من الرقابة التقليدية إلى الحوكمة الرشيدة “الهندسة التنظيمية لمكاتب الجودة والتميز

من الرقابة التقليدية إلى الحوكمة الرشيدة “الهندسة التنظيمية لمكاتب الجودة والتميز

المؤسسي”

 

بقلم المستشار عبدالباسط صالح بن نجاح رئيس هيأة التأمين الطبي

 

 

ضرورة إنشاء مكاتب ضمان الجودة وتقييم الأداء في الوصف الوظيفي والبناء التنظيمي للوحدات الإدارية ، وكما نعلم الحوكمة الرشيدة تعد الركيزة الأساسية للنهوض بالقطاع العام وتطوير أداته ، حيث لم يعد مفهوم الإدارة الحديثة يقتصر على مجرد تسيير المرفق العام بانتظام والتزام سطحي بالنصوص التنفيذية ، بل امتد ليشمل معايير الكفاءة ، والفعالية، والشفافية والمساءلة والتحسين المستمر.

 

وفي ظل التحولات الهيكلية التي تشهدها المؤسسات المعاصرة أصبحت الحاجة ماسة إلى وضع أطر تنظيمية تتولى قياس كفاءة الأداء التشغيلي والمؤسسي والخدمي ، وضمان مطابقته للمواصفات والتشريعات المعتمدة .

ومن هذا المنطلق تتجلى ضرورة وجود وحدة ، أو قسم ، أو مكتب متخصص بضمان الجودة وتقييم الأداء داخل البناء التنظيمي لكل وحدة إدارية ، كصمام أمان كفيل بتحقيق الرقابة الوقائية والتطوير الذاتي المستدام .

 

أولاً: الأبعاد التشريعية للمشروعية التنظيمية

 

يقوم إنشاء مكتب ضمان الجودة وتقييم الأداء على سند قانوني متين يستند إلى القواعد العامة للتشريع والوظيفة العامة

 

 

مبدأ المشروعية وسيادة القانون : إن إنشاء هذه التقسيمات التنظيمية يلبي متطلبات مبدأ المشروعية ؛ حيث يعمل المكتب على التحقق من مدى التزام مختلف التقسيمات الفرعية بالنصوص القانونية، واللوائح، والقرارات التنظيمية النافذة، وضمان عدم انحراف السلطة أو مخالفة النظم الإدارية المرعية.

 

السلطة التنظيمية الممنوحة للجهة الإدارية : تستند السلطة الإدارية العليا في استحداث وتحديد هياكلها التنظيمية إلى مبدأ استمرارية المرفق العام وتطويره ، وهو ما يخولها تنظيم مكاتب تختص بالرقابة الذاتية وضمان معايير الجودة دون الحاجة إلى انتظار تدخل الجهات الرقابية الخارجية .

 

ترسيخ مبدأ المساءلة والشفافية : يشكل التقييم الدوري للأداء حجر الزاوية في تفعيل المساءلة القانونية والإدارية ، إذ يحول الشفافية من شعار مجرد إلى ممارسة حقيقية تدعم بالتقارير الموثقة والمعايير المحددة مسبقاً ، مما يحمي الموظف العام والجهة الإدارية على حد سواء .

 

ثانياً: المبررات والضرورات الإدارية وفق معايير الحوكمة الرشيدة

 

تقتضي الحوكمة المؤسسية توفير آليات تحقق رافعة للإنتاجية والحد من المخاطر الإدارية والمالية ، وذلك من خلال المبررات التالية :

 

التحول من الرقابة العقابية إلى الرقابة الوقائية والتطويرية : تعتمد الأجهزة الرقابية التقليدية غالباً على تتبع الأخطاء بعد وقوعها، بينما يعمل مكتب ضمان الجودة على الرقابة السابقة والمصاحبة ، مما يمنع وقوع

المخالفات ويقلل من الهدر الإداري والمالي .

 

قياس الأداء المؤسسي والفردي بمنهجية علمية : يمكن وجود قسم يختص بتطبيق مؤشرات الأداء الرئيسية ، وإخضاع جميع الأنشطة للمعايرة المستمرة وفقاً لدورة التحسين المستمر .

