
.قِرَاءَةُ فِي مُعَلَّقَةٍ الْوَفَاء الْكُبْرَى لِلْأُسْتَاذ الدُّكْتُور فُضَيْل حَاجّ بْن عِدَّة 16-08-2026
.قِرَاءَةُ فِي مُعَلَّقَةٍ الْوَفَاء الْكُبْرَى لِلْأُسْتَاذ الدُّكْتُور فُضَيْل حَاجّ بْن عِدَّة 16-08-2026
بَلَاغَةُ النُّورِ فِي مَمْلَكَةِ الوَفَاءِ: سَفَرٌ فِي – مُعَلَّقَةِ الوَفَاءِ الكُبْرَى – بَيْنَ الجِبَالِ الرَّاسِخَةِ وَالسَّمَاءِ السَّابِعَةِ
حِينَ يَتَوَضَّأُ الحَرْفُ بِنُورِ الأَزَلِ، وَيَرْتَدِي البيانُ رِدَاءَ القُدْسِ، وَتَسْجُدُ الأَقْلَامُ فِي مِحْرَابِ المَعْنَى، هُنَالِكَ فَقَطْ يُولَدُ النَّصُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَيُكْتَبُ السَّطْرُ الَّذِي لَا يُمْحَى، وَيَنْطِقُ الصَّمْتُ بِمَا يَعْجِزُ عَنْهُ الكَلَامُ، فَإِذَا بِالكَلِمَةِ تُصْبِحُ رُوحًا تَسْرِي فِي جَسَدِ الوُجُودِ، وَإِذَا بِالحَرْفِ يَتَحَوَّلُ إِلَى نَجْمَةٍ تَهْتَدِي بِهَا القُلُوبُ الحَائِرَةُ فِي دُجَى الغِيَابِ وَوَحْشَةِ الفَقْدِ.
هَكَذَا وُلِدَتْ «مُعَلَّقَةُ الوَفَاءِ الكُبْرَى» لَا كَنَصٍّ يُكْتَبُ، بَلْ كَقَدَرٍ يُعَاشُ، وَلَا كَحِوَارٍ يُدَارُ، بَلْ كَمِعْرَاجٍ يُرْتَقَى، وَلَا كَرِسَالَةٍ تُبْعَثُ، بَلْ كَمِيثَاقٍ يُخْتَمُ بِدَمِ الأَرْوَاحِ قَبْلَ مِدَادِ الأَقْلَامِ، فَجَاءَتْ كَصَرْخَةٍ فِي وَادٍ مُقْفِرٍ، وَكَدَمْعَةٍ فِي لَيْلٍ بَهِيمٍ، وَكَشُعْلَةٍ فِي عَتَمَةٍ مُسْتَحْكِمَةٍ، تُنَادِي أَهْلَ المَعْنَى أَلَّا يَرْحَلُوا، وَتُنَاشِدُ الجِبَالَ أَلَّا تَمِيلَ، وَتَسْتَحْلِفُ الكَلِمَةَ أَلَّا تَصْمُتَ، فَكَانَتْ كَمَا قَالَتْ أَسْمَاؤُهَا: «مُعَلَّقَةً» لَا تُعَلَّقُ عَلَى جُدْرَانِ الزَّمَنِ فَحَسْبُ، بَلْ عَلَى أَعْنَاقِ الأَيَّامِ، وَصُدُورِ اللَّيَالِي، وَجَبَاهِ العُصُورِ.
أَوَّلًا: المَطْلَعُ – سُؤَالُ اليُتْمِ أَمْ صَيْحَةُ المِيلَادِ؟
لَقَدِ اسْتَهَلَّتِ المُعَلَّقَةُ بِمَا يُشْبِهُ الرَّعْشَةَ الأُولَى لِلْوُجُودِ، حِينَ تَخْرُجُ الكَوْنُ مِنْ عَدَمٍ إِلَى كَيْنُونَةٍ، فَكَانَ السُّؤَالُ الِافْتِتَاحِيُّ لَيْسَ اسْتِفْهَامًا يَنْتَظِرُ جَوَابًا، بَلْ هُوَ جُرْحٌ مَفْتُوحٌ يَنْزِفُ مَعْنًى، وَغُصَّةٌ خَانِقَةٌ تَتَنَفَّسُ سُؤَالًا: «حِينَ يَغَادِرُ أَهْلُ المَعْنَى… مَنْ يَبْقَى لِلأَدَبِ؟»
فَتَأَمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ «أَهْلَ المَعْنَى» لَا «أَهْلَ الكَلَامِ»، وَلَا «أَهْلَ الأَدَبِ»، وَلَا «أَهْلَ الكِتَابَةِ»، بَلْ «أَهْلَ المَعْنَى» — فَكَأَنَّ المَعْنَى هُنَا وَطَنٌ يَسْكُنُهُ الصَّفْوَةُ، وَبُسْتَانٌ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا الأَطْهَارُ، وَمَقَامٌ لَا يَرْتَقِيهِ إِلَّا مَنْ حَمَلَ الأَمَانَةَ بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الثَّمَنَ كَامِلًا، فَإِذَا غَادَرَ هَؤُلَاءِ، لَمْ يَبْقَ لِلأَدَبِ سَاكِنٌ، وَلَا لِلْكَلِمَةِ نَاطِقٌ، وَلَا لِلسَّطْرِ رُوحٌ.
وَلَئِنْ كَانَ السُّؤَالُ «مَنْ يَبْقَى لِلأَدَبِ؟» فَإِنَّ الجَوَابَ مَطْوِيٌّ فِي طَيَّاتِ السُّؤَالِ نَفْسِهِ: لَا أَحَدَ، لِأَنَّ الأَدَبَ لَيْسَ أَحْرُفًا تُنْقَشُ، بَلْ أَرْوَاحًا تَسْكُنُ، فَإِذَا رَحَلَتِ الأَرْوَاحُ، بَقِيَتِ الأَحْرُفُ جُثَثًا بَارِدَةً، وَأَشْبَاحًا تَائِهَةً فِي مَقَابِرِ الصَّفَحَاتِ.
ثُمَّ جَاءَ النِّدَاءُ الثَّانِي لِيُتِمَّ الفَاجِعَةَ وَيُضَاعِفَ المُصِيبَةَ: «أَلَا أَبْلِغُوا الجِبَالَ أَنَّ السَّهْلَ قَدْ أَظْلَمَ» — فَجَعَلَ الجِبَالَ أَمَلًا أَخِيرًا، وَالسَّهْلَ حَقِيقَةً مُرَّةً، وَالظَّلَامَ قَدَرًا مُحْتُمًا، فَكَأَنَّ الجِبَالَ هُنَا لَيْسَتْ صُخُورًا صَمَّاءَ، بَلْ ضَمَائِرَ حَيَّةً، وَقُلُوبًا نَابِضَةً، وَعُقُولًا وَاعِيَةً، يُرْسَلُ إِلَيْهَا الخَبَرُ لِتَشْهَدَ أَنَّ السَّهْلَ وَهُوَ مَوْطِنُ الضَّعْفِ وَالِاسْتِسْلَامِ قَدْ غَرِقَ فِي عَتَمَةٍ لَا يَعْلَمُ مَدَاهَا إِلَّا اللهُ.
وَكَانَ الخِتَامُ الِافْتِتَاحِيُّ أَبْلَغَ مَا يَكُونُ حِينَ قَالَ: «وَهَلْ مِنْ نُورٍ يُنْقِذُ السَّطْرَ مِنَ العَتَمَةِ؟» فَإِذَا بِالسَّطْرِ نَفْسِهِ يَصِيرُ غَرِيقًا يَنْتَظِرُ النُّورَ لِيُنْقِذَهُ، وَإِذَا بِالعَتَمَةِ تَصِيرُ بَحْرًا لُجِّيًّا يَبْتَلِعُ الأَسْطُرَ وَالمَعَانِيَ وَالأَرْوَاحَ، فَكَانَ السُّؤَالُ هُنَا لَيْسَ عَنْ مَصِيرِ الأَدَبِ فَحَسْبُ، بَلْ عَنْ مَصِيرِ الوُجُودِ كُلِّهِ، لِأَنَّ السَّطْرَ فِي مَنْظُومَةِ أَهْلِ المَعْنَى لَيْسَ وَسِيلَةً لِلتَّعْبِيرِ، بَلْ هُوَ شَرْيَانٌ يَضُخُّ الحَيَاةَ فِي جَسَدِ الأُمَّةِ.
