البرغل بحمص في الساحل السوري حين يتحول الطعام إلى طقس من المحبة والبركة تتجاوز دلالاته حدود الطعام|الدكتور غسان القيم

كا تب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي|سوري
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
في ريف ساحلنا السوري الجميل لم تكن أكلة البرغل بحمص مجرد طبق شعبي تتناقله الأجيال بل كان يحمل في وجدان الناس معاني أعمق من حدود الطعام. فقد ارتبط بالمناسبات الدينية والأعياد ارتباطاً وثيقاً حتى غدا حضوره جزءاً من طقوس الفرح والبركة واجتماع الأهل وأصبح رمزاً روحياً واجتماعياً يختزن الكثير من القيم التي عاش عليها أبناء هذه الأرض.
في صباحات الأعياد حين كانت أجراس الكنائس تتعانق مع أصوات المصلين العائدين من دور العبادة كانت البيوت الساحلية تفوح برائحة البرغل بحمص. ولم يكن اختيار هذه الأكلة في تلك المناسبات أمراً عابراً بل لأنها تمثل في الوعي الشعبي معنى الخير الذي يجمع ولا يفرق ويكفي الجميع دون استثناء. فكما تتسع الأعياد للناس جميعاً كان هذا الطبق يتسع لكل من يطرق الباب قريباً كان أم غريباً.
ومن هنا ارتبط البرغل بحمص بمفهوم البركة أكثر من ارتباطه بالوفرة. فمكوناته بسيطة ومتاحة للجميع لكنها كانت تكفي عائلة كبيرة وضيوفاً وجيراناً، وكأن أهل الساحل رأوا فيه تجسيداً لمعنى أن الخير القليل إذا اقترن بالمحبة أصبح كثيراً. لذلك كانت الأمهات وهنّ يحرّكن القدر الكبير يرددن عبارات الدعاء والتمني بالخير وكأن الطعام نفسه يحمل رسالة سلام ومحبة إلى كل من سيجتمع حوله.
وكانت مشاركة أفراد الأسرة تناول الطعام من صحن واحد تحمل دلالة روحية عميقة. فهي تعبير عن وحدة العائلة وتماسكها وعن إزالة الفوارق بين أفرادها. فلا مكان للتمييز على مائدة العيد بل الجميع شركاء في نعمة واحدة. ولهذا ارتبط الطبق في الذاكرة الشعبية بمعاني الألفة والتسامح وصلة الرحم وهي قيم كانت تشكل جوهر المناسبات الدينية والاجتماعية في المجتمع الساحلي.
وفي الأعراس أيضاً كان البرغل بحمص يحمل رمزية خاصة. فاجتماع أهل القرية للمشاركة في إعداده وتقديمه لم يكن مجرد تعاون اجتماعي بل كان شكلاً من أشكال التآزر والتكافل الذي يُعد من أسمى القيم الإنسانية والدينية. وكانت القدور الكبيرة التي تغلي في ساحات البيوت أشبه بإعلان فرح جماعي يشعر فيه الجميع أنهم شركاء في مناسبة واحدة وأن بركة الفرح تتسع للجميع.
كما ارتبط هذا الطبق بفكرة الشكر على خيرات الأرض. فالبرغل ثمرة القمح والحمص من محاصيل الحقول التي عاش عليها أهل الساحل عبر قرون طويلة . وعندما كانت هذه المكونات تجتمع في طبق واحد كان الناس يرون فيها ثمرة تعب الفلاح وبركة المطر وعطاء الأرض. لذلك لم يكن تناولها مجرد عادة غذائية بل شكلاً من أشكال الاحتفاء الضمني بنعم الله وشكر الخالق على رزقه.
ولهذا السبب بقي البرغل بحمص حاضراً بقوة في الذاكرة الشعبية ليس بوصفه أكلة تراثية فحسب بل باعتباره رمزاً لمعانٍ أكبر البركة التي تجمع الناس والمحبة التي تتسع للجميع . والفرح الذي لا يكتمل إلا بوجود الآخرين. إنه طبق يروي حكاية مجتمع آمن بأن الطعام ليس مجرد قوت للجسد .. بل وسيلة لتقوية الروابط الإنسانية وإحياء قيم الرحمة والتكافل وصلة الأرحام.
هكذا ظل البرغل بحمص في الساحل السوري أشبه بترتيلة اجتماعية روحية صامتة تتكرر في الأعياد والمناسبات جيلاً بعد جيل حاملة معها عبق البيوت القديمة ودفء العائلة وإيمان الناس بأن البركة الحقيقية لا تكمن فيما نملكه بل فيما نتقاسمه مع من نحب.

عاشق أوغاريت.. غسان القيّم