الحد من البيروقراطية وتطوير مسارات تقديم الخدمة: يعمل المكتب على توثيق وهندسة الإجراءات الإدارية ، مما يساهم في تبسيط مسارات الخدمات ، والقضاء على التداخل والازدواجية بين التقسيمات الإدارية .

إدارة المخاطر والجاهزية للمراجعة الخارجية: يعد المكتب ممثلاً داخلياً لإدارة المخاطر ، حيث يجهز المؤسسة للوفاء بالمتطلبات والتفتيشات الصادرة عن هيئات الضبطية المالية والإدارية .

ثالثاً: الاختصاصات والمهام الأساسية للمكتب

حتى يحقق هذا المكتب الأهداف المرجوة منه ينبغي تحديد اختصاصاته بموجب قرار تنظيم داخلي ، لتشمل على الأخص ما يلي :

في مجال ضمان الجودة:

وضع وتحديث نظام إدارة الجودة المعتمد للوحدة الإدارية بما يتوافق مع المعايير المحلية والدولية (مثل شهادات الأيزو).

 

إعداد وتطوير أدلة أدوات العمل، والوصف الوظيفي، وأدلة تقديم الخدمات.

نشر ثقافة الجودة والتميز المؤسسي بين منتسبي الوحدة الإدارية عبر البرامج التوعوية والتدريبية.

 

في مجال تقييم الأداء والمراجعة:

صياغة وتطبيق مؤشرات قياس الأداء للقطاعات والتقسيمات التنظيمية والموظفين.

إجراء المراجعات والتدقيق الداخلي الدوري على كفاءة سير العمل ومدى الالتزام بالخطط الاستراتيجية والتشغيلية.

رفع تقارير دورية قياسية للرئيس الأعلى للجهة الإدارية تتضمن التحليلات التشخيصية، وأوجه القصور، والتوصيات العلاجية.

 

في مجال الحوكمة والامتثال:

متابعة مدى التزام الوحدات بالتوصيات والقرارات الصادرة عن أجهزة الرقابة الرسمية .

تقييم بيئة العمل الداخلية ومستوى رضا المتعاملين والموظفين بشفافية وحيادية.

رابعاً: المقومات التنظيمية لضمان نجاح وحيادية المكتب

لكي يمارس هذا التقسيم الإداري مهامه بفعالية ودون ضغوط، يجب مراعاة الشروط التالية عند إقراره :

الارتباط التنظيمي المباشر بالقمة الإدارية : يجب أن يتبع المكتب مباشرة للرئيس الأعلى للجهة الإدارية (الوزير/ رئيس الهيئة / أو المدير العام) لضمان استقلاليته وحياديته، ولتوفير الدعم الأدبي والقانوني الصارم لتنفيذ قراراته وتوصياته.

 

التأهيل العلمي والمهني للكوادر : يتطلب هذا المكتب الاستعانة بكفاءات قانونية، وإدارية، وهندسية مؤهلة في مجالات الجودةوالمراجعةالإدارية

والحوكمة

توفير البيئة التشريعية الداخلية: إصدار لائحة تنظيمية داخلية تحدد صلاحيات مهندسي ومفتشي المكتب، وتلزم بقية التقسيمات التنظيمية بالتعاون الكامل وتوفير البيانات المطلوبة دون إبطاء.

ختاماً إن قرار استحداث وتفعيل مكتب أو قسم لضمان الجودة وتقييم الأداء في كل وحدة إدارية لم يعد ترفاً إدارياً أو خياراً تحسينياً ، بل هو ضرورة قانونية وهيكلية فرضتها قواعد الحوكمة الرشيدة ومتطلبات التنمية المستدامة.

إن تفعيل هذا الهيكل يشكل ضمانة أكيدة لحماية المال العام ، ورفع كفاءة المرفق الإداري ، وتحويل الإدارة العامة من النمط التقليدي الساكن إلى نموذج ديناميكي متطور قادر على التكيف مع التحديات وتلبية تطلعات المجتمع بأعلى درجات النزاهة والفعالية.