.فى مثل هذا اليوم10يوليو1919م..
الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون يعرض نص معاهدة فرساي التي أنهت الحرب العالمية الأولى.
معاهدةُ ڤرساي (بالإنجليزية: Treaty of Versailles)، (بالفرنسية: Traité de Versailles)، (بالألمانية: Versailler Vertrag) أو «صلح ڤرساي»، أو «معاهدةُ السلامِ بينَ القوى المتحالفةِ والمرتبطةِ معها وبينَ ألمانيا» بحسبِ الاسمِ الرسمي، هي المعاهدةُ التي أسدلتِ الستارَ من جانب القانونِ الدوليِّ على أحداثِ الحرب العالمية الأولى. وُقِعَ عليها بعدَ مفاوضاتٍ شاقّةٍ وعسيرةٍ استمرَّت ستةَ أشهرٍ هي وقائعُ مؤتمرِ باريسَ للسلامِ (دخلتِ الهدنةُ العامةُ مع ألمانيا حيز التنفيذ في الساعة الحادية عشرة من ضحى يوم 11 /11 /1918). وقَّعَ الحلفاءُ المنتصرونَ في الحرب اتفاقيَّاتٍ منفصلةً معَ دولِ المركزِ الخاسرةِ وهي الرايخ الألمانيّ، والإمبراطورية النمساوية-المجرية، والدولة العثمانية، ومملكةُ بلغاريا. سُلمَتِ الصياغةُ النهائيةُ للنصّ الذي تمَّ الاتفاقُ عليهِ إلى الحكومةِ الألمانية في 7 مايو/أيار 1919 للموافقةِ عليِهِ من قِبَلِها، وجرتْ مراسمُ التوقيعِ في 28 يونيو/حزيران 1919م. تضمّنَتِ المعاهدةُ الاعترافَ الألمانيَّ بالمسؤوليةِ الكاملةِ عنِ الحرب ما أثارَ حنقاُ واسعاً داخلَ ألمانيا فقدِ اعتبرَ تنازلاً عن الكرامةِ الوطنيّةِ، فألمانيا وإنْ كانَ عليها نصيبُها من المسؤوليّةِ إلا أنَّه ليستِ المسؤوليّةُ كاملةً. لقدْ كانَ بنداً مثيراً لكثيرٍ منَ الجدلِ: «إقرارُ ألمانيا وحلفائِها بمسؤوليّتِهم عنِ التسببِ في جميع الخسائرِ والأضرارِ» التي وقعتْ أثناءَ الحربِ (تضمنتِ المعاهداتُ معَ دولِ المركزِ الأخرى موادَّ مماثلةً). أضحت هذهِ المادةُ (المادة 231) تُعرفُ باسمِ «بندِ ذنبِ الحربِ».
تمخّضتِ المعاهدة عن تأسيسِ عصبة الأمم التي أريدَ منها الحيلولةُ دونَ وقوعِ نزاعٍ مسلّحٍ بينَ الدولِ كما حدثَ في الحرب العالمية الأولى، ونزعِ فتيلِ النزاعاتِ الدوليةِ قبلَ انفجارها. ألزمتِ المعاهدةُ ألمانيا بخسارةِ بعضٍ من أراضيها وتقديمِ تنازلاتٍ إقليميّةٍ واسعةٍ، وتقاسمتِ الدولُ المنتصرةُ الرئيسةُ مستعمراتِها في إفريقيا والمحيط الهادي. وخسرتِ الدولة العثمانية -كذلك- أراضيَ شاسعةً في آسيا وانتهت إمبراطوريّتها نهائيّاً، وتوزعت ممتلكاتُ الإمبراطورية النمساوية المجرية على عدةِ بلدانٍ في وسطِ القارةِ وشرقها وذلكَ بموجبِ معاهداتٍ لاحقةٍ لمعاهدةِ ڤرساي.
فيما يتعلقُ بالقيودِ العسكريَّةِ على ألمانيا فرضتِ المعاهدةُ ضوابطَ وقيوداً صارمةً جداً على الآلةِ العسكريةِ الألمانيةِ بغيةَ منعِ الألمانِ من إشعالِ حربٍ ثانيةِِ، فنصّت على تجريدِ الجيشِ الألمانيّ من السلاحِ الثقيلِ، وإلغاءِ نظامِ التجنيدِ الإلزاميِّ المعمولِ به، والاحتفاظِ بمئةِ ألفِ (100,000) جنديٍّ عاملٍ فقط. بما فيه الالتزامِ بـخمسةَ عشرَ ألفَ (15,000) عنصرٍ عاملٍ (ما بين ضباطٍ وجنود) في البحريَّةِ، وعدمِ بناءِ قوّةٍ جويّةٍ، وتحديدِ السفنِ الحربيَةِ بعددٍ محدودٍ، ومنعِها بتاتاً من بناءِ غوّاصاتٍ حربيَّة. كما فُرِضَ عليها ألاّ يحقَّ البقاءُ في الخدمةِ العسكريةِ أقلَّ منْ اثنيْ عشرَ (12) عاماً للجنودِ وخمسةٍ وعشرينَ (25) عاماً للضبّاطِ بحيثُ يغدو الجيشُ الألمانيُّ قائماً على الكفاءاتِ العسكريّةِ غيرِ الشابّة.
