
خزانة الأسرار” للكاتب والشاعر الجزائري فيصل الأحمر
إصدار
:
“خزانة الأسرار” للكاتب والشاعر الجزائري فيصل الأحمر
عندما تصير الذّاتُ نصّا والذاكرةُ فسحة في الجمال.
مصطفى بوغازي/ الجزائر
عن دار رومنس القرن21 صدرت سيرة “خزانة الأسرار” للكاتب والشاعر الجزائري فيصل الأحمر والتي تمثلت في تحفة أدبية ، انسابت في قالب بليغ وممتع يجمع بين عمق التأملات الفلسفية وجماليات السرد الروائي والشعري. لا يقتصر هذا النص على كونه سرداً تقليدياً للوقائع والأيام، بل هي حفر مستمر في أرض الذات واستنطاق لمكنونات الذاكرة التي يعلق عليها الكاتب عصارة تجربته الإنسانية والوجودية، مستعيناً برؤية نقدية وفلسفية عميقة تتأمل علاقة الإنسان بالزمن، والمكان، والكتابة، والحب.
تتفتق خيوط هذه السيرة عبر عتبات وضعت مقدمتها الدكتورة وسيلة بوسيس، لتؤسس منذ البداية لمفهوم الكتابة بوصفها استنطاقاً للمناطق الصامتة وتمردًا على العتمة التي يصاب بها الإنسان وهو ينخرط في الحياة الاجتماعية. ومن هنا، ينطلق الكاتب في رحلة استرجاعية واسعة تبدأ من طفولته في مدينة الميلية وباديتها، متجاوزاً حدود الفردية الضيقة إلى آفاق جماعية وكونية تتقاطع فيها الخصوصيات الشخصية بالذاكرة الجماعية للوطن. إن الكاتب ينسج عالماً متكاملاً تتساوى فيه تفاصيل الحياة اليومية البسيطة مع أعظم التحولات الروحية والفكرية، لاستعادة الشظايا الهاربة للماضي، بدءاً الطفولة المبكرة، مروراً بالصدمات وصولاً إلى اكتشاف عالم الكبار عبر السينما والموسيقى والكتب.
ولا يمكن قراءة “خزانة الأسرار” بمعزل عن الهوس الجارف بالسينما والفنون ، فالفضاء المظلم لقاعات السينما وأشرطة الأفلام العالمية تمثل بالنسبة للكاتب مرجعاً أساسياً لفهم الحياة وتفسير تعقيداتها، حيث تتحول وجوه الممثلين الكبار ومقولاتهم الخالدة إلى مفاتيح تفك رموز الوجود البشري. يمتزج هذا العشق السينمائي بشغف مماثل للموسيقى، بدءاً من الأغاني الطربية الأصيلة وحتى الكلاسيكيات الغربية والكمنجات الحزينة التي تترجم ما تعجز اللغات عن البوح به. كما تشكل المرأة في هذا النص السر الأعظم والنبض الحي الذي يعيد ترتيب تفاصيل الخزانة؛ فهي الأم والمعشوقة والرفيقة التي تضفي على الحياة بهجتها ومعناها، وتتوج هذه الثيمة برحلة العشق الكبرى مع زوجته الشاعرة وسيلة بوسيس ( صاحبة التقديم)، لتصبح الحياة والقصيدة شيئاً واحداً يتحدى روتين الأيام وصحارى الوجود.
إن الأسلوب الذي كتب به فيصل الأحمر سيرته يتسم ببلاغة عالية تبتعد عن التكلف والزخرف اللفظي العقيم، لتنحو منحى بليغاً يشبه حكمة الحكماء أو عفوية المجانين العاشقين، كما تتجلى في النص أيضاً مواقف فلسفية عميقة من السياسة، والمجتمع، والذاكرة، وتجربة القراءة والكتابة التي يعتبرها الكاتب طريقة في الحياة وليست مجرد حرفة. وحين يغلق القاريء هذا الكتاب ، يدرك أنه لم يقرأ لمجرد تتبع حياة شخصية، بل عبر في رحلة ممتعة ومبهرة تعيد الاعتبار للمعاني النبيلة مثل الصداقة، والحب، والتعفف، وتجعل من العمر مسرحا يتسع لكل أشكال البهجة والألم، ليظل الأدب في النهاية هو الحصن الأخير الذي يحمي الإنسان من فكرة الفناء المؤكد.







