
أوغاريت في عصرها الذهبي : رحلة إلى زمن الاستقرار والبحر والتجارة|
كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي سوري
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
حين نستحضر صورة مملكة أوغاريت وهي في أوج ازدهارها خلال القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد لا نستحضر مجرد مدينة كانت مزدهرة على الساحل السوري بل نستعيد مشهداً حضارياً فريداً استطاع أن يحقق معادلة نادرة في عالم الشرق القديم معادلة القوة دون توسع عسكري والثراء دون حروب والنفوذ عبر التجارة والدبلوماسية بدلاً من السيف والرمح.
كانت أوغاريت الواقعة اليوم على تل رأس الشمرة تنعم بموقع جغرافي استثنائي جعلها همزة وصل بين حضارات العالم القديم. فمن جهة الشرق كانت طرقها التجارية تمتد نحو بلاد الرافدين ومن الجنوب ترتبط بمصر الفرعونية ومن الشمال بعالم الأناضول والحثيين أما غرباً فكانت مياه البحر المتوسط تحمل سفنها إلى قبرص وكريت وجزر بحر إيجه. هذا الموقع الفريد منحها مكانة استراتيجية جعلت منها مركزاً اقتصادياً ودبلوماسياً بالغ الأهمية.
ولعل أكثر ما يثير الإعجاب في تاريخ أوغاريت هو قدرتها على الحفاظ على حالة من الاستقرار السياسي والاقتصادي امتدت قرابة أربعة قرون. ففي زمن كانت فيه الممالك الكبرى تتصارع على النفوذ والحدود .
لقد اختارت أوغاريت نهجاً مختلفاً يقوم على بناء شبكة واسعة من العلاقات والتحالفات المتوازنة مع القوى الإقليمية الكبرى. لقد أدرك ملوكها أن ازدهار التجارة يحتاج إلى الأمن وأن الموانئ المزدهرة لا تنمو في ظل الحروب المستمرة فكانت الدبلوماسية بالنسبة لهم أداة بقاء وازدهار في آن واحد.
وتكشف الألواح المسمارية المكتشفة في أرشيف القصر الملكي عن حجم النشاط الدبلوماسي الذي مارسته المملكة. فقد تبادل ملوك أوغاريت الرسائل والهدايا مع فراعنة مصر وملوك الحثيين وحكام قبرص ومدن الساحل السوري وكانت العلاقات السياسية تُدار بحكمة عالية تهدف إلى حماية المصالح التجارية وضمان تدفق البضائع عبر الموانئ والأسواق.
أما القلب النابض لهذه النهضة الاقتصادية فكان ميناء مينة البيضا الميناء الرئيسي للمملكة وأحد أهم مرافئ البحر المتوسط في العصر البرونزي المتأخر. فمن أرصفته كانت السفن تغادر محملة بمنتجات أوغاريت الشهيرة زيت الزيتون الفاخر والنبيذ المعتق والأقمشة المصبوغة بالأرجوان والعاج المشغول والحلي والمصنوعات المعدنية لتصل إلى موانئ قبرص وكريت وسواحل الأناضول ومصر.
وعندما أتأمل تلك المرحلة المضيئة من تاريخ أوغاريت كثيراً ما تأخذني المخيلة في رحلة عبر الزمن. أرى نفسي تاجراً أوغاريتياً يقف على رصيف مينة البيضا مع بزوغ الفجر بينما تكتسي مياه المتوسط بلون ذهبي هادئ. أمامي سفينة تجارية ضخمة أعدت للإبحار نحو جزيرة قبرص وقد امتلأ عنبرها بجرار النبيذ المختومة بأختام التجار وأوعية زيت الزيتون القادمة من بساتين الساحل الخصبة وصناديق العطور والأقمشة الثمينة.
تتعالى أصوات البحارة وهم يهيئون الحبال ويرفعون الأشرعة فيما يقف القبطان متأملاً الرياح القادمة من الغرب. ومع أول دفعة من النسيم البحري تنتفخ الأشرعة البيضاء، وتبدأ السفينة بالابتعاد تدريجياً عن الميناء. تتراجع أبراج المدينة خلفنا شيئاً فشيئاً بينما يظل جبل صفون شامخاً في الأفق كأنه الحارس الأبدي لسواحل أوغاريت.
في عرض البحر لا يُسمع سوى خرير المياه وهي تضرب جوانب السفينة وصياح النوارس التي ترافق القافلة البحرية. تتلألأ الشمس فوق الأمواج الزرقاء وتحمل الرياح إلينا مزيجاً من رائحة الملح والعطور والزيت. وفي الليل تتحول السماء إلى لوحة سماوية هائلة تزينها النجوم، التي كان البحارة الأوغاريتيون يستدلون بها على طرقهم البحرية تماماً كما فعل أسلافهم عبر أجيال طويلة.
كانت قبرص آنذاك الشريك التجاري الأبرز لأوغاريت ومصدراً رئيسياً للنحاس الذي احتاجته الصناعات البرونزية. لذلك لم تكن الرحلات بين الميناءين مجرد عمليات تبادل تجاري بل كانت جسوراً ثقافية وحضارية تربط شعوب المتوسط بعضها ببعض. فمع البضائع كانت تنتقل الأفكار واللغات والابتكارات والعادات، مما جعل أوغاريت واحدة من أكثر مدن الشرق القديم انفتاحاً وتنوعاً.
ولم يكن ازدهار أوغاريت قائماً على التجارة وحدها بل على منظومة حضارية متكاملة شملت الإدارة والاقتصاد والتعليم والكتابة. ففي مدارسها الكتبية وُلدت الأبجدية الأوغاريتية أول أبجدية حقيقية معروفة في التاريخ وفي معابدها وقصورها ومرافئها تجلت صورة مجتمع متقدم أدرك مبكراً قيمة المعرفة والتنظيم والتواصل مع العالم.
إن العصر الذهبي لأوغاريت لم يكن مجرد فترة من الثراء المادي بل كان نموذجاً حضارياً يؤكد أن الأمم تستطيع أن تحقق المجد من خلال التجارة والثقافة والدبلوماسية بقدر ما تحققه عبر القوة العسكرية. ولهذا ما زالت أوغاريت رغم مرور أكثر من ثلاثة آلاف عام على أفولها حاضرة في الذاكرة الإنسانية بوصفها مملكة البحر والحرف والتجارة والميناء الذي جمع حضارات المتوسط تحت راية السلام والتبادل الخلاق.
وعندما أقف اليوم بين أطلال رأس الشمرة وأتأمل بقايا القصر الملكي ومرفأ مينة البيضا أشعر أن هدير تلك السفن لم يغب تماماً عن المكان وأن أصوات البحارة والتجار ما زالت تتردد بين أمواج المتوسط. هناك عند حافة التاريخ تبدو أوغاريت وكأنها لم تنتهِ قط، بل تحولت إلى قصة خالدة تروي للأجيال كيف استطاعت مدينة صغيرة على الساحل السوري أن تصبح واحدة من أعظم منارات الحضارة في العالم القديم.
عاشق أوغاريت.. غسّان القيّم
𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎
الصورة المرفقة بعدستي منظر عام لمدينة اوغاريت الآثرية عندما تشرق منها شمس الصباحات الجميلة