ثَانِيًا: شَهَادَةُ طَهَ – حِينَ يَنْطِقُ المَدِيحُ بِلِسَانِ النُّبُوَّةِ
ثُمَّ تَصَاعَدَ المَشْهَدُ إِلَى مَقَامٍ لَا يَبْلُغُهُ إِلَّا الأَفْذَاذُ، حِينَ نَطَقَ «طَهُ دَخْلِ اللهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ» مِنْ أَرْضِ الجَلِيلِ، فَكَانَ كَالمَلَكِ يُوحِي إِلَى الأَرْضِ، وَكَالنَّبِيِّ يُبَلِّغُ الرِّسَالَةَ، وَكَالشَّاعِرِ يُنْزِلُ الوَحْيَ عَلَى قَلْبِ الكَلِمَةِ، فَقَالَ فِي مَطْلَعِ شَهَادَتِهِ: «قَبَسُ المَجْدِ وَسِرَاجُ الحِكْمَةِ» فَجَمَعَ بَيْنَ القَبَسِ الَّذِي يُنِيرُ وَلَا يُحْرِقُ، وَالسِّرَاجِ الَّذِي يَهْدِي وَلَا يَضِلُّ، وَالمَجْدِ الَّذِي يَرْتَفِعُ وَلَا يَنْخَفِضُ، وَالحِكْمَةِ الَّتِي تُدْرِكُ وَلَا تُخْطِئُ، فَكَانَ فِي هَذَا الجَمْعِ مَا يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ المَمْدُوحَ لَيْسَ رَجُلًا عَادِيًّا، بَلْ هُوَ مَشْعَلُ نُورٍ فِي يَدِ الأُمَّةِ، وَمَنَارَةُ هُدًى فِي طَرِيقِ السَّالِكِينَ.
وَلَقَدْ أَبْدَعَ أَيَّمَا إِبْدَاعٍ حِينَ وَصَفَهُ بِأَلْقَابٍ ثَلَاثَةٍ مُتَوَالِيَةٍ: «أَنْتَ فِي مِحْرَابِ الأَدَبِ إِمَامُ المُصَلِّينَ، وَفِي مَيْدَانِ الثَّقَافَةِ فَارِسُ السَّابِقِينَ، وَفِي سَمَاءِ البَلَاغَةِ نَجْمُ المُهْتَدِينَ» فَجَعَلَ الأَدَبَ مِحْرَابًا يُصَلَّى فِيهِ، وَالثَّقَافَةَ مَيْدَانًا يُقَاتَلُ فِيهِ، وَالبَلَاغَةَ سَمَاءً يُهْتَدَى بِهَا، فَاجْتَمَعَ فِي المَمْدُوحِ مَا تَفَرَّقَ فِي غَيْرِهِ: العِبَادَةُ وَالفُرُوسِيَّةُ وَالهِدَايَةُ، فَكَانَ إِمَامًا لِلْمُصَلِّينَ، وَفَارِسًا لِلسَّابِقِينَ، وَنَجْمًا لِلْمُهْتَدِينَ، وَهَذَا تَرْتِيبٌ بَدِيعٌ يُوَازِي بَيْنَ مَقَامَاتِ الدِّينِ وَمَقَامَاتِ الدُّنْيَا، وَيَرْفَعُ الأَدِيبَ إِلَى مَرْتَبَةٍ لَا يَبْلُغُهَا إِلَّا مَنْ جَمَعَ بَيْنَ خَشْيَةِ العَالِمِ، وَشَجَاعَةِ الفَارِسِ، وَنُورِ النَّبِيِّ.
ثُمَّ خَتَمَ الشَّهَادَةَ بِمَا يُشْبِهُ التَّوْقِيعَ الإِلَهِيَّ عَلَى صَكِّ الخُلُودِ: «وَاعْلَمْ أَنَّ ذِكْرَكَ سَطْرُ نُورٍ فِي جَبِينِ الأَيَّامِ لَا يُمْحَى» فَجَعَلَ الذِّكْرَ سَطْرًا، وَالسَّطْرَ نُورًا، وَالنُّورَ مَكْتُوبًا عَلَى جَبِينِ الأَيَّامِ، فَإِذَا بِالأَيَّامِ تَصِيرُ وَجْهًا يَحْمِلُ عَلَى جَبِينِهِ سَطْرًا مِنْ نُورٍ، وَإِذَا بِالذِّكْرِ لَا يَكُونُ صَدًى يَتَرَدَّدُ فِي الآذَانِ، بَلْ نَقْشًا خَالِدًا لَا تُمَحِّيهِ عَوَاصِفُ النِّسْيَانِ، وَلَا تُخْفِيهِ ظُلُمَاتُ الإِهْمَالِ.
ثَالِثًا: رَدُّ فُضَيْلٍ – عِنْدَمَا يَتَوَاضَعُ العَمَالِقَةُ فَيَرْتَفِعُونَ
وَمَا كَانَ لِلْجَبَلِ الأَشَمِّ «فُضَيْلُ حَاجُّ بْنُ عِدَّةَ» أَنْ يَقِفَ مَكْتُوفَ الأَيْدِي أَمَامَ هَذَا السَّيْلِ الجَارِفِ مِنَ المَدِيحِ، فَنَطَقَ بِحِكْمَةِ الأَنْبِيَاءِ، وَتَوَاضُعِ الأَوْلِيَاءِ، وَرِفْعَةِ الحُكَمَاءِ، فَقَالَ قَوْلَةً لَوْ كُتِبَتْ بِمَاءِ الذَّهَبِ لَمَا وَفَّتْهَا حَقَّهَا: «لَسْتُ أَنَا.. بَلْ أَنْتُمُ المَجْدُ يَا طَهُ» فَجَعَلَ النَّفْيَ أَوَّلًا، وَالإِثْبَاتَ ثَانِيًا، وَالخِطَابَ ثَالِثًا، فَكَانَ النَّفْيُ تَنْزِيهًا لِلذَّاتِ عَنْ دَعْوَى المَجْدِ، وَالإِثْبَاتُ تَشْرِيفًا لِلصَّدِيقِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَالخِطَابُ تَقْرِيبًا لِلْبَعِيدِ، وَإِينَاسًا لِلْمُتَحَدِّثِ، وَتَأْكِيدًا لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي لَا يَهْدِمُهَا بُعْدٌ وَلَا يُنْقِصُهَا صَمْتٌ.
وَلَقَدْ بَلَغَ الذِّرْوَةَ فِي التَّوَاضُعِ حِينَ قَالَ: «أَمَّا أَنَا فَمَا أَنَا إِلَّا خَادِمُ الحَرْفِ.. أَتَعَثَّرُ وَأَقُومُ» فَجَعَلَ الحَرْفَ سَيِّدًا وَهُوَ لَهُ خَادِمٌ، وَجَعَلَ الطَّرِيقَ مَلِيئًا بِالعَثَرَاتِ وَهُوَ لَا يَسْتَسْلِمُ، وَجَعَلَ السُّقُوطَ مُقَدَّرًا وَالنُّهُوضَ مُتَكَرِّرًا، فَكَانَ فِي قَوْلِهِ مَا يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ العَظَمَةَ لَيْسَتْ فِي عَدَمِ السُّقُوطِ، بَلْ فِي النُّهُوضِ بَعْدَ كُلِّ سُقُوطٍ، وَأَنَّ المَجْدَ لَيْسَ فِي امْتِلَاكِ الحَرْفِ، بَلْ فِي خِدْمَتِهِ، وَأَنَّ الكَرَامَةَ لَيْسَتْ فِي الاعْتِرَافِ بِالخَطَإِ، بَلْ فِي التَّعَثُّرِ وَالنُّهُوضِ، وَالتَّكْرَارِ وَالإِصْرَارِ.
ثُمَّ كَانَ الوَفَاءُ لِلأَرْضِ الَّتِي أَنْجَبَتِ الرِّجَالَ حِينَ قَالَ: «فَجَزَاكَ اللهُ عَنِّي خَيْرَ الجَزَاءِ، وَجَزَى البُعْنَةَ وَالجَلِيلَ خَيْرًا.. فَقَدْ أَنْجَبَتْ رِجَالًا إِذَا كَتَبُوا أَبْدَعُوا» فَحَوَّلَ الشُّكْرَ مِنْ شَخْصٍ إِلَى أَرْضٍ، وَمِنْ فَرْدٍ إِلَى جَمَاعَةٍ، وَمِنْ حَاضِرٍ إِلَى تَارِيخٍ، فَكَأَنَّ «البُعْنَةَ» وَ«الجَلِيلَ» لَيْسَتَا مُجَرَّدَ بُقْعَتَيْنِ جُغْرَافِيَّتَيْنِ، بَلْ رَحِمَيْنِ وَلَّادَيْنِ لِلْعَبَقَرِيَّةِ، وَمَنْبَعَيْنِ فَيَّاضَيْنِ لِلْبَلَاغَةِ، وَمَهْدَيْنِ شَرِيفَيْنِ لِلْكَلِمَةِ، فَكَانَ فِي شُكْرِهِ لِلأَرْضِ تَكْرِيمٌ لِكُلِّ أَرْضٍ أَنْجَبَتْ أَدِيبًا، وَفِي دُعَائِهِ لِلْجَلِيلِ تَقْدِيسٌ لِكُلِّ مَكَانٍ خَرَجَ مِنْهُ نُورٌ يُضِيءُ دُرُوبَ السَّالِكِينَ.