ثمَّ جاءَ دفعُِ التعويضاتِ لبعضِ البلدانِ. حُدّدت هذهِ التعويضاتُ بمبلغِ تسعةٍ وستينَ ومئتيْ (269) مليارِ ماركٍ ألمانيٍّ ذهبيٍّ، ثمَّ خُفّضَ عدةَ مراتٍ فيما بعدُ، وبحسبِ خبراءٍ اقتصاديّينَ فإنها -رغمَ التخفيضاتِ- بقيت مغالىً فيها. ونتجَ عن ذلكَ أنْ أثقلتِ الديونُ الاقتصادَ الألمانيَّ المنهَكَ بسببِ الحربِ وتبعاتِها مما رفعَ درجةَ الغضبِ والغليانِ الشعبيِّ، وأسهمَ في النهايةِ في اندلاعِ الحربِ العالميّةِ الثانيةِ.
كانَ الاقتصاديُّ البريطانيُّ اللامعُ جون مينارد كينز (1883-1946م) -عضوُ الوفدِ البريطانيِّ إلى مؤتمرِ پاريسَ للسلامِ- بعيدَ النظرِ عندما وصفَ معاهدةَ ڤرسايَ بعبارتهِ الشهيرةِ: «سلامٌ قرطاجيٌّ» (إشارةً لمّاحةً منهُ إلى تدميرِ الرومان قرطاجةَ كليّاً؛ لقد حققوا السلامَ، ولكن على أنقاضِ دولة)، واعتبرَ أن من شأنِها أنْ تدمرَ ألمانيا اقتصاديّاً، وأنها ذاتُ نتائجَ عكسيّةٍ. وقد بقيَ هذا الأمرُ موضوعَ أخذٍ وردٍّ دائمين من قبلِ المؤرخينَ والاقتصاديّينَ على حدٍّ سواء.
من ناحيةٍ أخرى رأت شخصياتٌ بارزةٌ من الحلفاءِ المعاهدةَ من وجهةِ نظرٍ أخرى، فقد انتقدها ماريشال فرنسا فرديناند فوش (1851-1929م) -القائدُ الأعلى لجيوش الحلفاءِ الذي وقَّعَ على الهدنةِ مع الألمانِ- لأنها تُعامل ألمانيا بشكلٍ متساهلٍ للغاية، ووصفها بقولهِ: «هذا ليسَ سلاماً، إنّهُ فقط هدنةٌ لمدةِ عشرينَ عاماً»، ما اعتبرَ -فيما بعدُ- نبوءةً غيرَ مسبوقةٍ. ويُروى أنَّ صحافيّاً سألَ جورج كلمنصو رئيسَ الوزراءِ الفرنسي (1917-1920م) عن سببِ عدائِهِ للألمانِ -وقد اشتهرَ بتصلبهِ الشديدِ أثناءَ المفاوضاتِ- وقالَ له: «هلْ ذهبتَ يوماً إلى ألمانيا ورأيتَ الألمانَ؟»، فأجابَ: «لا، ولكني خلالَ حياتي رأيتُ الألمانَ مرتينِ يأتونَ إلى فرنسا» (إشارةً منه إلى الحربِ الفرنسيةِ-الپروسيةِ (70-1871م) عندما احتل الألمان باريس، والحرب العالمية الأولى)، وسواءً كانتِ الروايةُ صحيحةً أم صيغت على سبيلِ «المُضحك-المُبكي» فإنها تصورُ الروحَ والجِواءَ التي جرت فيها المفاوضاتُ التي أدّت إلى معاهدةِ ڤرساي.
