انت تعلمين الأن..

الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم أثار  أكاديمي |سوري

بعد أن انطفأت مصابيح الجسد وتلاشت ضوضاء الأيام أن النفس كانت سائرة نحو النور منذ خطوتها الأولى وأن ما حسبناه طرقاً متشعبة لم يكن سوى طريقٍ واحدٍ يقود إلى الأفق ذاته مهما كثرت منعطفاته وعقباته.
تعلمين الآن أن العمر لم يكن إلا نهراً قصيراً بين مجهولين منبعٍ لا نذكره ومصبٍّ كنا نخشاه أكثر مما نفهمه.
أما نحن..
فما زلنا هنا على ضفاف الوقت نردد كلماتك كما يردد البحارة القدامى أهازيجهم في الليالي البعيدة.
ما زلنا نحفظ أقوالك التي رأيتِ فيها الإنسان ورقةً تتقاذفها ريح قوةٍ لا تُرى وقنديلاً صغيراً يرتجف في مهبّ أسرار الكون.
كم حاولتِ في أواخر الطريق أن تستعيدي شيئاً من وهج الأرض..
أن تصالحي القلب مع الحياة وأن تردمي الهوة بين الحلم واليقظة.
ندمتِ لأن كلماتك أضعفت في بعض النفوس شهوة العيش وجعلت الدنيا تبدو ظلاً عابراً لا يستحق التعلق به فيما جعلت الآتي غامضاً بعيداً فلا هذه الحياة أُحبّت كما ينبغي ولا تلك الآخرة اشتُهيت كما يجب.
لكن الكلمات حين تخرج من الروح تصبح كالبذور التي تحملها الريح.
لا تعود ملكاً لقائلها.
تنبت حيث تشاء الأزمنة وتورق في عقول لم يرها صاحبها قط.
ولهذا ما زلنا نرددها..
لا لأننا نبحث عن اليأس بل لأننا نبحث عن المعنى.
فالإنسان منذ أن رفع رأسه نحو النجوم فوق أسوار أوغاريت لم يتوقف عن السؤال:
من نحن؟
ولماذا جئنا؟
ومن الذي يدير هذا المسرح العظيم الذي تتبدل فوقه الوجوه كما تتبدل أمواج البحر؟
وكانت الإجابات كلها ناقصة لكنها كانت تمنح القلب عزاءً مؤقتاً في مواجهة المجهول.
وفي مملكة أوغاريت حيث كانت الأناشيد ترتفع مع دخان البخور نحو السماء لم يكن الناس يظنون أنهم يملكون الحقيقة كلها.
كانوا يدركون أن الإنسان أصغر من أن يحيط بسرّ الوجود وأكبر من أن يكفّ عن البحث عنه.
لذلك تركوا لنا أساطيرهم وصلواتهم وأحلامهم منقوشة على الطين لا باعتبارها أجوبة نهائية بل باعتبارها أسئلة خالدة.
واليوم.
بعد آلاف السنين ما زلنا نقف في الموضع ذاته.
ننظر إلى العمر وهو يتسرب من بين أصابعنا كحبات الرمل ونشعر أن شيئاً ما يقودنا بصمت نحو نورٍ لا نعرف كنهه.
نقاوم أحياناً ونخاف أحياناً ونتمسك بأيامنا كما يتمسك الغريق بخشبة نجاة.
لكن الطريق يمضي.
والنهر يمضي.
والقافلة تمضي.
وربما كانت الحكمة كلها في أن نحب هذه الحياة دون أن نعبدها وأن نستقبل المجهول دون أن نلعنه.
فالعمر ليس سجناً كما ظنه بعض الحكماء وليس وليمةً دائمة كما ظنه بعض الحالمين.
إنه فرصة قصيرة منحها لنا الزمن لنترك أثراً من الضوء قبل أن نلتحق بالنور الأكبر.
وهكذا يبقى الإنسان.
بين الطين الذي جاء منه
والنور الذي يسير إليه
ترتيلةً عابرةً في فجر الخليقة.
ينشدها الزمن قليلاً.
ثم يحملها معه إلى الأبد.

عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