قراءة نقدية الثلاثية الققجية بين الوجداني والوجودي قراءة بقلم الناقدة جليلة المازني لثلاثية عبور للكاتبة الهام عيسى

قراءة نقدية :”الثلاثية الققجية بين الوجداني والوجودي”

الثلاثية الققجية “عبور”

الكاتبة السورية: الهام عيسى

الناقدة التونسية: جليلة المازني

المقدمة:

ان الكاتبة الهام عيسى قد جمعت في هذه الثلاثية الققجية بين الشكل الجذاب وعمق النص لزيادة التأثير السردي في الثلاثية الققجية.

إن هذه الموازنة بين الشكل والمضمون تقتضي سمات محددة في قراءة هذه الثلاثية الققجية كمقياس لمدى الحكائية والقصصية بها.

* التحليل: “الثلاثية الققجية بين الوجداني والوجودي”

1- في قراءة العنوان:”عبور”

أسندت الكاتبة عنوانا للثلاثية الققجية مفردة في صيغة المصدر (عبور) .

والعبور يمثل نقطة تحوّل حاسمة : من….الى….

والعبور كرمز(الادب والاجتماع) حسب المختصين “يشير الى رحلة نفسية أو مكانية وغالبا ما يرتبط بمشاعر الاغتراب التغيير والبحث عن الهوية مثل” العبور الى اللامكان” في الأدب الحديث”.

ولعل القارئ في هذا الاطار يثير ثنائية الوجداني والوجودي:

والعلاقة بين الوجداني(المشاعر/ العواطف)والوجودي(حقيقة وجود الانسان/ اختياراته وتجربته في الحياة) هي علاقة تبادلية وتكاملية وثيقة حيث يشكل الوجدان جوهر الخبرة الوجودية بينما يمنح الوجود المشاعر سياقا ومعنى. يعد الوجدان محركا للوعي بالذات والآخرين”:

– الوجدان كمحدّد للوجود: تعتبر المشاعر والاحاسيس(الوجداني) هي الطريقة التي يختبر بها الانسان وجوده في العالم.

– التجربة الوجودية كمنشئ للوجدان: الحالات الوجودية مثل القلق ,الخوف,أو الحب(حسب الفيلسوف الوجودي الدنماركي سورين كيركغارد والذي يعتبره كثيرون انه الاب الروحي للوجودية) هي نتاج طبيعي للمواجهة مع الحياة والوجود.

2- سمات الثلاثية الققجية وأهدافها:

ان الثلاثية الققجية تقتضي سمات تتميّز بها وهي سمات على ضوئها يتم التناغم والاتساق بين القصص .ق.ج الثلاث للثلاثية وهي سمات كمقياس لمدى الحكائية والقصصية بالثلاثية:

لو تأمّلنا بأهمّ سمات هذه الظاهرة الأدبية الثلاثية نلاحظ أنها تهدف بالأساس الى:

أ- تصوير الواقع.. أي ملمح يميل الى الجانب التصويري؟.

ب – التميّز بالدّائرية (عودة الأبطال بالظهور في معظم المراحل الثلاث).

ج – حصول نفع القراءة من أي مرحلة تبدأ .. مع خيط رفيع رابط بينها.

لعلّ هذا ما جعلنا نعتبر الكاتبة الهام عيسى تنخرط في ظاهرة الثلاثية لتحقّق الملامح الثلاثة السالفة وتحقق الحكائية والقصصية بها.

3- تجليات ثنائية الوجداني والوجودي وفق السمات الثلاث بثلاثية الكاتبة الهام عيسى ” عبور”:

أ- تصوير الواقع.. أي ملمح يميل الى الجانب التصويري؟.

+الققجية الاولى:” باب مفتوح للضمير”

ان هذا الجريح وهو في حالة عبور لم يُثْنه شعوره بالوجع على التفكير في هذا العبور ولعله العبور من الدنيا الى الموت وهذا العبور هو قدر الانسان .

وكأني بالإنسان إزاء عجزه أمام الوجع وأمام الموت يسعى الى التعويض بتخليد ذكره بعد الموت.

كأني بهذا الجريح وهو يخط وصيته بدمه يردّد قول ابن دريد في الحِكَم:

انما المرء حديث بعده// فكن حديثا حسنا لمن وعى

و”انما المرء حديث بعده” هي حكمة عربية بليغة تعني أن الانسان لا يبقى منه بعد موته الا ذكره الحسن وسيرته الطيبة بين الناس.. وهي دعوة صريحة لحسن الخلق واغتنام الحياة في العمل الصالح ليظل أثره طيبا.. والانسان قصة تروى وسيرة تنقل وعليه ان يجتهد لتكون قصته جميلة فالأيام تمضي والبدن يضعف ولا يبقى سوى الذكر الحسن والعمل الصالح الذي يخلد ذكر الانسان بالخير بعد موته بدلا من سوء الذكر.