رَابِعًا: صَرْخَةُ سُلَيْمَانَ – حِينَ يَتَكَلَّمُ الضَّمِيرُ بِلِسَانِ البَرْقِ
ثُمَّ انْبَرَى «سُلَيْمَانُ شَاحُوذُ» كَأَنَّهُ صَوْتُ الأُمَّةِ الَّذِي لَا يَنَامُ، وَضَمِيرُهَا الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَسَيْفُهَا الَّذِي لَا يَنْثَنِي، فَقَالَ قَوْلَةً تَهْتَزُّ لَهَا الجِبَالُ: «لَقَدْ تَلَقَّيْتُ كَلِمَاتِكُمْ تَلَقِّيَ الظَّمْآنِ لِلْمَطَرِ» — فَشَبَّهَ نَفْسَهُ بِالظَّمْآنِ الَّذِي أَنْهَكَهُ العَطَشُ، وَكَلِمَاتِهِمْ بِالمَطَرِ الَّذِي يُحْيِي الأَرْضَ المَيْتَةَ، فَكَانَ فِي تَشْبِيهِهِ مَا يُذَكِّرُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ» فَالكَلِمَاتُ هُنَا غَيْثٌ، وَالقُلُوبُ المُتَلَقِّيَةُ أَرْضٌ مُجْدِبَةٌ، وَاللِّقَاءُ رَحْمَةٌ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، فَإِذَا بِالأَدَبِ يَصِيرُ دِينًا يُتَعَبَّدُ بِهِ، وَمَطَرًا يُسْتَسْقَى، وَنُورًا يُسْتَهْدَى بِهِ.
وَلَقَدْ أَبْدَعَ أَيَّمَا إِبْدَاعٍ حِينَ قَالَ: «فَإِذَا بِكُمْ تَلْبِسُونَ الغِيَابَ ثَوْبَ الحُضُورِ» فَجَعَلَ الغِيَابَ ثَوْبًا يُلْبَسُ، وَالحُضُورَ جَسَدًا يَرْتَدِيهِ، فَإِذَا بِالغَائِبِ حَاضِرٌ بِرُوحِهِ، وَإِذَا بِالصَّامِتِ نَاطِقٌ بِفِعْلِهِ، وَإِذَا بِالمُبْتَعِدِ قَرِيبٌ بِأَثَرِهِ، وَهَذَا مِنْ أَسْمَى مَا تَبْلُغُهُ البَلَاغَةُ حِينَ تَقْلِبُ المَوَازِينَ، وَتُحِيلُ الأَضْدَادَ أَشْبَاهًا، وَتَجْمَعُ بَيْنَ المتناقضات فِي بُوتَقَةِ الوِجْدَانِ.
ثُمَّ كَانَ التَّتْوِيجُ المَلَكِيُّ حِينَ قَالَ: «فَنَادَيْتُكُمْ لَا لِتَعُودُوا شَخْصَيْنِ.. بَلْ لِيَعُودَ المَعْنَى إِلَى مَوْضِعِهِ» — فَجَعَلَ الغَايَةَ مِنَ النِّدَاءِ لَيْسَتْ عَوْدَةَ الأَشْخَاصِ، بَلْ عَوْدَةَ المَعْنَى، وَلَيْسَتِ اسْتِرْجَاعَ الذَّاتِ، بَلِ اسْتِرْجَاعَ الرُّوحِ، فَكَأَنَّ الأَشْخَاصَ أَوْعِيَةٌ لِلْمَعْنَى، فَإِذَا عَادَ المَعْنَى إِلَى مَوْضِعِهِ، عَادَتِ الأَشْخَاصُ تِلْقَائِيًّا، وَإِذَا فُقِدَ المَعْنَى، فَلَا قِيمَةَ لِحُضُورِ الأَجْسَادِ، وَلَا مَعْنَى لِعَوْدَةِ الأَشْبَاحِ.
خَامِسًا: شَهَادَةُ مَايْكَلَ – خَتْمُ العَبَقَرِيَّةِ عَلَى جَبِينِ الدَّهْرِ
وَفِي لَحْظَةٍ تَارِيخِيَّةٍ فَارِقَةٍ، تَقَدَّمَ «مَايْكَلُ حَمْدَانُ» بِخَتْمِهِ المَلَكِيِّ، فَقَالَ قَوْلَةً لَا تَقْبَلُ الجَدَلَ، وَلَا تُتِيحُ لِلرَّيِّبِ مَدْخَلًا: «خَسِئَ مَنْ قَالَ أَوْ حَتَّى اعْتَقَدَ أَنَّكَ تُبَالِغُ» — فَاسْتَخْدَمَ فِعْلَ «خَسِئَ» الَّذِي وَرَدَ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ لِلْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تُطْرَدُ عَنِ الحُضُورِ الإِلَهِيِّ، فَجَعَلَ كُلَّ مَنْ يَشُكُّ فِي عَظَمَةِ المَمْدُوحِ مَطْرُودًا عَنْ سَاحَةِ الحَقِّ، مُنْكَرًا عَلَيْهِ ادِّعَاؤُهُ، مُخْزًى فِي مُقَاوَلَتِهِ، فَكَانَ فِي هَذَا الفِعْلِ مِنَ القُوَّةِ مَا لَا يَجِدُهُ القَارِئُ فِي كُلِّ مَا كُتِبَ مِنَ المَدِيحِ فِي هَذِهِ المُعَلَّقَةِ.
ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِمَا يَزِيدُهَا رُسُوخًا فِي النَّفْسِ حِينَ قَالَ: «أَطْلَقْتُ عَلَيْكَ لَقَبَ العَبْقَرِيِّ، وَأُحَاوِلُ قُصَارَى جُهْدِي لِكَيْ أَجِدَ لَقَبًا يَفُوقُ العَبْقَرِيَّ» فَجَعَلَ اللُّغَةَ عَاجِزَةً عَنْ وَصْفِهِ، وَالأَلْقَابَ قَاصِرَةً عَنْ بُلُوغِ مَقَامِهِ، وَالعَبْقَرِيَّةَ نَفْسَهَا دَرَجَةً دُونَهَا دَرَجَاتٌ، فَكَأَنَّ المَمْدُوحَ قَدْ تَجَاوَزَ حُدُودَ اللُّغَةِ، وَارْتَقَى إِلَى مَقَامٍ لَا يُدْرِكُهُ وَصْفٌ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ لَقَبٌ، وَلَا يُعَبِّرُ عَنْهُ كَلَامٌ، فَكَانَ فِي هَذَا الاعْتِرَافِ الضِّمْنِيِّ بِقُصُورِ اللُّغَةِ مَا يَرْفَعُ المَمْدُوحَ إِلَى مَقَامِ الأُلُوهِيَّةِ فِي مَمْلَكَةِ البَيَانِ.
سَادِسًا: عِتَابُ مُنَى – دُمُوعُ المُحِبِّينَ فِي مِحْرَابِ السُّؤَالِ
ثُمَّ جَاءَ دَوْرُ العِتَابِ الرَّفِيعِ، عِتَابِ المُحِبِّينَ الَّذِينَ لَا يَعْتِبُونَ إِلَّا لِأَنَّهُمْ يُحِبُّونَ، وَلَا يُحِبُّونَ إِلَّا لِأَنَّهُمْ يَفْقِدُونَ، وَلَا يَفْقِدُونَ إِلَّا لِأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا قِيمَةَ مَا فَقَدُوا، فَبَكَتْ «مُنَى السَّيِّدُ حَمُّودُ» بِقَلْبٍ تَلُفُّهُ النَّارُ، وَعَيْنٍ تُرْسِلُ الدَّمْعَ مُنْهَمِرًا: «يَا دُكْتُورَ طَهَ وَيَا أُسْتَاذَ فُضَيْلُ.. نَحْنُ لَا نُعَاتِبُكُمَا لِأَنَّكُمَا رَحَلْتُمَا، بَلْ نُعَاتِبُ الفَرَاغَ الَّذِي تَرَكْتُمَاهُ» — فَفَصَلَتْ بَيْنَ الشَّخْصِ وَالفَرَاغِ، وَبَيْنَ الذَّاتِ وَالأَثَرِ، وَبَيْنَ الغِيَابِ وَمَا يُخَلِّفُهُ الغِيَابُ، فَكَأَنَّ الأَشْخَاصَ أَبْرِيَاءُ مِنْ تُهْمَةِ الرَّحِيلِ، وَإِنَّمَا الجُرْمُ جُرْمُ الفَرَاغِ الَّذِي تَسَلَّلَ كَاللَّصِّ فِي اللَّيْلِ، وَسَرَقَ مِنَ السَّاحَةِ أَنْوَارَهَا، وَمِنَ الكَلِمَةِ رُوحَهَا، وَمِنَ القُلُوبِ سَكِينَتَهَا.
