
المعلم المثالي قلبا وقالبا
جَلَّابِي نَاجِي كاتب |جزائري
كَلِمَاتِي لَيْسَتْ مِنَ الْكُتُبِ أَرْوِيهَا، وَلَا مِنَ الْمَوَاقِعِ أَنْقُلُهَا وَأَطْوِيهَا، بَلْ مِنَ الْمَيْدَانِ التَّرْبَوِيِّ أَسْقِيهَا، وَمِنْ تَجَارِبِ السِّنِينَ أَسْتَقِيهَا.
مُعَلِّمِيَ الْفَاضِلُ، مُعَلِّمَتِيَ الْفَاضِلَةُ،
إِنَّهُ لَشَرَفٌ كَبِيرٌ أَنْ تَكُونَ مُعَلِّمًا أَوْ مُعَلِّمَةً، تَبْذُرُ الْخَيْرَ فِي كُلِّ الرُّبُوعِ، لِتُنْبِتَ أَجْيَالًا تَنْمُو شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى تُصْبِحَ صُرُوحًا مُسْتَقِلَّةً فِي الْمُجْتَمَعِ: كَاتِبًا، أَوْ طَبِيبًا، أَوْ مُهَنْدِسًا، أَوْ مَسْؤُولًا، أَوْ عَالِمًا، أَوْ مُخْتَرِعًا، أَوْ حِرَفِيًّا مَاهِرًا، أَوْ تَاجِرًا مَرْمُوقًا.
وَبِفَضْلِ جُهُودِكَ تَأْتِي هَذِهِ الْمُخْرَجَاتُ الَّتِي سَهِرْتَ عَلَيْهَا اللَّيَالِيَ الطِّوَالَ، وَأَنْتَ تُرَاقِبُ، وَتُصَحِّحُ، وَتُدَوِّنُ، وَتُلَخِّصُ، وَتُلَاحِظُ، وَتُفَكِّرُ فِي الْخُطَطِ الْإِنْقَاذِيَّةِ وَالْإِجْرَاءَاتِ الْعِلَاجِيَّةِ لِلتَّعْدِيلِ وَالْمُعَالَجَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ، مِنْ أَجْلِ التَّحْسِينِ وَتَرْسِيخِ الْمَعْلُومَاتِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [الْمُجَادِلَةِ: 11].
وَالْمُعَلِّمُ مِنْ أَعْظَمِ مَنْ يَسْهَرُ عَلَى إِيصَالِ الْعِلْمِ وَتَرْبِيَةِ النَّشْءِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ عَلَى الْمُعَلِّمِ أَنْ يَتَمَيَّزَ بِصِفَاتٍ خَاصَّةٍ، تَجْعَلُ مِنْهُ قُدْوَةً وَمُرَبِّيًا، لَا مُلَقِّنًا لِلْمَعْلُومَاتِ فَقَطْ.
أَوَّلًا: صِفَاتُ الْمُعَلِّمِ وَأَخْلَاقُهُ
أَنْ يَكُونَ ذَا هِنْدَامٍ لَائِقٍ وَمَحْبُوبٍ، يَلِيقُ بِمَكَانَةِ الْمُرَبِّي.
أَنْ يَتَحَلَّى بِأَخْلَاقٍ فَاضِلَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنَ اللَّهِ، حَرِيصًا عَلَى الصَّلَاةِ وَالِاسْتِقَامَةِ.
أَنْ يَكُونَ مُتَّزِنًا فِي كَلَامِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ، صَادِقًا فِي وَعْدِهِ.
أَنْ يَتَمَتَّعَ بِكِفَايَةٍ عِلْمِيَّةٍ وَمِهْنِيَّةٍ عَالِيَةٍ فِي التَّدْرِيسِ.
وَإِذَا وَاجَهَ مَسْأَلَةً لَا يُحْسِنُهَا، فَلَا يَتَرَدَّدُ فِي الِاجْتِهَادِ وَالسُّؤَالِ وَالِاسْتِفَادَةِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ.
أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالنِّظَامِ الدَّاخِلِيِّ لِلْمُؤَسَّسَةِ، مُطَبِّقًا وَمُلْتَزِمًا بِمَا جَاءَ فِيهِ.
أَنْ تَكُونَ عَلَاقَتُهُ بِزُمَلَائِهِ وَمُدِيرِهِ طَيِّبَةً، يَسُودُهَا الْمَحَبَّةُ وَالْإِخْلَاصُ وَالصِّدْقُ وَالْوَفَاءُ.
التَّعَاوُنُ التَّامُّ مَعَ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ التَّرْبَوِيَّةِ وَالْإِدَارَةِ.