سمّيتِ المعاهدةُ معاهدةَ فرسايَ على اسمِ المكانِ الذي جرت فيه مراسمُ توقيعِها النهائي وهو قاعةُ المرايا الشهيرةُ في قصر فرسايَ التاريخيِّ في ضواحي باريسَ، لكنَّ معظمَ المفاوضاتِ جرت في باريسَ، وعُقدتِ اجتماعاتُ «الأربعةِ الكبارِ»؛ بريطانيا وفرنسا وإيطاليا والولاياتِ المتحدةِ بشكلٍ عامٍّ في مقر وزارةِ الخارجيةِ الفرنسيّةِ (بالفرنسية: Quai d’Orsay).
المساق التاريخي
المقالة الرئيسة: آثار الحرب العالمية الأولى
«مجمل القول إن عام 1914 قد دشن عصر المذابح» –
إيريك هوبزباوم: عصر التطرفات، القرن العشرون الوجيز/ ص. 68.
الهدنة
المقالات الرئيسة: هدنة الحرب العالمية الأولى وجمهورية فايمار
ماريشالُ فرنسا فرديناند فوش Foch الثاني من اليمينِ، صاحب المقولة الشهيرة «أفضل وسيلةٍ للدفاع هي الهجوم».
أُخذت هذهِ الصورةُ خارجَ مقطورةِ القطارِ التي شهدت توقيعَ الهدنةِ في كومبيين-فرنسا بينَ الألمانِ والحلفاءِ؛ المقطورةُ التي أصرَّ هتلرُ على توقيعِ الهدنةِ فيها مع فرنسا العامَ 1940، ونقلها إلى برلين ثم أمر بتفجيرها قبيل انتحاره.
خريفَ العام 1918 شرعت دول المركز في الانهيار. بدأت معدلات الفرار داخل الجيش الألماني بالازدياد، وخفضتِ الضربات على المدنيين بشكلٍ كبير من الإنتاج الحربي. على الجبهة الغربية شنت قوات الحلفاء هجوم «مئة اليوم» وهزمت جيوش الغربِ الألمانيّةِ بشكلٍ حاسمٍ. تمرد بحارة البحريةِ القيصريةِ الألمانيّةِ في كيل وسرعان ما تطور الأمر إلى اندلاعِ انتفاضاتٍ شعبيةٍ في ألمانيا ما أصبح يُعرف باسم الثورة الألمانية (18–1919). أُعلنتِ الجمهورية فيما القيصر في زيارةٍ إلى هولندا، وأرسل له المستشار (رئيس الوزارة الديمقراطي الاشتراكي) طالباً منه التنازل، وعندما منحته الحكومة الهولندية بحفزٍ من قريبته الملكة فلهلمينا اللجوءَ، كانتِ القيصرية قد أضحت من الماضي. حاولتِ الحكومة الألمانية التوصل إلى تسويةٍ سلميّةٍ على أساس نقاط ويلسونَ الأربع عشرة، وأكدت أنها ستوقع الهدنة على هذا الأساس. عفب المفاوضات وقع الطرفان في الساعة الخامسة فجراً هدنةً (بعد يومين من تنازل الفيصر) دخلت حيز التنفيذ في اليوم نفسه الساعة الحادية عشرة ضحَى يوم 11 نوفمبر/تشرين الثاني بينما القوات الألمانية لاتزال متمركزةً في فرنسا وبلجيكا.
شهدتِ الهدنة بعد انتهائها في (13 /12 /1918) ثلاثة تمديداتٍ حتى دخول معاهدة فرساي حيز التنفيذ؛ الأولى (13 /12 /1918 – 16 /1 /1919)، والثانية (16 /1 /1919 – 16 /2 /1919)، والثالثة (16 /2 /1919 – 10 /1 /1920). فرضتِ الهدنة إطلاقَ جميع الأسرى، وعودةَ الجيش الألماني في الشرق إلى حدودِ ما قبل الحرب، وتسليمَ معداتٍ حربيةٍ، وإلغاءَ معاهدتَيْ برست ليتوفسك وبوخارست لعام 1918، كما اشترطت إجلاءً فورياً للقوات الألمانيةِ من بلجيكا ولوكسمبورچ والأراضي الفرنسية المحتلة في غضون خمسةَ عشرَ يوماً. علاوةً على احتلال منطقة الراينلاند من قبل الحلفاء. أواخرَ العامِ 1918 دخلت قوات الحلفاءِ ألمانيا، وبدأتِ احتلالها، وأسست «مفوضية راينلاند العليا المتحالفة».