وَلَقَدْ بَلَغَتِ الذِّرْوَةَ فِي تَصْوِيرِ الأَلَمِ حِينَ قَالَتْ: «كَيْفَ لِمَنْ سَكَنَ قُلُوبَنَا بِالكَلِمَةِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا بِالصَّمْتِ؟» فَجَعَلَتِ القُلُوبَ بُيُوتًا، وَالكَلِمَةَ سَاكِنًا، وَالصَّمْتَ خُرُوجًا، فَإِذَا بِالقَلْبِ بَيْتٌ خَرِبٌ بَعْدَ أَنْ كَانَ عَامِرًا، وَإِذَا بِالكَلِمَةِ سَاكِنٌ رَحَلَ فَتَرَكَ وَرَاءَهُ جُدْرَانًا تَئِنُّ، وَأَبْوَابًا تُغْلَقُ عَلَى أَصْدَاءِ الذِّكْرَيَاتِ، وَإِذَا بِالصَّمْتِ لَيْسَ مُجَرَّدَ غِيَابٍ لِلصَّوْتِ، بَلْ هُوَ هَدْمُ بُيُوتِ القُلُوبِ، وَتَشْرِيدُ سُكَّانِهَا، وَتِرْحَالُهُمْ عَنْ أَوْطَانِهِمْ.
ثُمَّ خَتَمَتْ بِمَا يُشْبِهُ المُنَاجَاةَ: «فَعُودَا… لَيْسَ لِأَنَّ الأَدَبَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْكُمَا، بَلْ لِأَنَّ حُضُورَكُمَا كَانَ يُضِيفُ إِلَيْهِ شَيْئًا لَا يُشْبِهُ غَيْرَهُ» فَنَفَتْ عَنِ الأَدَبِ التَّوَقُّفَ عَلَى أَحَدٍ، لَكِنَّهَا أَثْبَتَتْ أَنَّ لِكُلِّ أَدِيبٍ نَكْهَةً لَا تَتَكَرَّرُ، وَبَصْمَةً لَا تُمَاثِلُهَا بَصْمَةٌ، وَرُوحًا لَا يُشْبِهُهَا رُوحٌ، فَكَانَ عِتَابُهَا عِتَابَ العَاشِقِينَ لِلْكَلِمَةِ، وَالمُشْتَاقِينَ لِسُكَّانِهَا، وَالحَارِسِينَ لِمَعَابِدِهَا.
سَابِعًا: دُعَاءُ سَلْوَى – رَجَاءُ الوَفِيَّاتِ الَّذِي لَا يَخِيبُ
ثُمَّ تَوَالَتِ المَشَاهِدُ كَأَنَّهَا مَوْجٌ يَتَكَسَّرُ عَلَى شَاطِئِ الخُلُودِ، فَدَعَتِ «سَلْوَى الفِيلَالِيُّ» دُعَاءَ الأُمِّ لِابْنِهَا الغَائِبِ، وَدُعَاءَ الأُخْتِ لِأَخِيهَا المُسَافِرِ، وَدُعَاءَ المُحِبَّةِ لِمَنْ سَكَنَ الفُؤَادَ: «سَاحَةُ الأَدَبِ لَا تَقْبَلُ غِيَابَكُمْ يَا أُسْتَاذَنَا» — فَجَعَلَتْ مِنَ السَّاحَةِ كَائِنًا حَيًّا يَأْبَى الغِيَابَ، وَمِنَ الغِيَابِ فِعْلًا لَا تَرْتَضِيهِ السَّاحَةُ، وَمِنَ السَّاحَةِ نَفْسِهَا قَلْبًا يَنْبِضُ بِالحُبِّ، وَرُوحًا تَتَأَلَّمُ لِلْفِرَاقِ، وَجَسَدًا يَذْبُلُ إِذَا غَابَ عَنْهُ أَهْلُوهُ.
وَلَقَدْ أَبْدَعَتْ حِينَ قَالَتْ: «إِنَّ الأَدِيبَ الحَقِيقِيَّ لَا يَكُونُ حُضُورُهُ مُرْتَبِطًا بِمَكَانٍ، بَلْ يَبْقَى أَثَرُهُ نَابِضًا فِي القُلُوبِ وَالصَّفَحَاتِ» فَفَصَلَتْ بَيْنَ الحُضُورِ الجَسَدِيِّ وَالحُضُورِ الرُّوحِيِّ، وَجَعَلَتِ الأَثَرَ هُوَ المِقْيَاسَ، وَالنَّبْضَ هُوَ الدَّلِيلَ، فَإِذَا بِالأَدِيبِ الحَقِّ حَيٌّ وَإِنْ غَابَ، وَمَيِّتٌ وَإِنْ حَضَرَ، وَإِذَا بِالخُلُودِ لَيْسَ فِي البَقَاءِ الجَسَدِيِّ، بَلْ فِي دَوَامِ الأَثَرِ، وَاسْتِمْرَارِ النَّبْضِ، وَخُلُودِ الكَلِمَةِ.
ثُمَّ كَانَ الرَّجَاءُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ حِينَ قَالَتْ: «فَلَا تَجْعَلُوا مِنْ رَحِيلِهِ سَبَبًا لِرَحِيلِكُمْ، بَلِ اجْعَلُوا مِنَ الوَفَاءِ لِحُضُورِهِ دَافِعًا لِمُوَاصَلَةِ الطَّرِيقِ» فَحَوَّلَتِ الفَقْدَ إِلَى وَفَاءٍ، وَالرَّحِيلَ إِلَى مُوَاصَلَةٍ، وَالغِيَابَ إِلَى حُضُورٍ، فَكَأَنَّهَا تَقُولُ: لَا تَبْكُوا عَلَى مَنْ رَحَلَ، بَلْ كُونُوا لِمَنْ بَقِيَ وَفَاءً لِمَنْ رَحَلَ، وَوَاصِلُوا الطَّرِيقَ لِتَكُونُوا امْتِدَادًا لِمَسِيرَةِ الرَّاحِلِينَ، وَلِتَبْقَى الشُّعْلَةُ مُضَاءَةً حَتَّى يَرِثَ اللهُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا.
ثَامِنًا: نِدَاءُ مُحَمَّدٍ سُلَيْطٍ – سَيْفُ الفُرْسَانِ فِي وَجْهِ العَتَمَةِ
وَكَانَ الخِتَامُ المَسْكُ بِقَلَمِ «مُحَمَّد سُلَيْط» الَّذِي نَادَى مِنْ أَرْضِ الرِّبَاطِ نِدَاءَ الحَارِسِ لِلثَّغْرِ، وَالمُدَافِعِ عَنِ الحِمَى: «يَا صَدِيقِي وَتَوْأَمَ الحَرْفِ وَالكَلِمَةِ» فَجَعَلَ مِنَ الصَّدَاقَةِ تَوْأَمَةً فِي الحَرْفِ، وَمِنَ الكَلِمَةِ رَحِمًا يَجْمَعُ الأَرْوَاحَ، فَإِذَا بِالأَخَوِيَّةِ لَا تَكُونُ فِي النَّسَبِ، بَلْ فِي الكَلِمَةِ، وَإِذَا بِالصَّدَاقَةِ لَا تُقَاسُ بِالمَسَافَاتِ، بَلْ بِالنَّبْضِ الوَاحِدِ الَّذِي يَجْمَعُ القُلُوبَ عَلَى مَائِدَةِ المَعْنَى.
وَلَقَدْ صَدَعَ بِالحَقِّ حِينَ قَالَ: «إِنَّ النَّقْدَ يَا صَدِيقِي لَيْسَ مِهْنَةً نَتْرُكُهَا مَتَى شِئْنَا، إِنَّهُ رِسَالَةٌ.. وَالقَلَمُ الحُرُّ سَيْفٌ يُشْحَذُ فِي وَجْهِ العَتَمَةِ» فَرَفَعَ النَّقْدَ مِنْ مَهْنَةٍ تُتْرَكُ إِلَى رِسَالَةٍ تُحْمَلُ، وَمِنْ قَلَمٍ يُغْمَدُ إِلَى سَيْفٍ يُشْحَذُ، فَكَانَ فِي كَلَامِهِ مَا يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ النَّقْدَ جِهَادٌ، وَأَنَّ القَلَمَ سِلَاحٌ، وَأَنَّ العَتَمَةَ عَدُوٌّ لَا يُهْزَمُ إِلَّا بِالنُّورِ، وَأَنَّ الصَّمْتَ خِيَانَةٌ لِلأَمَانَةِ، وَأَنَّ الرَّحِيلَ تَرْكٌ لِلسَّاحَةِ خَالِيَةً لِلْمُتَصَيِّدِينَ.