الِابْتِعَادُ عَنِ الشَّائِعَاتِ وَعَنْ تَرْوِيجِهَا.
الِابْتِعَادُ عَنِ اللَّغْوِ وَالْقِيلِ وَالْقَالِ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ فِيمَا لَا يَعْنِي، وَالْإِطْنَابِ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
الْمُوَاظَبَةُ عَلَى الْعَمَلِ وَالِانْضِبَاطُ فِي الْحُضُورِ، مَعَ مُرَاعَاةِ الظُّرُوفِ الِاسْتِثْنَائِيَّةِ وَالضَّرُورَاتِ الْقَصْوَى.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصَّفِّ: 2-3].
فَالْمُعَلِّمُ قُدْوَةٌ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ مُلَقِّنًا، وَسُلُوكُهُ فِي الْمَدْرَسَةِ أَحَدُ أَقْوَى الدُّرُوسِ الَّتِي يَتَلَقَّاهَا التِّلْمِيذُ.
ثَانِيًا: الِانْضِبَاطُ وَاحْتِرَامُ الْوَقْتِ
مِنْ أَهَمِّ صِفَاتِ الْمُعَلِّمِ النَّاجِحِ أَنْ يَحْتَرِمَ الْوَقْتَ، وَيُحْسِنَ اسْتِثْمَارَهُ، فَيَحْرِصَ عَلَى:
دُخُولِ الْمَدْرَسَةِ قَبْلَ بِدَايَةِ الْعَمَلِ بِوَقْتٍ كَافٍ لِلِاسْتِعْدَادِ.
الِالْتِزَامِ بِبِدَايَةِ الْحِصَّةِ فِي وَقْتِهَا الْمُحَدَّدِ.
الِاسْتِعْمَالِ الْأَمْثَلِ لِلتَّوْزِيعِ الزَّمَنِيِّ.
احْتِرَامِ الْوَقْتِ الْمُخَصَّصِ لِكُلِّ حِصَّةٍ.
إِعْدَادِ الْمُذَكِّرَاتِ التَّرْبَوِيَّةِ وَالْوَسَائِلِ قَبْلَ دُخُولِ الْقِسْمِ.
عَدَمِ الِانْشِغَالِ بِمَلْءِ الدَّفْتَرِ الْيَوْمِيِّ أَثْنَاءَ الْحِصَّةِ عَلَى حِسَابِ وَقْتِ التَّلَامِيذِ.
أَنْ تَكُونَ الْمُذَكِّرَاتُ، فِي أَغْلَبِهَا، مِنْ إِنْجَازِ الْمُعَلِّمِ وَفَهْمِهِ وَتَخْطِيطِهِ.
أَنْ تُتْرَكَ التَّمَارِينُ التَّطْبِيقِيَّةُ مَرِنَةً فِي الْمُذَكِّرَةِ، بِمَا يَسْمَحُ بِتَعْدِيلِهَا وَفْقَ مُسْتَوَى التَّلَامِيذِ.
وَالْوَقْتُ فِي الْعَمَلِ التَّرْبَوِيِّ لَيْسَ مُجَرَّدَ سَاعَاتٍ تَمْضِي، بَلْ هُوَ فُرَصٌ تَعْلِيمِيَّةٌ إِذَا ضَاعَتْ لَا يُمْكِنُ اسْتِرْجَاعُهَا.
ثَالِثًا: الْمُعَلِّمُ دَاخِلَ الْقِسْمِ
فِي قِسْمٍ قَدْ يَبْلُغُ عَدَدُ تَلَامِيذِهِ خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ تِلْمِيذًا أَوْ أَكْثَرَ، تَكُونُ مَهَارَةُ الْمُعَلِّمِ فِي التَّنْظِيمِ وَالتَّوَاصُلِ وَإِدَارَةِ الْقِسْمِ أَمْرًا أَسَاسِيًّا.
وَعَلَيْهِ أَنْ:
يُحَقِّقَ الْعَدَالَةَ بَيْنَ التَّلَامِيذِ، وَأَلَّا يُمَيِّزَ بَيْنَهُمْ بِغَيْرِ مُبَرِّرٍ تَرْبَوِيٍّ.
يَسْتَعْمِلَ الطُّرُقَ وَالْمَقَارَبَاتِ الْحَدِيثَةَ الْقَائِمَةَ عَلَى الْكِفَايَاتِ وَالْمَهَارَاتِ، كَالْمُلَاحَظَةِ، وَالتَّحْلِيلِ، وَالِاسْتِنْتَاجِ، وَالتَّطْبِيقِ.
يَحْرِصَ عَلَى دِقَّةِ الْمَعْلُومَاتِ، وَيَسْتَعْمِلَ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ الْفُصْحَى بِوُضُوحٍ وَسَلَاسَةٍ.
