تشكل الوعي النقدي في الثقافة العربية بقلم د عبد الكريم الحلو

تشكّل الوعي النقدي في الثقافة العربية
د. عبد الكريم الحلو
( الحلقة الاولى )

🔴 المقدّمة :
كأنني الآن أقفُ أمام تاريخ النقد الأدبي
العربي كما يقفُ الابن أمام شجرة العائلة
ألمس جذورها لأطمئنّ أن النسغ ما زال حيًّا، وأتأمل أغصانها لأرى كيف تعاقبت الفصول ولم ينقطع الخُضار.

🟣 ليس من المعقول أن أمةً أنجبت أصحاب المعلقات، وعلّقت البيان على أستار الذاكرة، لم تُنجب في الوقت ذاته من يزن الكلمة بميزان الذهب، ويُقوّم الاعوجاج، ويُفرّق بين الشعر بوصفه انفعالًا، والشعر بوصفه صناعة.

منذ ساحات سوق عكاظ ، حيث كانت القصيدة تُعرض على السامعين كما تُعرض الجواهر على الصاغة،

مرورًا بعصور التدوين والتقعيد، حيث خطّ الجاحظ رؤيته للبيان، ونظّر قدامة بن جعفر للشعر بوصفه صناعةً لها حدود،
ووضع الأمدي ميزان المقارنة بين الشعراء لم يكن النقد ظلًا للشعر، بل كان توأمه الذي يحرسه من الفوضى، ويمنحه شرعيته الجمالية.

🟣 إن تأمّلي لمسار النقد ليس حنينًا إلى ماضٍ مكتمل، بل إيمانٌ باستمرارية العقل الجمالي العربي؛ عقلٍ لم ينقطع، بل تبدّل في أدواته، واتّسع في أسئلته.

نحن لم نأتِ لنبدأ من فراغ
بل جئنا لنُكمل بناءً صحيحًا
ونكشف ما شابه من تصدّع
ونُشخّص الفكر الهجين أو الضعيف
لا بدافع الهدم
بل بدافع التنقية والتجويد

فالنقد في جوهره حبٌّ صارم
حبٌّ للشعر، وللحقيقة
وللجمال حين يكون صادقًا لا مزيفًا
ومن هذا الحبّ يبدأ الطريق
ولا ينتهي

أنا من سلالة حرفٍ
إذا تنفّس
أورق في دمي وزنٌ وقافية

وأنا إذا لامستُ بيتًا من الشعر
أحسستُ أن قلبي
يستعيد نبضه الأول

علّمتني القصيدة
أن أرى العالم
بعينٍ تغسلها الدهشة

وأن أؤمن
أن اللغة ليست أصواتًا
بل كائناتٌ حيّة
تمشي بيننا
وتختار من يصادقها

يا شعرُ
يا سرَّ ارتعاش الروح
حين يكتمل المعنى
ويفيض

أحببتك
كما يُحبُّ المتعب نافذته
وكما يُحبُّ الغريب اسمه
حين يُنادى في وطن

فيك وجدتُ نفسي
وفي نقدك وجدتُ عدالتي
وفي بيانك وجدتُ يقيني
أن الجمال
هو الطريق الأصدق إلى الحقيقة

فدعني أمشِ معك
ما دام في الصدر نفس
وما دام في القلب شغف

دعني أكون خادمَ المعنى
وحارسَ الضوء
وسادنَ الكلمة

فإن انطفأت أصوات كثيرة
سيبقى الشعر
نبضي الأخير
وأول يقظتي

🔴 الهدف من المقال :
يهدف هذا المقال إلى تتبّع مسار تشكّل النقد الأدبي في الثقافة العربية منذ جذوره الفطرية في العصر الجاهلي،

مرورًا بتحوّلاته المؤسسية في سوق عكاظ، وتطوّره الوظيفي في العصر الأموي،
ثم نضجه المنهجي في العصر العباسي، وصولًا إلى عصور الانحسار، فالنهضة الحديثة، وانتهاءً بالمقاربات النقدية المعاصرة.

🟣 حديثي طويل وسيكون على شكل حلقات اتمنى ان تكون غير ممله، واسعى بمقالي هذا إلى إبراز العلاقة الجدلية بين التحوّل الحضاري وتطوّر الوعي النقدي، وبيان :
كيف انتقل النقد من الذائقة والسليقة
إلى النظرية والمنهج ؟
مع التأكيد على استمرارية النقد العربي وقدرته على التجدّد.

