
في الرابع عشر من إيلول تتجه الأبصار نحو تلال القدس ومجالس التاريخ القديم حيث يتقاطع الإيمان بالرمزية
الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ عالم آثار أكاديمي| سوري
في الرابع عشر من أيلول تتجه الأبصار نحو تلال (القدس) ومجالس التاريخ القديم حيث يتقاطع الإيمان بالرمزية وتتحول الأحداث التاريخية إلى محطات توثق تحولاً جذرياً في مسار الإمبراطورية الرومانية والعالم المسيحي.
“عيد الصليب” ليس مجرد مناسبة طقسية بل هو وثيقة تاريخية حية تشهد على صراع إمبراطوري ورحلة تنقيب أثرية هي الأولى من نوعها في العالم القديم.
تبدأ القصة في أعقاب مجمع نيقية (325 م) عندما قررت القديسة هيلانة (والدة الإمبراطور قسطنطين الكبير) القيام برحلة حفر وتنقيب في أرض فلسطين. كانت الإمبراطورية تعيش مرحلة تحول دراماتيكي من الاضطهاد الروماني للديانة المسيحية إلى التشريع والقبول عبر مرسوم ميلانو (313 م).
في أورشليم كان موقع الجلجثة (مكان الصلب التقليدي) قد رُدم بالكامل بردميات رومانية بناءً على الإمبراطور هادريان في القرن الثاني الميلادي والذي أقام فوقه معبداً وثنياً للإلهة فينوس لمحو معالم الموقع.
أمرت هيلانة بهدم المعبد وإزالة الردميات وأثناء عمليات الحفر تم العثور على ثلاثة صلبان خشبية داخل بئر عميقة بالقرب من القبر الفارغ. وللتمييز بين صليب المسيح وصليبي اللصين اللذين صُلبا معه يذكر المؤرخون الكنسيون المعاصرون لتلك الفترة (مثل سقراط السكولاستي وسوزومين) أن الأسقف مكاريوس أسقف أورشليم استعان بامرأة مريضة مشرفة على الموت وعندما لمست الصليب الثالث شُفيت في الحال فاعْتُمد كالصليب الأصلي.
وأسباب اعتماد المناسبة عيداً رسمياً فقد تجمعت عدة عوامل تاريخية وسياسية ودينية أدت إلى تثبيت هذا اليوم كعيد جامع:
تدشين كنيسة القيامة (335 م): بعد الاكتشاف أمر الإمبراطور قسطنطين بإنشاء مجمع كنسي ضخم يضم القبر المقدس والجلجثة (كنيسة القيامة). وفي 13 أيلول/سبتمبر 335 م .تم تدشين الكنيسة بحضور أساقفة من مختلف أرجاء الإمبراطورية وفي اليوم التالي (14 أيلول) رُفع الصليب أمام جموع الشعب لتباركه وهو التاريخ الثابت للعيد حتى اليوم.
استعادة الصليب من الفرس (628 م): ازداد العيد عمقاً وقوة في القرن السابع. ففي عام 614 م. اجتاح الساسانيون (الفرس) أورشليم بقيادة كسرى الثاني ونهبوا ذخيرة الصليب الأقدس. وبعد حرب طاحنة استمرت سنوات استطاع الإمبراطور البيزنطي هرقل هزيمة الفرس واستعادة الصليب وأعاده بنفسه إلى أورشليم عام 628 م وهو يحمله على كتفيه موكباً حتى كنيسة القيامة. وإعلان الانتصار السياسي والروحي حيث شكل العيد بالنسبة للإمبراطورية البيزنطية رمزاُ لتحول الصليب من أداة إعدام عار في القانون الروماني إلى شارة إمبراطورية ترسم على الرايات والعملات.
ومن التقاليد والمظاهر التاريخية المرتبطة بالعيد
حبث توارثت المجتمعات المحلية عبر القرون مظاهر احتفالية تحمل دلالات تاريخية:
إشعال النيران على قمم الجبال: يُذكر أن هيلانة عندما وجدت الصليب في أورشليم أرادت إبلاغ ابنها قسطنطين في القسطنطينية بالخبر فوراً. ولعدم وجود وسائل اتصالات حديثة تم إشعال سلسلة من النيران على قمم الجبال الممتدة من القدس عبر الشام وأناضول وصولاً إلى العاصمة ولا زالت هذه العادة قائمة حتى اليوم في العديد من القرى والبلدات الشرقية.
استخدام الريحان: وارتبطه بالموروثات الشعبية وظهوره فوق التل الذي وُجد تحته الصليب حيث يُستخدم حتى اليوم في تزيين صواني العيد ورش المياه المعطرة به.
يمثل عيد الصليب نقطة تحول في تاريخ الشرق الأدنى والشرق البيزنطي فهو يوثق اللحظة التي انتقل فيها الفكر الإنساني من التعامل مع الأسطورة إلى البحث عن الأثر المادي وجعل من مدينة القدس مركزاً جغرافياً وروحياً أثر في التاريخ العالمي لقرون طويلة..
كل عام والأخوة المسيحيون بخير راجين أن يحمل هذا العيد الخير والسلام والمحبة لسورية وللعالم أجمع.
د.غسان القيم
الصورة المرفقة القديسة هيلانة ترفع الصليب وهي موجودة في كنيسة القيامة في (القدس)
الموقع التاريخي الذي أقيم فيه تدشين الكنيسة عام 335 م ورُفع فيه الصليب للمرة الأولى أمام الشعب في 14 أيلول، وهو المركز الجغرافي لهذه المناسبة.







