل هي انعكاس للشروخ الداخلية. يمثل الغلاف والرموز المتواترة داخل السرد مرآةً تنعكس عليها المخاوف المسكوت عنها، الزمن الذي يتحول من مجرد خط متوالٍ إلى عدو صامت يلتهم اليقين، و الهوية التي تتبدى كعنصر متقلب، حيث تبدو الشخصيات وكأنها ترتدي أقنعة لتفادي المواجهة مع حقيقتها، و الازدواجية في الصراع الأبدي بين الرغبة في التحرر والخوف من التبعات.
و على الرغم من بروق اللمحات الفلسفية التي أثثت بها الكاتبة شخوصها، إلا أن هذا الإغراق في التداعي الداخلي كان يهدد أحيانًا ببطء حركة الحبكة وتوارق المُنعرجات الأحداثية لصالح الحالة النفسية. غير أن هذا الرهان السردي يظل مقبولاً في سياق رواية تنشغل بالأسئلة أكثر مما تنشغل بإيجاد الإجابات.
حيث تصل فرح راشد في “لعنة المنتصف” إلى صياغة تجربة روائية لافتة، تضع قارئها أمام مرآته الخاصة، ليتساءل بعد إغلاق الصفحات: هل يمكن للهروب من المنتصف أن يكون بداية حقيقية، أم أنه مجرد تورط جديد في الدائرة ذاتها ؟ …







