ذاكرة الحجر والصوت:تأملات في فناء التطهير في أوغاريت

الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي| سوري
عتبة القداسة: المنزل الذي يهمس بالأسرار..
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
عندما تزور مدينة اوغاريت الآثرية وتتجول بين اطلالها وتزور هذا المنزل فإنك لا تشاهد مجرد حجارة صماء لا حياة فيها بل تشاهد عتبة زمنية تعبر بك إلى عمق أربعة آلاف عام غبرت حيث كانت نبضات الحياة الروحية تمتزج بتفاصيل الحياة اليومية.
ما تراه هنا بين أنقاض هذا المنزل المجاور للقصر الملكي هو تجسيد مادي “لطقس العبور” الروحي الذي ذكره التاريخ.
هذا المنزل بموقعه الاستراتيجي الملاصق للقصر الملكي لم يكن مسكناً عادياً. إن قربه من مركز السلطة الدنيوية (القصر) والسلطة الدينية (المعابد الكبرى كمعبد بعل) يشي بأنه كان مسكناً لشخصية رفيعة المستوى ربما كاهن أکبر أو أمير يتوجب عليه الحفاظ على أعلى درجات النقاوة الشعائرية.
إن الكتلتين الحجريتين اللتين موجودتين هما “مفتاح اللغز”:
​الحوض المستطيل المجوف (الجرن): هذا هو “بحرة التطهير”. لم يكن للاستحمام اليومي العادي، بل للاغتسال الطقسي . قبل أن يجرؤ أي شخص على الدخول إلى حرم مقدس أو حتى القيام بصلاة خاصة كان عليه أن يغسل يديه وقدميه وربما وجهه بماء نظيف (وغالباً ما يكون ماءً “حياً” من بئر أو نبع) لطرد الدنس المادي والروحي. هذا الطقس هو السلف المباشر لوضوء الديانات الإبراهيمية.
​ الكتلة الحجرية الثانية التي تشبه “الكرسي” أو “الشاهد” هي عنصر معماري هام. قد تكون قاعدة لتمثال إله صغير يحرس طقس الاغتسال، أو – وهو الأرجح – “لوح تذكاري” أو “نصب” أملس يرمز لحضور إلهي صامت ليشهد على طهر المؤمن أو ليكون مكاناً لوضع الملابس القديمة قبل الاغتسال. إن “المساحة الفارغة” عليها هي المكان الذي كان يُسكب عليه الزيت أو النبيذ كقربان بسيط في بداية طقس التطهير.
عندما أقول:
“إني أسمع أصوات تراتيل قادمة من هناك من معبد المدينة…”، فهذه الأصوات تصيب كبد الحقيقة الروحية للمكان.
ففي عقيدة أوغاريت لم يكن هناك فصل بين “العلمي” و”الروحي”. فالبحر الذي علمهم التجارة كان محكوماً من “يم” والطقس الذي جلب لهم الحصاد كان محكوماً من “بعل”.
​هذه الأحجار المتهالكة هي صدى لقصائد ملحمة بعل التي سُجلت على الألواح الفخارية والتي تُخبرنا عن أهمية تقديم الأضاحي والقيام بـ “طقوس السكب” والتمتمة بالتعاويذ للتقرب من الآلهة. وهو النقطة التي تحول فيها الإنسان الأوغاريتي من كائن دنيوي إلى كائن روحي مهيأ للقاء الآلهة.
طقس التطهير يعكس مدى عمق روح أوغاريت. هذه الحضارة العظيمة المتجذرة المتربعة على عرش الأصالة والانتماء والرقي لم تكتفِ بمنحنا “الأبجدية” بل منحتنا منظومة قيم روحية وإنسانية. إن صدى الحنين هو “الماء الحي” الذي يملأ الحوض الجاف في صورتك، ويُعيد الحياة لتراتيل كادت أن تتلاشى في رياح الزمن.
​شكراً لك يا اوغاريت لأنك جعلت الحجارة تتكلم وجعلت الذاكرة تعود بي إلى الدوران.
عندما كان الأوغاريتيّ كما كل إنسان يبحث عن النور في أعماق روحه أدرك أن الوقوف أمام المقدّس يحتاج إلى طهارة الجسد وصفاء القلب. وهنا في هذا الركن المتواضع من المنزل ربما كانت المياه تنساب ببطء فوق الأيدي والوجوه لا لتغسل غبار الطريق فحسب بل لتترك النفس أكثر استعداداً لمناجاة الآلهة ورفع التراتيل نحو السماء.
وإذا ما أغمضت عينيك قليلاً فسيخال إليك أن الصمت المحيط ليس صمتاً كاملاً. ثمة همسات بعيدة تأتي من جهة معبد بعل وأصداء خطوات خافتة تعبر الأزقة الحجرية ونغمات تراتيل قديمة ما زالت عالقة بين شقوق الجدران. كأن الزمن لم يرحل تماماً بل ترك جزءاً منه هنا ينتظر من يصغي إليه.
إنها أوغاريت.. المدينة التي لم تبنِ قصورها بالحجارة وحدها بل بالمعرفة والإيمان والجمال. ومن بين هذه الأطلال ينهض صوت الذاكرة ليخبرنا أن الحضارات لا تموت حين تسقط جدرانها بل تبقى حيّة ما دام هناك من يقرأ آثارها ويصغي إلى حكاياتها.
وهذا الركن الصغير من منزل أوغاريتي مجاور للقصر الملكي ليس مجرد أثرٍ حجريّ بل نافذة مفتوحة على روح مدينة عظيمة ما زالت بعد أكثر من أربعة آلاف عام تهمس لنا بأسرارها وتدعونا لنشاركها لحظة من الحنين إلى زمنٍ كان الإنسان فيه يبحث عن الطهارة والنور والحكمة تحت سماء أوغاريت الزرقاء.

عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