انها حكمة تشير الى ضرورة التفكير في كيفية ذكر الناس للانسان بعد رحيله.

ان ذكرى هذا الجريح الطيبة مع الشوارع والازقة والبيوت العتيقة و التي تسكن وجدانه ومشاعره جعلته يعتبرها بابا مفتوحا لضمائر العالمين.

كأني بهذا الجريح من خلال وجدانه يختبر وجوده بالعالم فتيقن ان وجوده هو ذكر حسن بعده و باب مفتوح للضمير .

ولعل هذه القصة توحي بالمسكوت عنه وهو ما يمكن أن يكون ذكر من تسبّب في ضحايا مثل هذا الجريح وهل أن باب الضمير مفتوح لديه؟؟؟

+ الققجية الثانية:” أبدية البقاء”

ان الشخصية الأنثوية في هذه الققجية توازن بين نور الوجود (نهضت من تحت ركام أفكارها, اختارت الضوء مسلكا) ويقين الوجدان( أمسكت يده المرتعشة .)

والكاتبة قد عبرت عن ذلك بامتياز باستخدام جملة جمعت بين الايجاز والتكثيف(أنا هنا معك, لن أتركك).

فالشخصية هنا بقدْر ما عبّرت عن تعاطفها وجدانيا بقدْر ما جعلت وجودها مرتبطا بوجوده:

– الوجداني :(أنا معك) وهنا يتوازى ضمير المتكلم المفرد مع ضمير المخاطب المفرد ليُصبحا كالخطيْن المُتوازييْن المندغميْن فيتماهى ضمير أنا مع ضمير أنتَ وجدانيا ويكون التقاطع بينهما مع مختلف المشاعر وجعا وخوفا وقلقا و طمأنينة…

– الوجودي: (لن أتركك) لقد جعلت الشخصية المتكلمة قدَرَها مرتبطا بقدَر المخاطَب ووجودها هو وجوده .

والكاتبة قد عبرت عن هذا التكامل الوجودي باستخدام لن الزمخشرية التي تنفي الحاضر والمستقبل .

وبالتالي فان الشخصية المتكلمة تقاسم المخاطب وجدانه ووجوده .

ولعل الكاتبة هنا تفطّنت الى فضول القارئ وجعلت المخاطَب يتحرّك وجدانيا ووجوديا:

– وجدانيا: يقول المخاطب:” منذ عرفتك طلّقت الوحدة” والكاتبة هنا تشي بالعلاقة الشرعية بين الذكر والأنثى إذ لا وجود بدون علاقة.

– وجوديا :يقول المخاطب:” وها أنا أشمّ عبق البقاء وإن أُطبِقتْ شفتاي حتما سيطول اللقاء في الضفة الأخرى” والكاتبة هنا توحي للقارئ بان الموت ليس نهاية بل للإنسان حياة أخرى لا تنتهي.

ومن ثمّ لعل الكاتبة تشرّع لعنوان الثلاثية “عبور” باعتبار ان الحياة الدنيا هي جسر عبور للحياة الأخرى حيث يستمرّ اللقاء من جديد.

وفي هذا الاطار بين الوجداني والوجودي قد يتدخل القارئ ليستحضر العلاقة الوجدانية بين آدم وحواء هذه العلاقة التي كانت سببا في الوجود ككلّ.

+ الققجية الثالثة: “انتماء”

ان شخصية الققجية الثالثة بقدْر ما آمنت بقدَر الموت بقدْر ما تحدّتْ معنى الموت ليتحوّل الى ارتقاء (لم يعد مفرّ من الاجراء, فالموت لا يعني الكثير لمن أدرك معنى الارتقاء)

لقد ساعدها وجدانها على الوصول الى هذه الحقيقة حيث تغلبت على مشاعر الخوف(حلقت بجنا حيها فوق جسور الخوف واجتازت العتمة تلوي تحت قدميها العاصفة).

ان الكاتبة استطاعت بامتياز ان تجعل لدى الشخصية هذا التكامل بين الوجداني والوجودي لعلها تقنع القارئ بان أدخلتها في مونولوغ يلازمها لتجد نفسها بين انعاش لوجدانها وقلق ينهش روحها.