لم يكن النقد الأدبي في الثقافة العربية خطابًا طارئًا أو نشاطًا ثانويًا، بل كان ملازمًا للقول الشعري منذ نشأته الأولى.

غير أن هذا النقد لم يتخذ شكله العلمي إلا عبر مسار تاريخي طويل، تداخلت فيه العوامل اللغوية والاجتماعية والسياسية والفكرية.

ومن هنا تأتي أهمية هذا البحث في كونه محاولة لقراءة النقد العربي لا بوصفه تواريخ متجاورة، بل بوصفه تحوّلًا في العقل الجمالي العربي.

🔴 النقد الفطري في العصر الجاهلي :
الشعر بوصفه ميزان القبيلة :

كان الشعر في العصر الجاهلي المرجع الأعلى للقيم، ووسيلة إثبات الوجود الرمزي للقبيلة.
ولم تكن الحاجة قائمة إلى نقد منظّم، لأن السليقة اللغوية والذائقة الجمعية كانتا تؤديان وظيفة التقويم والفرز.

لقد امتلك العربي قدرة فطرية على التمييز بين جودة الشعر ورداءته، من خلال الإيقاع والصورة وصدق التجربة.

ويمكن وصف هذه المرحلة بأنها مرحلة النقد الذوقي الفطري، حيث يغيب المصطلح ويحضر الحسّ الجمالي.

🔴 سوق عكاظ وبدايات النقد المؤسسي:
مع ظهور سوق عكاظ، انتقل النقد من فضائه الفردي إلى فضاء جماعي علني.

فقد صار الشعر يُعرض على نخبة من البلغاء، ويخضع للمناقشة والتقويم.

ويمثّل النابغة الذبياني نموذجًا مبكرًا للناقد، إذ لم تقتصر أحكامه على الإعجاب أو الرفض، بل شملت ملاحظات تتصل بالبناء الفني، والمطلع، والخاتمة، وسلامة الوزن. وهنا تتشكّل أولى ملامح الوعي النقدي المؤسَّس.

🔴 النقد في العصر الأموي
الشعر بين السياسة والصراع

في العصر الأموي، ارتبط الشعر بالصراع السياسي والقبلي، فتحوّل النقد إلى أداة مواجهة. وتجسّد ذلك بوضوح في فن النقائض، حيث كانت المناظرة الشعرية ميدانًا نقديًا حيًا.
أصبحت المعايير النقدية آنذاك قائمة على:
• قوة الحجة،
• سرعة الرد،
• القدرة على هدم صورة الخصم بلاغيًا.
وهكذا اكتسب النقد بعدًا وظيفيًا وجدليًا.

🔴 العصر العباسي وميلاد النقد المنهجي
يمثّل العصر العباسي الذروة في تاريخ النقد العربي، حيث تضافرت حركة الترجمة مع ازدهار العلوم والفلسفة، فانتقل النقد إلى مرحلة التنظير.
أسهم الجاحظ في ترسيخ ثنائية اللفظ والمعنى، ووضع قدامة بن جعفر تعريفًا منطقيًا للشعر، بينما اشتغل ابن المعتز على جماليات الصورة، وبلغ النقد المقارن ذروته مع الآمدي. وهنا أصبح النقد علمًا له أدواته ومفاهيمه.

🔴 عصور الانحسار والجمود :
(من سقوط بغداد 656هـ – 1258م
حتى أواخر العهد العثماني)
ينبغي من منظورٍ بحثي الحذر من التعميم؛ فهذه المرحلة لم تكن خاليةً تمامًا من النشاط النقدي، لكنها افتقدت إلى التحوّل النظري والإضافة المنهجية، وغلب عليها الطابع الشَرحي والتعليمي.
أبرز الأسماء:

إبن منظور :
في لسان العرب حافظ على التراث اللغوي، وأسهم في تثبيت المادة التي كان النقد يستند إليها، وإن لم يقدّم تنظيرًا نقديًا جديدًا.

صلاح الدين الصفدي :
في الوافي بالوفيات وكتبه الأدبية قدّم مادة نقدية توثيقية تعتمد على المقارنة والوصف.

