الجرن البازلتي شاهد صامت من ذاكرة أوغاريت|الدكتور غسان القيم

كاتب وباحث ومؤرخ أكاديمي  |سوري
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
عندما تزور مدينة أوغاريت الآثرية وتقف امام احد بيوتها وبين جدرانٍ شهدت ضحكات الأطفال وأحاديث التجار وخطوات أناسٍ غابوا منذ أربعة آلاف عام يرقد هذا الجرن البازلتي بصمته المهيب كأنه حارسٌ لأسرارٍ لم يحن موعد الإفصاح عنها بعد.
قد يمر الزائر أمامه للحظات عابرة فيراه مجرد كتلة حجرية نُحتت بإتقان ووُضعت في زاوية من البيت لكنه ما إن يتأمله قليلاً حتى تبدأ الأسئلة بالتدفق كما يتدفق الماء من نبعٍ قديم. لماذا وُضع هنا؟ وما الغاية التي خُصص لها؟ وما الحكايات التي مرت بجواره ثم غابت مع أصحابها تحت تراب الزمن؟
من المؤكد أن أهل أوغاريت لم يضعوا شيئاً عبثاً. فقد كانت هذه المدينة البحرية المزدهرة تعرف قيمة المكان ووظيفة الأشياء وكانت تفاصيل حياتها اليومية انعكاساً لخبرة حضارية تراكمت عبر قرون طويلة من العمل والتجارة والتواصل مع شعوب البحر المتوسط.
أترى هذا الجرن كان مستودعاً للنبيذ الذي اشتهرت به كروم الساحل السوري؟ وهل كانت تُسكب فيه عصارة العنب قبل أن تنطلق جرارها عبر السفن إلى الموانئ البعيدة؟ أم أنه خُصص لزيت الزيتون ذلك الذهب السائل الذي كان من أهم منتجات أوغاريت وصادراتها التجارية؟
وربما كان للماء حكاية أخرى معه. فوجود بئر قريب منه يفتح باباً لتساؤل مختلف هل استُخدم لخزن المياه وتوفيرها للعابرين وأهل الدار؟ وهل كانت الأيدي المتعبة ترتوي منه في أيام الصيف الحارة بينما تهب نسائم البحر من جهة الميناء؟
وهناك من يذهب بخياله أبعد من ذلك فيتخيل الجرن مملوءاً بالزيوت العطرية والأدهان النباتية التي عُرفت بها حضارات الشرق القديم حيث كانت الروائح الزكية جزءاً من الطقوس الدينية والعادات الاجتماعية فيتدهن منها المارة أو تُستخدم في المناسبات والاحتفالات.
لقد تعاقبت على أوغاريت بعثات أثرية وعلماء وباحثون من مختلف أنحاء العالم وكل منهم حاول أن يمنح هذا الجرن تفسيراً ينسجم مع معطياته العلمية وخبرته الأثرية. تعددت الآراء وتنوعت الفرضيات، لكن الحقيقة الكاملة ما زالت حبيسة هذا الحجر الأسود الصامت الذي يرفض أن يمنحنا كل أسراره دفعة واحدة.
وهنا تكمن روعة علم الآثار فليس كل ما نكتشفه يجيب عن أسئلتنا بل إن بعض المكتشفات تفتح أمامنا أبواباً جديدة من التساؤلات. فالحجر أحياناً لا يروي القصة كاملة لكنه يترك لنا خيوطاً نتتبعها بشغف وننسج منها احتمالات تقربنا من حياة أولئك الذين عاشوا هنا ذات يوم.
وكلما وقفت أمام هذا الجرن البازلتي أشعر أنه ليس مجرد وعاء حجري بل شاهد صامت على زمنٍ كانت فيه أوغاريت تضج بالحياة. ربما لامسته يد تاجر عائد من قبرص أو امرأة كانت تجهز مؤونة بيتها أو كاهن مرّ في طريقه إلى المعبد القريب منه ..أو طفل جلس على حافته يراقب حركة الناس في الأزقة القديمة.
واليوم وبعد آلاف السنين ما زالت أوغاريت تؤدي رسالتها ذاتها. فكما كانت في الماضي ملتقى للتجار والبحارة والكتبة والملوك ما زالت تستقبل الزوار والباحثين والعشاق القادمين من كل أصقاع الأرض. وما زالت حجارتها قادرة على إشعال فضول الإنسان وإيقاظ رغبته في البحث عن المعنى الكامن خلف كل أثر.
ستبقى أوغاريت تلك الذاكرة السورية العريقة التي لم تستنفد أسرارها بعد وستبقى شواهدها الحجرية ومنها هذا الجرن البازلتي المتواضع رسائل مفتوحة من الماضي إلى المستقبل تهمس لنا بأن الحضارات العظيمة لا تموت حين تغيب بل تستمر في طرح الأسئلة على الأجيال اللاحقة وتدعوها إلى الإصغاء لما تقوله الحجارة حين يعجز الكلام.

عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.


.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