يُرَاعِيَ الْفُرُوقَ الْفَرْدِيَّةَ بَيْنَ التَّلَامِيذِ.
يُجَلِّسَ التَّلَامِيذَ وَفْقَ مَعَايِيرَ تَرْبَوِيَّةٍ وَصِحِّيَّةٍ مُنَاسِبَةٍ؛ فَيُرَاعَى، مَثَلًا، مَنْ لَدَيْهِ ضَعْفٌ فِي الْبَصَرِ، فَيَكُونُ فِي مَكَانٍ يُسَاعِدُهُ عَلَى الرُّؤْيَةِ.
يُرَاعِيَ قَامَاتِ التَّلَامِيذِ فِي تَوْزِيعِ الْمَقَاعِدِ، حَتَّى لَا يَحْجُبَ طَوِيلُ الْقَامَةِ الرُّؤْيَةَ عَنْ غَيْرِهِ.
يَمْتَنِعَ عَنِ التَّعْنِيفِ بِجَمِيعِ أَشْكَالِهِ، الْبَدَنِيِّ وَاللَّفْظِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالطِّفْلُ فِي الْمَدْرَسَةِ لَيْسَ رَقْمًا فِي قَائِمَةٍ، وَلَا مَقْعَدًا فِي قِسْمٍ؛ بَلْ هُوَ إِنْسَانٌ فِي طَوْرِ التَّكَوُّنِ، وَمَا يَلْقَاهُ مِنْ مُعَلِّمِهِ قَدْ يَتْرُكُ أَثَرًا عَمِيقًا فِي شَخْصِيَّتِهِ.
رَابِعًا: النَّظَافَةُ وَالْمُرَاقَبَةُ التَّرْبَوِيَّةُ
عَلَى الْمُعَلِّمِ أَنْ يُسَاهِمَ فِي تَرْبِيَةِ التَّلَامِيذِ عَلَى النَّظَافَةِ وَالِاعْتِنَاءِ بِالْمَظْهَرِ، فَيُوَجِّهُهُمْ إِلَى:
نَظَافَةِ الْجَسَدِ وَالْمَلَابِسِ.
الِاعْتِنَاءِ بِالْهِنْدَامِ وَالْمِئْزَرِ.
تَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَالِاعْتِنَاءِ بِالشَّعْرِ.
الِابْتِعَادِ عَنِ الْمَظَاهِرِ غَيْرِ اللَّائِقَةِ وَمَا يَتَعَارَضُ مَعَ قَوَاعِدِ الْمُؤَسَّسَةِ وَالْقِيَمِ التَّرْبَوِيَّةِ.
وَهُنَا يَكُونُ دَوْرُ الْمُعَلِّمِ دَوْرَ تَوْجِيهٍ وَتَرْبِيَةٍ، لَا دَوْرَ عُقُوبَةٍ وَتَعْنِيفٍ.
خَامِسًا: إِدَارَةُ الْقِسْمِ وَالْمَسْؤُولِيَّةُ
يَنْبَغِي أَنْ يَتَجَنَّبَ الْمُعَلِّمُ مُغَادَرَةَ قِسْمِهِ أَثْنَاءَ الْحِصَّةِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ قُصْوَى، وَأَنْ يُحَافِظَ عَلَى انْضِبَاطِ التَّلَامِيذِ وَسَلَامَتِهِمْ.
وَمِنَ الْأَفْضَلِ أَلَّا يُرْسِلَ التَّلْمِيذَ إِلَى الْإِدَارَةِ كَوَسِيلَةٍ لِلْعِقَابِ، بَلْ يَحْرِصَ عَلَى مُعَالَجَةِ الْمَوْقِفِ تَرْبَوِيًّا مَا أَمْكَنَ، وَيَلْجَأَ إِلَى الْإِدَارَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَفْقَ النِّظَامِ الْمَعْمُولِ بِهِ.
وَمِنَ الْمُهِمِّ أَيْضًا أَنْ يُحَضِّرَ الْمُعَلِّمُ وَسَائِلَهُ التَّعْلِيمِيَّةَ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَدَوَاتٍ قَبْلَ بَدْءِ الدَّوَامِ الدِّرَاسِيِّ، حَتَّى يَدْخُلَ الْقِسْمَ وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لِلدَّرْسِ، لَا بَاحِثًا عَنْ وَسَائِلِهِ أَثْنَاءَ الْحِصَّةِ.
