
قراءة نقدية في ومضة شعرية:عندما يصبح الخذلان في الحب تحديا والخيبة بداية جديدة للشاعر كمال الدريدي |الناقدة جليلة المازني
قراءة نقدية في ومضة شعرية:
” عندما يصبح الخذلان في الحب تحديا والخيبة بداية جديدة”
الناقدة جليلة المازني
الشاعر كمال الدريدي
======= الومضة الشعرية=======
اذا كان يسكنك قلب
يخفق
ويبصر
قلب
يحيا
ويشعر
فأنصحك بالبيع
ذلك أجدر
==========================
التحليل: ” عندما يصبح الخذلان في الحب تحديا والخيبة بداية جديدة”
1- ثنائية الخذلان والاستسلام في الحب:
ان هذه الومضة الشعرية محكومة بثنائية الخذلان والاستسلام في الحب فالشاعر مسكون بالمشاعر والوجد (يسكنك قلب / يخفق/ ويبصر/ قلب يحيا ويشعر).
ان هذا القلب النابض يشي للقارئ بان هذا الحبيب مستمتع بقلبه الذي يستمد منه الحياة الجميلة ويجعله يحب الحياة.
بيْد ان الشاعر ختم ومضته بقفلة كسرت أفق انتظار القارئ ولم يكن ليتوقعها حين ختم بنصيحة (أنصحك بالبيع //ذلك أجدر).
ان الشاعر انقلب من متن الومضة الشعرية الى القفلة انقلابا كليا مما يجعل القارئ يتساءل مندهشا:
– هل أن الشاعر(الحبيب) قد عاش حالة من الخذلان في الحب (غدر/ برود عاطفي مفاجئ/ عدم التقدير والتهميش..) جعلته يستسلم للحزن ويتلاعب به التشاؤم ليبيع هذا القلب النابض؟
– هل أن الخيبة التي عاشها الشاعر قد بلغت أقصاها لتجعله يتنصل من قلبه ويستسلم للهزيمة فيتجرد من مشاعره؟
– أما كان على الشاعر وهو المحسوب على رهافة الحس ورقة المشاعر أن يتحدى خيباته العاطفية؟
– أما كان عليه أن يجعل الخيبة بداية جديدة والخذلان تحديا؟
في هذا الإطار يبدو أن الشاعر قد بلغ منه التشاؤم منتهاه ليستسلم الى الخذلان دون مقاومة.
و تمثل ثنائية الخذلان في الحب والاستسلام حسب النقاد واحدة من أقسى التجارب العاطفية التي يمر بها الانسان حيث يرتبط المفهومان بعلاقة سببية تبادلية تحول الشغف بالمحب الى خيبة وانكفاء.
ولعل الخذلان الذي عاشه الشاعر (الحبيب) قد جعله يستسلم لخيبته ويلغي مشاعره لما يسببه الخذلان والاستسلام من آثار نفسية:
* الخذلان: الصدمة وتهاوي التوقعات ويتجلى ذلك من خلال:
– كسر الأمان العاطفي: الخذلان لا يؤلم لمجرد الفراق بل لأنه يضرب شعور الأمان في العمق ويجعل هذا الحبيب يشكك في حسن تقديره للأمور الى درجة انكار المشاعر واعتبار بيعها وبيع القلب الذي يحضنها لانه لا يجد فيه السكينة والطمانية التي ينتظرها من مشاعر الحب.. انه تقدير سلبي للذات.
– فجوة التوقعات: كلما كانت التوقعات مرتفعة والتضحيات بلا حدود (قلب يخفق/ ويبصر/ قلب يحيا ويشعر) كان حجم الخذلان أعمق وأكثر تدميرا لبنية النفس.
* الاستسلام: الهروب من الألم العاطفي:
ان استسلام الشاعر الحبيب هنا يبدو ك”ردة فعل”.
ان الشاعر اختار الاستسلام عن الحب كليا ولم يغلق أبواب القلب فحسب بل اختار التخلص منه (البيع أجدر).
ان بيع القلب هو زهد عاطفي يجعل من الإسستسلام للخذلان هنا آلية دفاعية عن النفس لحماية الذات من تكرار الألم.
كأني بالشاعر الحبيب هنا يرفع شعار “عدم المحاولة” مجددا…انه عجز عن المقاومة..
ان الشاعر وضع نفسه في طريق مظلم ومسدود.
وفي هذا الإطار قد يتعاطف القارئ مع هذا الحبيب الإنهزامي والمستسلم وقد يسعى الى انتشاله من موت بطيء بالتخلص من مشاعره و قلبه الذي هو المسؤول عن الحياة من عدمها.
2- ثنائية الخذلان والتحدي:
وهنا قد يتوجه القارئ بفضوله المعهود لهذا الحبيب الذي اختار الاستسلام والانهزامية متسائلا:
-ألا يمكن أن تمنح نفسك الوقت الكافي للحزن والتعافي من هذه الخيبة القاتلة باستسلامك لها؟
– ألا يمكن أن تواجه الخيبة بل وتتحداها؟
– ألا يمكن أن تجعل هذه الخيبة بداية جديدة في الحب؟
ولعل فضول القارئ يبلغ منتهاه لدعوة الشاعر الحبيب أن يستبدل نصيحة الاستسلام بالقفلة بنصيحة التحدي للخيبة في الحب باعتبار التحدي هو ولادة القوة من رحم الانكسار.
ان التحدي هو رد الفعل الدفاعي والغريزي للإنسان لحماية كرامته وكبريائه بعد التعرض للخذلان.
وبالتالي يتحول الألم هنا من طاقة استسلام الى طاقة مواجهة ومقاومة.
وأختم قراءتي النقدية بقول الأديب الكبير جبران خليل جبران:
” أن تحزن من حقك.. أن تتألم من حقك.. أن تبكي من حقك.. لكن إياك أن تنكسر..”
بتاريخ 11/ 10/ 2026