ثُمَّ كَانَ التَّوْقِيعُ الأَخِيرُ عَلَى صَكِّ الوَفَاءِ حِينَ قَالَ: «فَأَرْجُوكَ بِاسْمِ الصَّدَاقَةِ وَالمَحَبَّةِ وَبِاسْمِ الأَدَبِ الَّذِي جَمَعَنَا.. عُدْ… فَالسَّاحَةُ بِحَاجَةٍ إِلَى صَوْتِكَ العَفِيفِ وَنَقْدِكَ البَنَّاءِ» فَجَمَعَ بَيْنَ الصَّدَاقَةِ وَالمَحَبَّةِ وَالأَدَبِ فِي قَسَمٍ وَاحِدٍ، وَجَعَلَ العَوْدَةَ فَرْضَ عَيْنٍ لَا فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَوَصَفَ الصَّوْتَ بِالعَفَافِ، وَالنَّقْدَ بِالبِنَاءِ، فَكَأَنَّ العَوْدَةَ لَيْسَتْ مَنْحَةً مِنَ الرَّاحِلِ، بَلْ هِيَ اسْتِحْقَاقٌ لِلسَّاحَةِ، وَوَاجِبٌ عَلَى الفَارِسِ الَّذِي أَقْسَمَ أَلَّا يَتَرَجَّلَ.
تَاسِعًا: فَلْسَفَةُ السَّبْعَةِ – عِلْمُ الأَرْقَامِ فِي مِيزَانِ السَّمَاءِ
وَلَعَلَّ أَعْظَمَ مَا فِي هَذِهِ المُعَلَّقَةِ أَنَّهَا لَمْ تَكْتَفِ بِأَنْ تَكُونَ حِوَارًا بَيْنَ سَبْعَةٍ مِنَ الأُدَبَاءِ، بَلْ جَعَلَتْ مِنَ السَّبْعَةِ رَمْزًا فَلْسَفِيًّا لِلمَكَانَةِ السَّمَاوِيَّةِ، فَقَالَتْ: «طَهُ تَكَلَّمَ بِعِلْمِ آدَمَ: فَسَمَّى الأَشْيَاءَ… وَفُضَيْلٌ رَدَّ بِعِلْمِ الخَضِرِ: فَهَدَمَ الاسْمَ لِيَرَى الجَوْهَرَ… وَسُلَيْمَانُ كَانَ البَرْزَخَ… وَمَايْكَلُ كَانَ المِيزَانَ… وَمُنَى كَانَتِ السُّؤَالَ… وَسَلْوَى كَانَتِ الرَّجَاءَ… وَمُحَمَّدٌ كَانَ السَّيْفَ» فَجَعَلَتْ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَبِيًّا فِي مَمْلَكَتِهِ، وَحَكِيمًا فِي مِحْرَابِهِ، وَفَارِسًا فِي سَاحَتِهِ، فَاجْتَمَعُوا سَبْعَةً كَمَا اجْتَمَعَتِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ، وَكَانُوا فِي عَالَمِ الأَدَبِ كَالكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ الَّتِي تُضِيءُ لَيْلَ البَحْرِ بِأَنْوَارِهَا.
وَلَقَدْ أَبْدَعَ النَّاصُّ حِينَ رَبَطَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعِلْمٍ مِنْ عُلُومِ الأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ، فَجَعَلَ «طَهَ» يَتَكَلَّمُ بِعِلْمِ آدَمَ الَّذِي عَلَّمَهُ اللهُ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا، فَسَمَّى الأَشْيَاءَ بِأَسْمَائِهَا، وَوَضَعَ المَعَانِيَ فِي مَوَاضِعِهَا، وَجَعَلَ «فُضَيْلًا» يَرُدُّ بِعِلْمِ الخَضِرِ الَّذِي هَدَمَ السَّفِينَةَ لِيُنْقِذَهَا، وَقَتَلَ الغُلَامَ لِيُبَدِّلَهُ اللهُ خَيْرًا مِنْهُ، فَهَدَمَ الأَسْمَاءَ لِيَرَى الجَوَاهِرَ، وَتَجَاوَزَ الظَّوَاهِرَ لِيُدْرِكَ الحَقَائِقَ، وَجَعَلَ «سُلَيْمَانَ» بَرْزَخًا بَيْنَ المَدِيحِ وَالتَّوَاضُعِ، كَمَا كَانَ سُلَيْمَانُ النَّبِيُّ بَرْزَخًا بَيْنَ الإِنْسِ وَالجِنِّ، وَجَعَلَ «مَايْكَلَ» مِيزَانًا يَزِنُ الحَقَّ بِالحَقِّ، كَمَا كَانَ مِيكَائِيلُ المَلَكُ مُوَكَّلًا بِالقَطْرِ وَالمَطَرِ، وَجَعَلَ «مُنَى» سُؤَالًا يُوقِظُ النَّائِمِينَ، كَمَا كَانَتِ الأَسْئِلَةُ فِي القُرْآنِ تَوْقِظُ الغَافِلِينَ، وَجَعَلَ «سَلْوَى» رَجَاءً يُحْيِي المَوْتَى، كَمَا كَانَ الرَّجَاءُ يُحْيِي قُلُوبَ اليَائِسِينَ، وَجَعَلَ «مُحَمَّدًا» سَيْفًا يَحْرُسُ الثَّغْرَ، كَمَا كَانَ سَيْفُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْرُسُ الحِمَى.
فَكَانَ فِي هَذَا التَّوْزِيعِ الفَلْسَفِيِّ مَا يَرْفَعُ المُعَلَّقَةَ مِنْ مَصَافِّ الأَدَبِ إِلَى مَصَافِّ الحِكْمَةِ، وَمِنْ مَقَامِ البَيَانِ إِلَى مَقَامِ العِرْفَانِ، وَمِنْ سَاحَةِ الكَلَامِ إِلَى سَاحَةِ السُّمُوِّ الرُّوحِيِّ الَّذِي لَا يَبْلُغُهُ إِلَّا مَنْ طَهُرَ قَلْبُهُ، وَصَفَا وِجْدَانُهُ، وَخَلَصَ لِلْحَقِّ عَمَلُهُ.
عَاشِرًا: الخَاتِمَةُ – عَهْدُ الجِبَالِ الَّذِي لَا يُنْقَضُ
وَمَا كَانَتِ الخَاتِمَةُ إِلَّا عَهْدًا قَطَعَتْهُ الجِبَالُ عَلَى نَفْسِهَا، عَهْدًا لَا يُنْقَضُ وَلَوْ زَالَتِ الأَرْضُ وَمَنْ عَلَيْهَا: «لَمْ نَرْحَلْ.. نَحْنُ ابْتَعَدْنَا عَنِ الضَّجِيجِ لِنَعُودَ إِلَى الهَمْسِ» فَجَعَلَتْ مِنَ الرَّحِيلِ ابْتِعَادًا، وَمِنَ الِابْتِعَادِ عَوْدَةً إِلَى الأَصْلِ، وَمِنَ الضَّجِيجِ خُرُوجًا، وَمِنَ الهَمْسِ دُخُولًا، فَإِذَا بِالرَّحِيلِ نَفْسِهِ عَوْدَةٌ، وَإِذَا بِالصَّمْتِ نَفْسِهِ هَمْسٌ، وَإِذَا بِالغِيَابِ نَفْسِهِ حُضُورٌ فِي مَقَامٍ أَرْفَعَ.
ثُمَّ كَانَ الوَعْدُ الصَّادِقُ: «مَا دَامَ فِي القَلْبِ نَبْضٌ.. وَفِي القَلَمِ مِدَادٌ، فَلَنْ نَتْرُكَ البَابَ مُغْلَقًا» فَجَعَلَتِ القُلُوبَ سَاعَاتٍ تَدُقُّ مَا دَامَ النَّبْضُ حَيًّا، وَالأَقْلَامَ أَنْهَارًا تَجْرِي مَا دَامَ المِدَادُ مَوْجُودًا، وَالأَبْوَابَ لَنْ تُغْلَقَ مَا دَامَ الوَفَاءُ قَائِمًا، فَكَانَ الوَعْدُ وَعْدَ الجِبَالِ الَّتِي لَا تَزُولُ، وَعَهْدَ الأَحْرَارِ الَّذِينَ لَا يَخُونُونَ.