الحصار
المقالة الرئيسة: حصار ألمانيا
اعتمدت ألمانيا وبريطانيا على واردات المواد الغذائية والمواد الخام التي توجب شحن معظمها عبر الأطلسي. كان حصار ألمانيا (14-1919) عمليةً بحريةً قام بها الحلفاء لوقف توريد المواد الخام والمواد الغذائية لدول المركز. كانت عمليات بحريّةِ القيصريّةِ الألمانيّةِ مقتصرةً بشكلٍ أساسيٍّ على الخليج الألماني، واستخدمتِ المغيرين التجاريين [الإغارات على السفن التجارية] والحرب بواسطة الغواصات غير المقيدة [لأنها تستطيع تجاوز نطاق الحصار] لعمل حصارٍ مضاد. صرح المجلس الألماني للصحة العامة في ديسمبر/كانون الأول 1918 أن 763 ألف مدنيٍّ ألمانيٍّ ماتوا أثناء حصار الحلفاء، على أن دراسةً أكاديميّةً عامَ 1928 قدرت عدد الموتى بـ424 ألفاً.
دام الحصار ثمانية أشهرٍ بعد توقيع الهدنةِ في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1918، وفي العام 1919 جرى التحكم في واردات المواد الغذائية من قِبَلِ الحلفاء حتى وقعت ألمانيا معاهدة فرساي. في مارس/آذار 1919 أبلغ ونستون تشرشل -وزير شؤون الحرب والطيران- مجلسَ العموم أن الحصارَ المتواصل كان ناجحاً وأن «ألمانيا قريبة جداً من المجاعة». من يناير/كانون الأول 1919 إلى مارس/آذار 1919 رفضت ألمانيا مطالبَ الحلفاء بتسليم سفنها التجارية إلى موانئ الحلفاء لنقل الإمدادات الغذائية. اعتبر البعض أنه بما أن الهدنة وقفٌ مؤقتٌ للحرب فإن اندلاع القتال مرةً أخرى سيؤدي للاستيلاء على الأسطول الألماني. أضحى الوضع يائساً شتاءَ العام 1919 حتى وافقت ألمانيا أخيراً على تسليم أسطولها التجاري في مارس/آذار، ثم سمح الحلفاء باستيراد مئتين وسبعين (270) ألف طنٍّ من المواد الغذائية.
جادل المراقبون -من ألمانٍ وغيرهم- بأن أشهر الحصار هذه كانتِ الأكثرَ رَهَقاً على المدنيين الألمان على الرغم من استمرار الخلاف حول مدى ومن هو المخطئ حقاً. وفقاً للدكتور «ماكس روبنر» لقيَ مئة ألف مدنيٍّ ألمانيٍّ حتوفهم بسبب استمرار الحصار بعد الهدنة. كما أصدر عضو حزب العمال والناشط المناهض للحرب «روبرت سميلي» في المملكة المتحدة بياناً في يونيو/حزيرانَ 1919 يدين استمرار الحصار زاعماً أن مئة ألفِ مدنيٍّ ألمانيٍّ شهدوا نهاية حياتهم نتيجة ذلك.
مبادئ ويلسون الأربعة عشر ولجنة التحقيق
صوّت الكونجرس الأمريكي على إعلان الحرب على ألمانيا في السادس من أبريل/نيسان من العام 1917. كان الرئيس وودرو ويلسون في رؤياه يهدف إلى فصل الحرب عن الخلافات والطموحات القومية، وفي الثامن من يناير/كانون الثاني 1918 عرض ويلسون النقاطَ الأربعَ عشرةَ في خطابٍ له على الكونجرس، حيث وُضعتِ الخطوط العريضة لسياسة «التجارة الحرة»، والاتفاقيات المفتوحة، والديمقراطية، وفي حين لم يُستخدم مصطلح «تقرير المصير» (بالإنجليزية: self-determination) إلا أنه جرى افتراضه، كما دعتِ النقاط الأربعَ عشرةَ إلى إنهاءِ الحرب عن طريق التفاوض، ونزعِ السلاح الدولي، وانسحابِ دول المركز من الأراضي المحتلة بما فيها آسيا العربية، وإنشاءِ دولةٍ بولنديةٍ، وإعادةِ ترسيمِ الحدودِ في أوروپا على أسسٍ عرقيةٍ [أي قوميةٍ]، وتشكيل عصبة الأمم؛ هيئةٍ دوليةٍ لضمان الاستقلال السياسي وسلامة أراضي جميع الدول. ودُعيَ إلى سلامٍ عادلٍ وديمقراطيٍّ غير قابلٍ للتسوية في موضوع ضمِّ الأراضي. استندت هذه النقاطُ الأربع عشرة إلى البحث الاستقصائي حول الموضوعات التي من المحتمل أن تثار في مؤتمر السلام المتوقع، والذي أجراه فريق دُعي «لجنة التحقيق» برئاسة مستشار السياسة الخارجية للرئيس ويلسون «إدوارد إم هاوس».!!






