في مثل هذا اليوم 4 مارس 1193م..
وفاة صلاح الدين الأيوبي، سلطان أيوبي ومحرر القدس من يد الصليبيين.
بلغ صلاح الدين من العمر في عام (589هـ= 1193م) السابعة والخمسين, غير أن ما تعرض له من الإرهاق والتعب طوال مدة اصطدامه بالصليبيين أنهك صحته, وقد أقام في بيت المقدس إلى أن علم برحيل ريتشارد قلب الأسد؛ فالتفت إلى تنظيم الشئون الإدارية لإقليم فلسطين, غير أن العمل أَلَحَّ عليه بضرورة المسير إلى دمشق.
الملك الناصر أبو المظفر صلاح الدين والدنيا يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدُويني التكريتي (532 – 589 هـ / 1138 – 1193 م)، المشهور بلقب صلاح الدين الأيوبي قائد مسلم أسس الدولة الأيوبية التي وحدت مصر والشام والحجاز وتهامة واليمن في ظل الراية العباسية، بعد أن قضى على الدولة الفاطمية التي استمرت 262 سنة. قاد صلاح الدين عدّة حملات ومعارك ضد الفرنجة وغيرهم من الصليبيين الأوروبيين في سبيل استعادة الأراضي المقدسة التي كان الصليبيون قد استولوا عليها في أواخر القرن الحادي عشر، وقد تمكن في نهاية المطاف من استعادة معظم أراضي فلسطين ولبنان بما فيها مدينة القدس، بعد أن هزم جيش بيت المقدس هزيمة منكرة في معركة حطين.
كان صلاح الدين يقول بمذهب أهل السنة والجماعة، وروي أن عبد القادر الجيلاني دعا له عندما رآه بالبركة فيه، خلال «زيارة خفية» لنجم الدين أيوب وأسرته ببغداد سنة 533 هـ/1138م، وهذا يفسر اتباعه الطريقة القادرية فيما بعد وبعض العلماء كالمقريزي، وبعض المؤرخين المتأخرين قالوا: إنه كان أشعريًا، شافعي المذهب، وإنه كان يصحب علماء الصوفية الأشاعرة لأخذ الرأي والمشورة، وأظهر العقيدة الأشعرية. يشتهر صلاح الدين بتسامحه ومعاملته الإنسانية لأعدائه، لذا فهو من أكثر الأشخاص تقديرًا واحترامًا في العالمين الشرقي الإسلامي والأوروبي المسيحي، حيث كتب المؤرخون الصليبيون عن بسالته في عدد من المواقف، أبرزها عند حصاره لقلعة الكرك في مؤاب، وكنتيجة لهذا حظي صلاح الدين باحترام خصومه لا سيما ملك إنجلترا ريتشارد الأول «قلب الأسد»، وبدلاً من أن يتحول لشخص مكروه في أوروبا الغربية، استحال رمزًا من رموز الفروسية والشجاعة، وورد ذكره في عدد من القصص والأشعار الإنجليزية والفرنسية العائدة لتلك الحقبة.
وفي ذات الوقت فإنَّ ما تجمع في أثناء السنوات الأربع التي أمضاها صلاح الدين في القتال من مشاكل إدارية وتراكم الأعمال التنظيمية, استدعى أن يؤجل زيارته لمصر, وتأدية فريضة الحج, وتَطَلَّبَ منه بذل مجهودٍ كبيرٍ لتعويض ما خَرَّبته الحروب.
وما تهيأ له من وقت الفراغ أمضاه في المناقشات مع العلماء في المسائل الدينية, وكان يخرج للصيد أحيانًا, على أن كل من شاهده ممن يعرفه, في أواخر الشتاء أدرك أن صحته انهارت, فصار يشكو من التعب والنسيان, ولم يعد باستطاعته أن يستقبل الناس.
وفي (16 من صفر عام 589هـ= 21 من فبراير عام 1193م) انتابته حُمَّى صفراوية استمرت اثني عشر يومًا, وقد تحمل أعراض المرض بجَلَدٍ وهدوء, وقد علم أن النهاية اقتربت. وفي (24 من صفر= أول مارس) انتابته غيبوبة, وبعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء في (27 من صفر= 4 من مارس) وبينما كان الشيخ أبو جعفر -إمام الكلاسة- يتلو أمامه القرآن, حتى إذا انتهى إلى قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [الحشر: 22], فتح صلاح الدين عينيه وتبسم, وتهلَّلَ وجهه, وسمعه وهو يقول: “صحيح..” ثم مضى إلى ربه في قلعة دمشق؛ فتولى تجهيزه القاضي الفاضل والقاضي المؤرخ ابن شداد, وغَسَّلَه خطيب دمشق..
واجتمع الناس في القلعة, وصَلَّوا عليه ودُفِنَ فيها, وعَمَّ الحزنُ الكبارَ والصغارَ, ثم جلس ابنه الملكُ الأفضلُ عليٌّ للعزاء ثلاثة أيام, وأرسل الكتب إلى أخيه العزيز عثمان في مصر, وأخيه الظاهر غازي في حلب, وعمه العادل في الكرك، فحضروا, ثم حُصِرَت تَرِكَتُه فكانت دينارًا واحدًا وستةً وثلاثين درهمًا, ولم يُخَلِّفْ من المال سواها ثابتًا أو منقولاً………!!