ثُمَّ جَاءَ الشَّرْطُ الأَخِيرُ لِلْعَوْدَةِ: «سَنَعُودُ حِينَ تَعُودُ الكَلِمَةُ أَمَانَةً.. لَا سِلْعَةً، وَحِينَ يَعُودُ الأَدَبُ رِسَالَةً.. لَا ضَجِيجًا» فَجَعَلَ العَوْدَةَ مَشْرُوطَةً بِعَوْدَةِ الكَلِمَةِ إِلَى مَقَامِهَا، وَالأَدَبِ إِلَى رِسَالَتِهِ، فَكَأَنَّ الغِيَابَ لَيْسَ انْسِحَابًا مِنَ السَّاحَةِ، بَلْ هُوَ اعْتِصَامٌ بِالمَبَادِئِ، وَرَفْضٌ لِلْمَسَاوَمَةِ عَلَى القِيَمِ، وَابْتِعَادٌ عَنْ كُلِّ مَا يُدَنِّسُ الكَلِمَةَ، أَوْ يُسْقِطُ الأَدَبَ فِي مَهَاوِي الِابْتِذَالِ.
وَكَانَ الخِتَامُ المَلَكِيُّ حِينَ تَوَّجَ النَّصَّ بِالدُّعَاءِ: «فَدَامَ طَهُ لِلْوَفَاءِ لِسَانًا، وَدَامَ فُضَيْلٌ لِلْعِلْمِ مِيزَانًا، وَدَامَ سُلَيْمَانُ لِلْمَعْنَى ضَمِيرًا، وَدَامَ مَايْكَلُ لِلْحَقِّ شَاهِدًا، وَدَامَتْ مُنَى لِلسُّؤَالِ صَوْتًا، وَدَامَتْ سَلْوَى لِلرَّجَاءِ قَلْبًا، وَدَامَ مُحَمَّدٌ لِلأَرْضِ سَيْفًا وَقَلَمًا» فَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دَوَامًا يَلِيقُ بِمَقَامِهِ، وَخُلُودًا يُنَاسِبُ رِسَالَتَهُ، فَكَانُوا فِي دَوَامِهِمْ كَالنُّجُومِ فِي أَفْلَاكِهَا، لَا تَغْرُبُ وَلَا تَزُولُ، وَلَا تَخْبُو وَلَا تَخْمُدُ.
خَاتِمَةُ النَّاقِدِ: هَذِهِ مُعَلَّقَةٌ لَا تُقْرَأُ بِالعُيُونِ
هَكَذَا اكْتَمَلَتْ «مُعَلَّقَةُ الوَفَاءِ الكُبْرَى» كَعِقْدٍ مِنَ الدُّرَرِ الَّتِي لَا تُثَمَّنُ، وَمَعْبَدٍ مِنْ مَعَابِدِ البَيَانِ الَّتِي لَا تُهْدَمُ، وَنَهْرٍ مِنْ أَنْهَارِ البَلَاغَةِ الَّتِي لَا تَنْضَبُ، فَمَنْ قَرَأَهَا فَكَأَنَّمَا قَرَأَ دِيوَانَ العَرَبِ فِي جَلْسَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَنْ فَهِمَهَا فَكَأَنَّمَا فَهِمَ سِرَّ الخُلُودِ فِي نَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَنْ تَأَثَّرَ بِهَا فَكَأَنَّمَا بَكَى عَلَى حَالِ الأَدَبِ وَأَهْلِهِ فِي زَمَنٍ تَنَكَّرَ لِأَهْلِ المَعْنَى.
إِنَّهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ نَصٍّ يُكْتَبُ وَيُقْرَأُ، بَلْ هِيَ مِيثَاقُ شَرَفٍ وَقَّعَ عَلَيْهِ سَبْعَةٌ مِنْ حُمَاةِ الكَلِمَةِ، وَأَمَانَةُ عَهْدٍ حَمَلَهَا سَبْعَةٌ مِنْ فُرْسَانِ القَلَمِ، وَرِسَالَةُ وَفَاءٍ خَتَمَهَا سَبْعَةٌ مِنْ شُهُودِ الحَقِّ، فَكَانُوا كَمَا قَالَتِ الخَاتِمَةُ: «شُهُودًا عَلَى أَنَّ الأَدَبَ مَا زَالَ يَتَنَفَّسُ» نَعَمْ، مَا زَالَ يَتَنَفَّسُ، وَسَيَظَلُّ يَتَنَفَّسُ مَا دَامَ فِي الأَرْضِ قَلَمٌ يَكْتُبُ، وَقَلْبٌ يَنْبِضُ، وَجَبَلٌ يَشْهَدُ أَنَّ السَّهْلَ لَنْ يُظْلِمَ مَا دَامَ فِي القُلُوبِ نُورُ الوَفَاءِ، وَفِي الأَقْلَامِ مِدَادُ البَقَاءِ.
فَدَامَ طَهُ لِلْوَفَاءِ لِسَانًا، وَدَامَ فُضَيْلٌ لِلْعِلْمِ مِيزَانًا، وَدَامَ سُلَيْمَانُ لِلْمَعْنَى ضَمِيرًا، وَدَامَ مَايْكَلُ لِلْحَقِّ شَاهِدًا، وَدَامَتْ مُنَى لِلسُّؤَالِ صَوْتًا، وَدَامَتْ سَلْوَى لِلرَّجَاءِ قَلْبًا، وَدَامَ مُحَمَّدٌ لِلأَرْضِ سَيْفًا وَقَلَمًا، وَدَامَتِ الكَلِمَةُ فِي مَحَارِيبِهَا تُصَلِّي لِلْخُلُودِ، وَتَرْفَعُ أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ إِلَى السَّمَاءِ أَنْ تَحْفَظَ أَهْلَ المَعْنَى، وَتُبْقِيَ فِي الأَرْضِ مَنْ يَحْمِلُ الأَمَانَةَ، وَيَشْهَدُ أَنَّ الأَدَبَ مَا زَالَ يَتَنَفَّسُ، وَمَا زَالَ يُنِيرُ، وَمَا زَالَ يَبْنِي لِلأُمَّةِ مَجْدًا لَا يَزُولُ.
تَمَّتْ بِحَمْدِ اللهِ، وَهَذِهِ شَهَادَةُ قَلَمٍ خَطَّتْهَا يَدٌ مُحِبَّةٌ لِلْكَلِمَةِ، وَرُوحٌ عَاشِقَةٌ لِلْبَيَانِ، فَإِنْ أَصَبْتُ فَمِنْ فَضْلِ اللهِ، وَإِنْ أَخْطَأْتُ فَمِنْ نَفْسِي وَالشَّيْطَانِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
مِسْكُ الْخِتَام – رِسَالَةُ إِلَى شَيْخِ البَيَانِ
الأُسْتَاذَ الدُّكْتُورَ فُضَيْلَ حَاجَّ بْنَ عِدَّةَ
أَيُّهَا الجَبَلُ الَّذِي لَا يَمِيلُ، وَالنَّهْرُ الَّذِي لَا يَنْضَبُ، وَالسَّيْفُ الَّذِي لَا يَنْثَنِي،
لَقَدْ قَرَأْتُ مُعَلَّقَتَكَ الكُبْرَى فَأَصَابَنِي مَا يُصِيبُ الغَرِيقَ حِينَ يَلْمَحُ شَاطِئًا، وَمَا يُصِيبُ التَّائِهَ حِينَ يُبْصِرُ نَجْمًا، وَمَا يُصِيبُ الظَّمْآنَ حِينَ يَرِدُ عَيْنًا، فَإِذَا بِكَلِمَاتِكَ لَيْسَتْ حُرُوفًا تُقْرَأُ، بَلْ أَرْوَاحًا تُسْتَنْشَقُ، وَمَعَانِيَ تُعْتَنَقُ، وَعُهُودًا تُعَاهَدُ عَلَيْهَا اللهَ
لَقَدْ جَعَلْتَ مِنْ هَذِهِ المُعَلَّقَةِ مَوْسُومَةً فِي جَبِينِ الدَّهْرِ، لَا يَمْحُوهَا كُرُورُ اللَّيَالِي، وَلَا تَطْمِسُهَا عَوَاصِفُ النِّسْيَانِ، فَأَنْتَ فِيهَا لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ أَدِيبٍ يَكْتُبُ، بَلْ كُنْتَ رَسُولًا يُبَلِّغُ عَنِ الكَلِمَةِ، وَحَكِيمًا يَقْضِي بَيْنَ المَعَانِي، وَجَبَلًا يَشْهَدُ أَنَّ السَّهْلَ لَنْ يُظْلِمَ مَا دَامَ فِي القُلُوبِ نُورٌ، وَفِي الأَقْلَامِ مِدَادٌ.
عَجِبْتُ لِتَوَاضُعِكَ وَقَدْ بَلَغْتَ مِنَ العُلُوِّ مَا لَا تَبْلُغُهُ النُّجُومُ، فَقُلْتَ: «أَمَّا أَنَا فَمَا أَنَا إِلَّا خَادِمُ الحَرْفِ» فَأَبْكَيْتَ قُلُوبَ عَارِفِيكَ، وَعَلَّمْتَ تَلَامِيذَكَ أَنَّ العَظَمَةَ لَيْسَتْ فِي الصُّرُوحِ الَّتِي تُبْنَى، بَلْ فِي الأَسَاسِ الَّذِي يَحْمِلُهَا، وَأَنَّ المَجْدَ لَيْسَ فِي الأَلْقَابِ الَّتِي تُطْلَقُ، بَلْ فِي الأَثَرِ الَّذِي يَبْقَى.