فَهُنَاكَ الْكَثِيرُ وَالْكَثِيرُ مِنَ التَّنْظِيمَاتِ الْإِدَارِيَّةِ وَالْمِهْنِيَّةِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الْمُعَلِّمِ أَنْ يَعْرِفَهَا وَيَلْتَزِمَ بِهَا، لِأَنَّ الْعَمَلَ التَّرْبَوِيَّ لَا يَقُومُ عَلَى الْمَعْلُومَةِ وَحْدَهَا، بَلْ عَلَى الِانْضِبَاطِ وَالْأَخْلَاقِ وَالتَّنْظِيمِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ.
وَفِي الْجَانِبِ الْإِيمَانِيِّ وَالثَّقَافِيِّ
وَمِنَ الْمُسْتَحْسَنِ لِلْمُعَلِّمِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ حِفْظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَلَا سِيَّمَا قِصَارِ السُّوَرِ مِنْ جُزْءِ عَمَّ، وَأَنْ يَكُونَ مُطَّلِعًا عَلَى الْقِيَمِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَمَبَادِئِ التَّرْبِيَةِ.
وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ حِفْظُ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الْأَحْزَابِ شَرْطًا لِكِفَايَةِ الْمُعَلِّمِ، بَلِ الْمَقْصُودُ أَنْ يَكُونَ لَهُ زَادٌ إِيمَانِيٌّ وَثَقَافِيٌّ يُسَاعِدُهُ عَلَى تَرْبِيَةِ النَّشْءِ وَتَقْدِيمِ الْقُدْوَةِ الْحَسَنَةِ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الْأَحْزَابِ: 21].
وَالْمُعَلِّمُ الْمُسْلِمُ أَحْوَجُ مَا يَكُونُ إِلَى أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَبَيْنَ الْمَعْرِفَةِ وَالْقُدْوَةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ:
«كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالْمُعَلِّمُ مِنْ أَعْظَمِ مَنْ يَحْمِلُ مَسْؤُولِيَّةَ التَّرْبِيَةِ، فَهُوَ يَتَعَامَلُ مَعَ عُقُولٍ وَنُفُوسٍ فِي مَرْحَلَةٍ حَسَّاسَةٍ مِنَ النُّمُوِّ.
وَقَدْ أَدْرَكَ ابْنُ خَلْدُونَ أَهَمِّيَّةَ التَّدَرُّجِ وَمُرَاعَاةِ أَحْوَالِ الْمُتَعَلِّمِ وَقُدْرَاتِهِ فِي الْعَمَلِيَّةِ التَّعْلِيمِيَّةِ، وَهُوَ مَعْنًى مَا زَالَ حَاضِرًا فِي عِلْمِ النَّفْسِ التَّرْبَوِيِّ وَالْمُمَارَسَةِ التَّعْلِيمِيَّةِ الْحَدِيثَةِ.
وَفِي الْخِتَامِ
إِنَّ الْمُعَلِّمَ الْمِثَالِيَّ لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي يَمْلِكُ الْمَعْلُومَاتِ فَقَطْ، وَلَا ذَلِكَ الَّذِي يُحْسِنُ الْكَلَامَ وَالْإِلْقَاءَ فَقَطْ، بَلْ هُوَ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْأَخْلَاقِ، وَبَيْنَ الْكِفَايَةِ وَالِانْضِبَاطِ، وَبَيْنَ الْحَزْمِ وَالرَّحْمَةِ، وَبَيْنَ الْمَعْرِفَةِ وَفَهْمِ عَالَمِ الطُّفُولَةِ وَعِلْمِ النَّفْسِ التَّرْبَوِيِّ.
إِنَّهُ مُعَلِّمٌ يَعْرِفُ أَنَّ كُلَّ تِلْمِيذٍ أَمَانَةٌ، وَأَنَّ كُلَّ حِصَّةٍ فُرْصَةٌ، وَأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ قَدْ تَبْنِي إِنْسَانًا أَوْ تَكْسِرُ نَفْسًا.
فَيَا مُعَلِّمِيَ الْفَاضِلُ، وَيَا مُعَلِّمَتِيَ الْفَاضِلَةُ، أَنْتُمْ لَسْتُمْ حَلَقَةً فِي سِلْسِلَةِ التَّعْلِيمِ فَقَطْ، بَلْ أَنْتُمْ مِنْ صُنَّاعِ الْمُسْتَقْبَلِ؛ فَمِنْ أَقْلَامِكُمْ تَخْرُجُ أَقْلَامٌ، وَمِنْ أَفْكَارِكُمْ تُبْنَى أَفْكَارٌ، وَمِنْ سُلُوكِكُمْ تَتَشَكَّلُ شَخْصِيَّاتٌ.
فَكُونُوا عَلَى قَدْرِ هَذِهِ الْأَمَانَةِ.







