حين يتحول الحب من حكاية لقاء عابر إلى إحساس بأن الأرواح تعرف بعضها قبل ان تتعارف الأجساد

كم

الدكتورغسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي|سوري

يقولون إن الحب إذا اشتدّ على القلب انقلب ناراً آكلة وإن الفراق قادرٌ على أن يطفئ أجمل ما أشعلته الأيام..
أما أنا فقد علّمتني حكايتنا شيئاً آخر.
علّمتني أن هناك حباً لا تملك ساعة الفراق سلطاناً عليه لأن جذوره لا تنغرس في الأرض التي تمشي عليها أجسادنا بل في مكانٍ أعمق. في تلك المساحة الخفية التي تلتقي فيها الأرواح قبل أن تتعارف الوجوه.
أتذكرين لقائنا الأول؟
كنتِ بالنسبة إلى العالم امرأةً رأيتها للمرة الأولى أما بالنسبة إلى روحي فلم تكوني غريبة أبداً.
حين وقعت عيناي عليكِ شعرتُ بشيءٍ غامضٍ يشبه العودة إلى مكانٍ قديم. لم أسأل نفسي من تكون هذه المرأة؟ بل شعرتُ دون أن أعرف لماذا أين كنتِ كل هذا العمر؟
كانت نظرتي الأولى إليكِ أشبه باستعادة ذاكرةٍ فقدتها الروح ولم يفقدها القلب.
كأنني لم ألتقِ بكِ في ذلك اليوم بل تذكرتكِ.
وكأن الأرواح قبل أن تنزل إلى تعب العالم كانت قد مرّت ذات يومٍ في فضاءٍ لا تصل إليه أقدامنا وتعارفت هناك ثم افترقت ووُعد كلٌّ منها بأن يبحث عن الآخر حين تحين الساعة.
وحين جاءت ساعة الفراق حسبتُ أنها ستفعل ما تفعله السكاكين بالأشياء: تفصلها إلى نصفين.
لكنها لم تستطع.
أخذت منا المكان ولم تستطع أن تأخذ منا الأثر.
أخذت منا القرب ولم تستطع أن تأخذ الحضور.
أغلقت الأبواب بين جسدين لكنها عجزت عن إغلاق الطريق بين روحين عرفتا بعضهما قبل أن تعرفا معنى الطريق.
وفي ذلك الصباح حين كان الفجر يمدّ خيوطه الأولى فوق بحر أوغاريت شعرتُ أن شيئاً في داخلي يهمس:
ما كان أعمق من المكان لا يهزمه الغياب.
وما كان من نصيب الروح لا تقدر عليه المسافات.

ربما لهذا أؤمن أن بعض اللقاءات لا تحدث للمرة الأولى وإنما تحدث في الوقت الذي تتذكر فيه الأرواح بعضها.
وربما لهذا كانت تلك الساعة القصيرة التي جمعت قلبينا المنفيين عن صخب العالم، أثمن من أعوامٍ طويلة قضيناها دون أن نعرف لماذا كانت الروح تبحث عن شيءٍ لا تعرف اسمه.
كانت لحظةً صغيرة في عمر الزمن..
لكنها كانت كبيرةً بما يكفي لتوقظ في داخلي سؤالاً قديماً:
هل نحب بعض الأشخاص لأننا التقينا بهم؟
أم أننا نحبهم لأن شيئاً في أعماقنا كان يعرفهم قبل اللقاء؟
لا أعرف..
لكنني أعرف شيئاً واحداً:
حين رأيتكِ للمرة الأولى، لم أشعر أنني بدأت أعرفكِ..
شعرتُ أنني تذكرتكِ.
وحين افترقنا، لم أشعر أنني فقدتكِ.
شعرتُ أن المسافة أخفتكِ عن عيني فقط وتركتكِ كاملةً في المكان الذي لا تصل إليه يد الفراق في روحي.
فنامي مطمئنة..
فإن كانت الأرواح قد التقت مرةً في هذا العالم فلعل في أسرارها القديمة ما يجعل بعض اللقاءات أكبر من الزمن وأبقى من المكان، وأعصى على الفناء.
أن نلتقي مرةً
ثم يظلّ اللقاء حيّاً فينا.
حتى حين لا تعود أيدينا قادرةً على الوصول.

عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