
بين وقار الكاتب ومنطق السوق أو حين يقف الأديب خلف الدكان
بين وقار الكاتب ومنطق السوق أو حين يقف الأديب خلف الدكان
مصطفى بوغازي/ الجزائر
تغيرت هيبة الكلمة في عصرنا الرقمي، ولم تعد هالة الأديب تلك التيمة التي تحيط بكاتب يتخفى خلف صومعته، ينتظر مطبعته ورسل موزعيه ليحملوا إلى القراء أثره المطبوع. لقد فرضت التحولات الشاملة في الفضاء الأزرق واقتصاد المعرفة واقعاً جديداً، بات فيه المبدع يواجه جمهرة القراء وجهاً لوجه، بلا وسائط ولا حجب. لكن هذه المواجهة المباشرة آلت في أحيان كثيرة إلى التباس حاد في الوسط الثقافي، حيث يتولى الأديب المكرس بنفسه تفاصيل التعريف اليومي بكتبه، والتنويه بأسعار النسخ، وآليات الشحن، والتوصيل عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، مع الامتداد نحو طقوس البيع بالتوقيع والإهداء التي ينظر إليها البعض بوصفها معياراً لانتشار الكتاب ومدى إقبال القراء عليه.
إن هذا التحول يستدعي الوقوف عند رؤيتين متباينين تشخصان أزمة النشر العربي في صميمها. تنطلق الرؤية الأولى من الحرص على رأس المال الرمزي للمبدع، حاسمة بأن هيبة الكاتب هي جزء أصيل من كينونة النص وحرمته المعنوية. يرى أصحاب هذا الطرح أن استغراق الأديب الكبير في تفاصيل لوجستية وبيان الاسعار يمسّ من جلال الفعل الأدبي الشفيف، ويحول الصفحة الرسمية التي يُفترض بها أن تكون منبراً نقدياً وسجالياً متسامياً إلى مساحة يُهيمن عليها الطابع الترويجي . كما يمتد هذا التحفظ ليطال التوسع في طقوس البيع بالتوقيع ، إذ يرى فيه البعض اتكاءً غير متوازن على القرب الإنساني والالتقاء المباشر بالقارئ، حيث يتحول الإهداء من التزام وجداني تكريمي يُمنح للنص والقارئ معاً إلى مسار تفاعلي يمتزج فيه البعد المعرفي بمتطلبات التوزيع والانتشار.
وفي المقابل، تقف الرؤية الثانية على أرضية الواقعية الشديدة التي تحكم صناعة الكتاب في عالمنا العربي. يتذرع المنحازون لهذا الطرح بضعف شبكات التوزيع التقليدية، واحتكار أطراف بعينها لمنافذ النشر، إلى جانب استشراء القرصنة وتهاوي أداء المؤسسات التي يُفترض بها حماية حقوق المبدعين وخدمة نصوصهم. من هذا المنظور، لا يُعد تدخل الكاتب لتسهيل وصول نسخه الأصلية للجمهور، أو إقامته لجلسات الإهداء والتواصل المباشر على مسافة صفر، إلا شكلاً من أشكال الحرص على نصّه وضماناً لوصوله إلى مستحقيه. إن الإشارة إلى التطبيقات الحديثة وتوفير طرق الحصول على الكتاب يُقرأ هنا بوصفه خدمة تنظيمية فرضها العصر ووجب التعامل معها، ليغدو الكاتب الساعي لتوصيل أثره متواصلاً ومواكباً للتغيرات، ومحتفياً بجمهوره عن قرب.
غير أن التأمل العميق في هذا التدافع بين وقار الفكر ومقتضيات السوق يقتضي منا صياغة موقف أكثر تركيباً وعدلاً. إن هذه الظاهرة ليست مجرد خيار فردي يتخذه الأديب بنفسه، بل هي أيضاً نتاج طبيعي لغياب المؤسسة النشرية الاحترافية وتراجع الدور النقدي المؤسسي الذي كان يتولى صناعة القيمة وإبراز النص بحرفية تريح المبدع من عناء الترويج الذاتي. وإذا كان حرص الكاتب على انتشار عمله واستفادته من الوسائط الحديثة أمراً يتفهمه واقع النشر المعاصر، فإن الفارق الدقيق يكمن في الأسلوب والمساحة المتروكة لكل فعل؛ فعندما يطغى البعد التنفيذي واللوجستي على الخطاب الثقافي، تتقلص المسافة المفترضة بين الرسالة الأدبية والعملية التسويقية. إن المطلوب ليس انكفاء المبدع في برج عاجي ينفصل فيه عن مكابدة القراء للحصول على الكتاب، بل هو ممارسة احترافية المسافة . أن يمارس الكاتب حقه في إيصال صوته بلغة تحفظ للكلمة جلالها، وللإهداء قيمته الوجدانية النبيلة، وللأديب حضوره الوازن، ليظل الأثر الأدبي مُقاساً بالأفكار وعمق التأثير قبل أي شيء آخر.