• جلال الدين السيوطي :
في كتابه بغية الوعاة وأعماله البلاغية، مثّل الامتداد المدرسي لعلوم البلاغة دون تجديد منهجي جوهري.

• ابن خلدون :
ويُعدّ استثناءً لافتًا؛ ففي المقدمة قدّم قراءة سوسيولوجية للأدب والشعر، رابطًا بين الإبداع والعمران، وهو ما يمكن اعتباره إرهاصًا مبكرًا للنقد الاجتماعي.

خلاصة القول لهذه المرحلة:
النقد ظلّ تابعًا لعلوم البلاغة واللغة، ولم يتحول إلى ممارسة تحليلية مستقلة،
بل بقي أسير الشرح والحواشي.

🔴 النهضة الحديثة :
واستعادة الدور النقدي
(القرن التاسع عشر وبدايات العشرين)
مع الطباعة، والبعثات، والاحتكاك بالفكر الأوروبي، بدأ النقد يتحرر من الإطار البلاغي التقليدي، ويتجه نحو المناهج التاريخية والاجتماعية والنفسية.

🔴 أبرز النقاد المؤسسين:

رفاعة الطهطاوي :
فتح الباب للوعي المقارن عبر اطلاعه على الفكر الفرنسي، ومهّد لتحديث الذائقة الأدبية.

محمد حسين هيكل :
في كتاباته النقدية دعا إلى قراءة الأدب في سياقه الحضاري والاجتماعي.

طه حسين :
مثّل التحول المنهجي الأبرز؛ إذ أدخل المنهج التاريخي الشكّي، ولا سيما في في الشعر الجاهلي، مؤسسًا لقراءة عقلانية للنص.

• عباس محمود العقاد :
ركّز على البعد النفسي والفردي في دراسة الشعراء، خاصة في سلسلة العبقريات.

• أحمد
قدّم قراءة تاريخية ثقافية في فجر الإسلام وضحى الإسلام، رابطًا الأدب بتطور الفكر.

• أحمد أمين :
أدخل النزعة الاجتماعية التطورية في قراءة الأدب.

🔴 الخاتمة :
يمكن القول إن الفرق الجوهري بين المرحلتين هو:
• في عصور الانحسار :
كان النقد تابعًا للنص ومقيدًا بعلوم البلاغة.
• في النهضة الحديثة :
أصبح النقد فاعلًا في إعادة تعريف النص، مستندًا إلى مناهج علمية حديثة.

وبذلك انتقل النقد العربي من وظيفة الشرح والتقعيد إلى وظيفة التأويل والتحليل وإعادة إنتاج المعنى.

وفي ختام هذا المسار
لا نقف عند آخر سطرٍ
كما يقف العابر عند بابٍ موصد
بل نقف كما يقف الحالم
عند أفقٍ يتّسع كلما ظنّه اقترب

فالنقد ليس تاريخًا يُطوى
ولا مناهج تُرصّ في رفوف الجامعات
بل هو روحٌ تمشي مع اللغة
تكبر إذا كبر السؤال
وتضيء إذا اشتدّ الظلام

هو ذلك الحوار الخفي
بين النصّ وقارئه
بين الماضي وصوته البعيد
وبين المستقبل وهو يتشكّل
في رحم الفكرة

من خيمة الجاهلي
إلى مجالس العباسيين
ومن مطابع النهضة
إلى مختبرات الحداثة
ظلّ العقل العربي
ينقّب في المعنى
كما ينقّب العاشق في ملامح الحبيبة
باحثًا عن سرّ الجمال الأول

فإذا تغيّرت الأزمنة
وتبدّلت الأسماء
وتنوّعت المناهج
يبقى السؤال واحداً :
كيف نقرأ؟
وكيف نمنح النص حياةً أخرى؟

هكذا يظلّ النقد وعدًا مفتوحًا
وحلمًا يتجدّد مع كل قراءة
وطريقًا لا ينتهي عند منعطف

د. عبد الكريم الحلو
كاتب وناقد ادبي عراقي

للحديث بقية :
الى اللقاء في الحلقة ( ٢ )

المراجع :
• الجاحظ، البيان والتبيين
• قدامة بن جعفر، نقد الشعر
• ابن المعتز، البديع
• الآمدي، الموازنة بين الطائيين
• شوقي ضيف، تاريخ النقد الأدبي عند العرب

الهام عيسى
الهام عيسى
المقالات: 5356