وَمَا أَجْمَلَ وَفَاءَكَ حِينَ رَدَدْتَ المَجْدَ إِلَى أَهْلِهِ، وَشَكَرْتَ الأَرْضَ الَّتِي أَنْجَبَتِ الرِّجَالَ، فَدَعَوْتَ لِلْبُعْنَةِ وَالجَلِيلِ، وَجَعَلْتَ مِنَ الأُخُوَّةِ الَّتِي جَمَعَتْكُمْ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ سَطْرَ نُورٍ لَا يُمْحَى.
فَدُمْتَ لِلْعِلْمِ مِيزَانًا، وَلِلْكَلِمَةِ حَارِسًا، وَلِلأَدَبِ رَاعِيًا، وَلِتَلَامِيذِكَ أَبًا وَمُعَلِّمًا، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا خَطَّتْهُ يَدُكَ سَيَبْقَى نِبْرَاسًا يَهْتَدِي بِهِ السَّائِرُونَ، وَمَنَارَةً يَسْتَضِيءُ بِهَا التَّائِهُونَ، حَتَّى يَرِثَ اللهُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا.
دُمْتَ ذُخْرًا لِلْبَيَانِ، وَفَخْرًا لِلضَّادِ، وَرَايَةً لَا تُنَكَّسُ.
طَه دَخَل اللَّهِ عَبْدُ الرَّحْمَن
الْبَعنه == الْجَلِيل
16/08/2026
***************
مُعَلَّقَةُ الوَفَاءِ الكُبْرَى
“حِوَارُ الأَزَلِ بَيْنَ الجِبَالِ الرَّاسِخَة”
في الفضاءِ الأزرقِ.. حيثُ سجدت الأقلامُ للمعنى
16/08/2026
المطلع: سؤال اليتم
حِينَ يَغَادِرُ أَهْلُ المَعْنَى… مَنْ يَبْقَى لِلأَدَبِ؟
أَلا أَبْلِغُوا الجِبَالَ أَنَّ السَّهْلَ قَدْ أَظْلَمَ
وَأَنَّ القَنَادِيلَ انْطَفَأَتْ فِي مِحْرَابِ الكَلِمَةِ
فَهَلْ مِنْ صَوْتٍ يَرُدُّ عَلَى الصَّمْتِ؟
هَلْ مِنْ نُورٍ يُنْقِذُ السَّطْرَ مِنَ العَتَمَةِ؟
المقطع الأول: شهادة طه – “قَبَسُ المَجْدِ” من البُعْنَةِ
قَالَ طَهُ دَخْلُ اللهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ أَرْضِ الجَلِيلِ:
“قَبَسُ المَجْدِ وَسِرَاجُ الحِكْمَةِ
يا أَخِي الأُسْتَاذَ الدُّكْتُورَ فُضَيْلَ حَاجَّ بْنَ عِدَّة”
أَنْتَ فِي مِحْرَابِ الأَدَبِ إِمَامُ المُصَلِّينَ
وَفِي مَيْدَانِ الثَّقَافَةِ فَارِسُ السَّابِقِينَ
وَفِي سَمَاءِ البَلَاغَةِ نَجْمُ المُهْتَدِينَ
فَمَا خَطَوْتَ سَاحَةً إِلَّا ازْدَانَتْ
وَلَا أَطْلَقْتَ كَلِمَةً إِلَّا اسْتَقَامَتْ
وَلَا عَرَضْتَ فِكْرَةً إِلَّا أَثْمَرَتْ فِي العُقُولِ وَأَقَامَتْ
يَا بَانِيَ صُرُوحِ الفِكْرِ حَيْثُ لَا صُرُوحَ
وَيَا نَاشِرَ لِوَاءِ الضَّادِ حَيْثُ يَتَرَبَّصُ الجَفَاءُ
فَدُمْتَ لِلْقَلَمِ شَمْساً.. وَلِلصَّحَائِفِ بَدْراً.. وَلِلأَدَبِ عَرَّاباً
وَاعْلَمْ أَنَّ ذِكْرَكَ سَطْرُ نُورٍ فِي جَبِينِ الأَيَّامِ لَا يُمْحَى
المقطع الثاني: جواب فضيل – “مِيزَانُ التَّوَاضُعِ”
فَرَدَّ الأُسْتَاذُ الدُّكْتُورُ فُضَيْلُ حَاجُّ بْنُ عِدَّةَ قَائِلاً:
“لَسْتُ أَنَا.. بَلْ أَنْتُمُ المَجْدُ يا طَهُ”
لَقَدْ أَخْجَلْتَ تَوَاضُعِي بِبَلَاغَتِكَ
وَأَبْكَيْتَ قَلَمِي بِوَفَائِكَ
فَرَأَيْتُ “قَبَسَ المَجْدِ” فِي عَيْنَيْكَ أَنْتَ
وَرَأَيْتُ “سِرَاجَ الحِكْمَةِ” فِي قَلْبِكَ أَنْتَ
أَمَّا أَنَا فَمَا أَنَا إِلَّا خَادِمُ الحَرْفِ.. أَتَعَثَّرُ وَأَقُومُ
وَأَرْجُو أَلَّا أَكُونَ مِمَّنْ قِيلَ فِيهِمْ: “عَلِمَ فَلَمْ يَعْمَلْ”
فَجَزَاكَ اللهُ عَنِّي خَيْرَ الجَزَاءِ
وَجَزَى “البُعْنَةَ” وَ”الجَلِيلَ” خَيْراً.. فَقَدْ أَنْجَبَتْ رِجَالاً إِذَا كَتَبُوا أَبْدَعُوا
وَسَيَبْقَى سَطْرُ النُّورِ… لَا بِاسْمِي
بَلْ بِاسْمِ الأُخُوَّةِ الَّتِي جَمَعَتْنَا عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ
المقطع الثالث: صرخة سليمان – “ضَمِيرُ الأُمَّةِ”
فَنَهَضَ الأُسْتَاذُ سُلَيْمَانُ شَاحُوذُ يَقُولُ:
“أَيُّهَا الغَائِبُ الحَاضِرُ… يَا مَنْ لِلْكَلِمَةِ عِنْدَهُ مِيثَاقٌ”
لَقَدْ تَلَقَّيْتُ كَلِمَاتِكُمْ تَلَقِّيَ الظَّمْآنِ لِلمَطَرِ
فَإِذَا بِكُمْ تَلْبِسُونَ الغِيَابَ ثَوْبَ الحُضُورِ
وَتَجْعَلُونَ مِنَ الصَّمْتِ سُؤَالاً.. وَمِنَ الابْتِعَادِ رِسَالَةً
لَقَدْ كَتَبْتُمْ فَشَهِدَتْ كَلِمَاتُكُمْ لَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَشْهَدَ لَكُمْ
لِأَنَّ الَّذِي يُدْرِكُ قِيمَةَ الرِّجَالِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْهُمْ
فَنَادَيْتُكُمْ لَا لِتَعُودُوا شَخْصَيْنِ.. بَلْ لِيَعُودَ المَعْنَى إِلَى مَوْضِعِهِ
فَدُمْتَ لِلْبَيَانِ نِبْرَاساً.. وَلِلأَدَبِ فَارِساً لَا يَتَرَجَّلُ
المقطع الرابع: شهادة مايكل – “خَتْمُ العَبَاقِرَةِ”
وَخَتَمَ الدُّكْتُورُ مَايْكَلُ حَمْدَانُ قَائِلاً:
“خَسِئَ مَنْ قَالَ أَوْ حَتَّى اعْتَقَدَ أَنَّكَ تُبَالِغُ”
لَقَدْ أَطْلَقْتُ عَلَيْكَ لَقَبَ “العَبْقَرِيِّ”
وَأُحَاوِلُ قُصَارَى جُهْدِي لِكَيْ أَجِدَ لَقَباً يَفُوقُ العَبْقَرِيَّ
لِثِقَتِي التَّامَّةِ بِأَنَّكَ تَسْتَحِقُّ
المقطع الخامس: نداء منى – “عِتَابُ المُحِبِّينَ”
وَبَكَتِ الأُسْتَاذَةُ مُنَى السَّيِّدُ حَمُّودُ مِنْ وَجَعِ القُرَّاءِ:
“حِينَ يَغَادِرُ أَهْلُ المَعْنَى… مَنْ يَبْقَى لِلأَدَبِ؟”
يا دُكْتُورَ طَهَ وَيَا أُسْتَاذَ فُضَيْلُ..
