الملك زمري ليم في زيارة إلى مدينة أوغاريت/حين التقى نهر الفرات بالبحر المتوسط/

الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي سوري
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
كشفت لنا ترجمات النصوص المسمارية المكتشفة في مدينة ماري على الفرات الأوسط إلى جانب ما عُثر عليه في أوغاريت على الساحل السوري عن صفحةٍ مهمة من تاريخ العلاقات بين الممالك السورية خلال الألف الثاني قبل الميلاد. ومن بين تلك الصفحات تبرز الزيارة التي قام بها الملك زمري ليم آخر ملوك ماري العظام إلى مدينة أوغاريت في حدث يعكس المكانة السياسية والاقتصادية التي كانت تتمتع بها هذه المملكة الساحلية المزدهرة.
في النصف الأول من القرن الثامن عشر قبل الميلاد كانت ماري واحدة من أبرز القوى السياسية في بلاد الشام وبلاد الرافدين. أما أوغاريت فكانت تشق طريقها لتصبح مركزاً تجارياً مهماً يربط بين عالم البحر المتوسط وممالك الداخل السوري. وفي ذلك الزمن لم تكن الطرق التجارية تنقل البضائع فحسب بل كانت تنقل معها الأفكار والتحالفات والرسائل الدبلوماسية بين الملوك.
وقد أشارت الوثائق المسمارية إلى أن زمري ليم قام برحلة عبر الأراضي السورية الغربية زار خلالها عدداً من المراكز السياسية المهمة، وكانت أوغاريت إحدى المحطات البارزة في تلك الجولة الملكية. وتكمن أهمية هذه الزيارة في أنها تقدم دليلاً مبكراً على اندماج أوغاريت في شبكة العلاقات الدولية التي ربطت ممالك الشرق الأدنى القديم بعضها ببعض.
يمكننا أن نتخيل السفن الراسية في ميناء أوغاريت، والقوافل القادمة من الداخل السوري والأسواق التي امتلأت بالبضائع القادمة من قبرص والأناضول ومصر. ففي مثل هذه البيئة المزدهرة استُقبل ملك ماري، لا بوصفه ضيفاً عادياً بل حاكماً لإحدى أقوى الممالك السورية في عصره.
لم تكن الزيارات الملكية في ذلك الزمن مناسبات احتفالية فقط بل كانت تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية واضحة. فالملوك كانوا يبحثون عن تأمين طرق التجارة وتبادل الهدايا الثمينة وتوثيق العلاقات التي تضمن الاستقرار في منطقة كانت تشهد تنافساً مستمراً بين القوى الإقليمية. ومن المرجح أن زيارة زمري ليم لأوغاريت جاءت في هذا الإطار الدبلوماسي الواسع الذي ميّز عصره.
وتخبرنا نصوص ماري أن الهدايا المتبادلة بين الملوك كانت جزءاً أساسياً من العلاقات الدولية إذ لم تكن الهدية مجرد تعبير عن الكرم بل رمزاً للاعتراف المتبادل بالمكانة السياسية والاحترام بين البلاطات الملكية. ومن هنا يمكن فهم أهمية اللقاء الذي جمع بين حاكم ماري وحاكم أوغاريت والذي أسهم في تعزيز الروابط بين مملكة الداخل ومملكة الساحل.
واليوم، وبعد ما يزيد على ثلاثة آلاف وثمانمئة عام، ما تزال الألواح الطينية المكتشفة تحتفظ بأصداء تلك الزيارة. فبين أسطرها المسمارية نلمح صورةً لسوريا القديمة وهي شبكة من المدن والممالك المتصلة ببعضها عبر الطرق التجارية والعلاقات الدبلوماسية والثقافية. وفي تلك الصورة تبرز أوغاريت بوصفها مدينةً لم تكن منعزلة على شاطئ المتوسط بل شريكاً فاعلاً في صناعة تاريخ المنطقة.
هكذا تروي لنا النصوص القديمة قصة لقاءٍ جمع بين الفرات والبحر بين ماري وأوغاريت في زمن كانت فيه الرسائل تُكتب على الطين وكانت العلاقات بين الممالك تُبنى بالكلمة والهدية والحكمة السياسية. إنها قصة حقيقية حفظتها الألواح المسمارية وبقيت شاهداً على الدور الذي لعبته أوغاريت في العالم القديم.
للعلم الملك زمري ليم حكم ماري بين نحو 1775 و1761 ق.م تقريباً أي قبل ازدهار أوغاريت المتأخر بعدة قرون لذلك فإن ذكر بعض المصادر عن تأريخ الزيارة إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد لا يتوافق مع المصادر المعروفة والأدق نسبها إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد.
فحتى الآن لا توجد في أوغاريت نفسها نصوص محلية تصف لنا وقائع استقبال زمري ليم أو تفاصيل اللقاءات التي جرت داخل القصر الأوغاريتي. بل إن معظم معلوماتنا عن هذه الزيارة جاءت من أرشيف ماري الملكي المكتشف في قصر زمري ليم في تل الحريري والذي يضم آلاف الرسائل والنصوص الإدارية.
الذي نعرفه يقيناً؟..
أن زمري ليم قام برحلة إلى الساحل السوري ووصل إلى أوغاريت حوالي سنة 1765 ق.م.
أن الرحلة استغرقت عدة أشهر وكانت مرتبطة على الأرجح بظروف سياسية وعسكرية تتعلق بتحالفه مع مملكة يمحاض (حلب).
أن الملك أمضى فترة من الزمن في أوغاريت ويُرجّح أنها قاربت شهراً كاملاً.
أن الوثائق تشير إلى اتصالات جرت هناك مع تجار قدموا من كريت عبر البحر المتوسط
ما لا نعرفه يقيناً:
لا نملك نصاً يصف مراسم الاستقبال.
لا نملك محاضر للمحادثات بين ملك ماري وملك أوغاريت.
لا نملك وصفاً للولائم أو الاحتفالات أو الطقوس الدينية التي رافقت الزيارة.
لا توجد قوائم مؤكدة بالهدايا المتبادلة خلال هذه المناسبة بالذات.
لذلك ومن الناحية العلمية البحتة، يمكن القول إن:
الوثائق تثبت حدوث الزيارة نفسها ومسارها العام ومدتها وسياقها السياسي، لكنها لا تروي تفاصيل المشاهد الاحتفالية أو الحوارات التي جرت خلالها.
ولهذا يلجأ الباحثون عند الكتابة السردية إلى إعادة بناء المشهد اعتماداً على ما نعرفه عن بروتوكولات الاستقبال الملكية في العصر البرونزي، مع ضرورة التمييز بين الحقائق الموثقة والتصور الأدبي المحتمل
لذلك فإن أهم دراسة حديثة حول هذا الموضوع هي دراسة الباحث الفرنسي دومينيك شاربان بعنوان «عندما ذهب سيدي إلى أوغاريت»، والتي أعادت تحليل جميع النصوص المعروفة المتعلقة برحلة زمري ليم إلى الساحل السوري.

عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.


.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