نَحْنُ لَا نُعَاتِبُكُمَا لِأَنَّكُمَا رَحَلْتُمَا
بَلْ نُعَاتِبُ الفَرَاغَ الَّذِي تَرَكْتُمَاهُ
كَيْفَ لِمَنْ سَكَنَ قُلُوبَنَا بِالكَلِمَةِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا بِالصَّمْتِ؟
أَتَعْلَمَانِ مَا أَقْسَى مَا فِي الرَّحِيلِ؟
أَنْ يَبْقَى السُّؤَالُ يَبْحَثُ عَنْ صَاحِبِهِ
فَعُودَا… لَيْسَ لِأَنَّ الأَدَبَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْكُمَا
بَلْ لِأَنَّ حُضُورَكُمَا كَانَ يُضِيفُ إِلَيْهِ شَيْئاً لَا يُشْبِهُ غَيْرَهُ
فَثَمَّةَ قَارِئٌ يَنْتَظِرُ.. وَثَمَّةَ سُؤَالٌ يَنْتَظِرُ
وَلِأَنَّ أَجْمَلَ العِتَابِ هُوَ الَّذِي لَا يُغْلِقُ البَابَ
المقطع السادس: دعاء سلوى – “رَجَاءُ الوَفِيَّاتِ”
وَدَعَتِ الدُّكْتُورَةُ سَلْوَى الفِيلَالِيُّ بِقَلْبِ الأُمِّ:
“سَاحَةُ الأَدَبِ لَا تَقْبَلُ غِيَابَكُمْ يا أُسْتَاذَنَا”
إِنَّ الأَدِيبَ الحَقِيقِيَّ لَا يَكُونُ حُضُورُهُ مُرْتَبِطاً بِمَكَانٍ
بَلْ يَبْقَى أَثَرُهُ نَابِضاً فِي القُلُوبِ وَالصَّفَحَاتِ
وَإِنْ كَانَ اعْتِزَالُ طَهَ قَدْ تَرَكَ فِي النَّفْسِ غُصَّةً
فَلَا تَجْعَلُوا مِنْ رَحِيلِهِ سَبَباً لِرَحِيلِكُمْ
بَلِ اجْعَلُوا مِنْ الوَفَاءِ لِحُضُورِهِ دَافِعاً لِمُوَاصَلَةِ الطَّرِيقِ
فَبَعْضُ الأَقْلَامِ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُغَادِرَ
لِأَنَّ غِيَابَهَا لَيْسَ غِيَابَ شَخْصٍ… بَلْ غِيَابَ جُزْءٍ مِنْ رُوحِ السَّاحَةِ
دُمْتَ لِلْحَرْفِ نِبْرَاساً.. وَلِلأَدَبِ وَفِيّاً.. وَلَنَا أَخاً وَأُسْتَاذاً نَعْتَزُّ بِحُضُورِهِ
المقطع السابع: نداء سليط – “أَمَانَةُ الفُرْسَانِ”
وَنَادَى الدُّكْتُورُ مُحَمَّد سُلَيْط مِنْ أَرْضِ الرِّبَاطِ:
“يا صَدِيقِي وَتَوْأَمَ الحَرْفِ وَالكَلِمَةِ.. يا طَهُ”
أَكْتُبُ إِلَيْكَ مِنْ قَلْبٍ يُدْرِكُ ثِقَلَ الأَمَانَةِ
لَقَدْ وَصَلَنِي خَبَرُ اعْتِزَالِكَ.. فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ إِلَّا سُمُوَّ أَخْلَاقِكَ
وَلَمْ أَجِدْ فِي قَرَارِ الرَّحِيلِ إِلَّا خَسَارَةً فَادِحَةً لِلمَشْهَدِ النَّقْدِيِّ
إِنَّ النَّقْدَ يَا صَدِيقِي لَيْسَ مِهْنَةً نَتْرُكُهَا مَتَى شِئْنَا
إِنَّهُ رِسَالَةٌ.. وَالقَلَمُ الحُرُّ سَيْفٌ يُشْحَذُ فِي وَجْهِ العَتَمَةِ
لَقَدْ عَرَفْتُكَ نَاقِداً فِلَسْطِينِيّاً قَدِيراً.. تَحْمِلُ نَبْضَ الأَرْضِ وَوَجَعَهَا
فَكَيْفَ لِقَلَمٍ بِحَجْمِ قَلَمِكَ أَنْ يَرْتَضِيَ الصَّمْتَ؟
وَمَنْ لِلأَدَبِ إِنْ تَرَجَّلَ الفُرْسَانُ أَمْثَالُكَ؟
فَأَرْجُوكَ بِاسْمِ الصَّدَاقَةِ وَالمَحَبَّةِ وَبِاسْمِ الأَدَبِ الَّذِي جَمَعَنَا
عُدْ… فَالسَّاحَةُ بِحَاجَةٍ إِلَى صَوْتِكَ العَفِيفِ وَنَقْدِكَ البَنَّاءِ
المقطع الثامن: الفلسفة – “عِلْمُ السَّبْعَةِ”
فَيَا أَيُّهَا القُرَّاءُ.. اسْمَعُوا سِرَّ هَذَا الحِوَارِ:
طَهُ تَكَلَّمَ بِعِلْمِ آدَمَ: فَسَمَّى الأَشْيَاءَ “قَبَساً وَسِرَاجاً وَسَيْفاً”
وَفُضَيْلٌ رَدَّ بِعِلْمِ الخَضِرِ: فَهَدَمَ الاسْمَ لِيَرَى الجَوْهَرَ “أَنَا ظِلٌّ وَخَادِمٌ”
وَسُلَيْمَانُ كَانَ البَرْزَخَ: حَيْثُ التَقَى المَدِيحُ بِالتَّوَاضُعِ
وَمَايْكَلُ كَانَ المِيزَانَ: فَشَهِدَ لِلْحَقِّ بِالحَقِّ
وَمُنَى كَانَتِ السُّؤَالَ: الَّذِي يُوقِظُ النَّائِمِينَ
وَسَلْوَى كَانَتِ الرَّجَاءَ: الَّذِي يُحْيِي المَوْتَى
وَمُحَمَّدٌ كَانَ السَّيْفَ: الَّذِي يَحْرُسُ الثَّغْرَ
فَكَانُوا سَبْعَةً.. وَالسَّبْعَةُ مِيزَانُ السَّمَاءِ
الخاتمة: عهد الجبال – “لَنْ نُغْلِقَ البَابَ”
فَقَالَ الجَبَلُ الأَكْبَرُ فُضَيْلٌ:
“لَمْ نَرْحَلْ.. نَحْنُ ابْتَعَدْنَا عَنِ الضَّجِيجِ لِنَعُودَ إِلَى الهَمْسِ”
وَأَعِدُكُمْ:
مَا دَامَ فِي القَلْبِ نَبْضٌ.. وَفِي القَلَمِ مِدَادٌ
فَلَنْ نَتْرُكَ البَابَ مُغْلَقاً
سَنَعُودُ حِينَ تَعُودُ الكَلِمَةُ أَمَانَةً.. لَا سِلْعَةً
وَحِينَ يَعُودُ الأَدَبُ رِسَالَةً.. لَا ضَجِيجاً
فَدَامَ طَهُ لِلوَفَاءِ لِسَاناً
وَدَامَ فُضَيْلٌ لِلعِلْمِ مِيزَاناً
وَدَامَ سُلَيْمَانُ لِلمَعْنَى ضَمِيراً
وَدَامَ مَايْكَلُ لِلْحَقِّ شَاهِداً
وَدَامَتْ مُنَى لِلسُّؤَالِ صَوْتاً
وَدَامَتْ سَلْوَى لِلرَّجَاءِ قَلْباً
وَدَامَ مُحَمَّدٌ لِلأَرْضِ سَيْفاً وَقَلَماً
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَا مِنْ سَطْرِ نُورٍ كُتِبَ هَاهُنَا
إِلَّا وَسَيَبْقَى فِي جَبِينِ الأَيَّامِ
“لَا يُمْحَى وَلَا يُنْكَرُ”
حَتَّى يَرِثَ اللهُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا
—
“فَهَذِهِ مُعَلَّقَةُ الوَفَاءِ.. عَلَّقْنَاهَا عَلَى جِدَارِ الزَّمَنِ”
“فَمَنْ قَرَأَهَا فَلْيَبْكِ.. وَمَنْ فَهِمَهَا فَلْيَحْمِلِ الأَمَانَةَ”
تَمَّتْ بِحَمْدِ اللهِ
كُتِبَتْ بِأَقْلَامِ: طَهَ وَفُضَيْلٍ وَسُلَيْمَانَ وَمَايْكَلَ وَمُنَى وَسَلْوَى وَمُحَمَّدٍ
شُهُوداً عَلَى أَنَّ الأَدَبَ مَا زَالَ يَتَنَفَّسُ