ان هذا المونولوغ الملازم لها جعلها بين احساس وتأمل بين وجدان مطمئن وتأمل وجودي غير مريح وهوقلق وجودي.

والقلق الوجودي حسب الفيلسوف سورين كيركغارد” ليس مجرد معاناة بل هو ضرورة وجودية وابداعية.. إنه المحفّز الذي يدفع الانسان للانتقال من حالة الغفلة والتسطح الى حالة البحث عن المعنى الحقيقي للحياة”(1).

ان أهمية القلق الوجودي لدى كيركغارد كان لها اثر كبير على الفلسفة الوجودية الحديثة لدى هايدغر وسارتر.

وفي هذا الاطار فان الكاتبة الهام عيسى تتقاطع مع الفيلسوف كيركغارد الوجودي بان انتقلت من حالة الغفلة الوجدانية المطمئنة الى حالة البحث عن معنى للحياة حيث دفعها هذا القلق الوجودي الى اعتبار ان الموت ارتقاء من ناحية وهي لحظة تتحد فيها الخريطة مع البوصلة من ناحية اخرى.

والجمع بين الخريطة والبوصلة حسب المختصين يحول البيانات الرسومية(الخريطة) الى خطة عمل واقعية(الاتجاهات بالبوصلة) مما يضمن الدقة والامان في السفر والرحلات بمطابقة الاتجاهات الجغرافية على الخريطة مع الاتجاهات الفعلية على ارض الواقع.

ان الجمع بين الخريطة والبوصلة معا يجسد التحديد الدقيق للموقع الجغرافي والقدرة على التنقل بفعالية في البيئات غير المألوفة وهو دمج بين “أين أنت؟”(الخريطة) و”في أي اتجاه تذهب؟”(البوصلة).

وفي هذا الاطار فان الكاتبة قد جعلت من التجاور بين الطمأنينة الوجدانية والقلق الوجودي لحظة الغياب والتماهي بين الانتماء (الخريطة) والمصير (البوصلة).

ب – التميّز بالدّائرية (عودة الأبطال بالظهور في معظم المراحل الثلاث).

تتميز الثلاثية الققجية بالدائرية من خلال عودة الابطال في معظم المراحل الثلاث:

فالشخصية الجريحة بالققجية الاولى كانت فاعلة في الشخصية المؤازرة لها بالققجيتين الثانية والثالثة وفق ثنائية الوجداني والوجودي.

وبالتالي فان خيطا رفيعا يربط بين مراحل الثلاثية الققجية:

ج – حصول نفع القراءة من أي مرحلة تبدأ .. مع خيط رفيع رابط بينها:

ان من سمات الثلاثية الققجية ان يحصل نفع القراءة من أي مرحلة تبدأ:

+ الققجية الاولى : ان التكامل الذي عاشه الجريح بين الوجداني والوجودي عاشته الشخصية الأنثى في الققجية الثانية والققجية الثالثة.

+ الققجية الثانية ان ما تعيشه الشخصية الانثى بين الوجداني والوجودي تَجسّد في العلاقة التي تجمعها بالجريح في الققجية الاولى.وما تعيشه الشخصية الانثى من تكامل بين الوجداني والوجودي تواصل في الققجية الثالثة مع الشخصية الانثى ليصبح التكامل بين الوجداني والوجودي دمجا بين الانتماء الوجداني(الخريطة) والمصير الوجودي (البوصلة) بالققجية الثالثة.

+الققجية الثالثة: ان الشخصية الانثى التي تعيش انتعاش الوجدان وقلق الوجود مما جعل الانتماء يتحد مع المصير في الققجية الثالثة هو نتيجة العلاقة المزدوجة بين الوجداني والوجودي و التي ربطتها بالجريح في الققجية الثانية التي اصبح الموت فيها بمعنى الارتقاء

كما انها نتيجة حتمية لما حدث للجريح الذي يعتبر الموت جسر عبور من الدنيا الى الآخرة في الققجية الأولى.

ان الكاتبة باستخدام تقنية الثنائيات الذكر والانثى والوجداني والوجودي والدنيا والضفة الاخرى والموت والخلود والخريطة والبوصلة قد استطاعت أن تثير في كل مراحل الثلاثية الققجية جدلية الوجداني والوجودي في الادب والتي تجسد قلق الانسان الوجودي وسعيه نحو الحقيقة بالربط بين الوجدان الذاتي والتزام الفرد في الواقع..

انه الجمع بين تأمل العالم الداخلي(الوجداني) والعمل الفعلي في الحياة اليومية(الوجودي)

سلم قلم الكاتبة الهام عيسى الذي برع بامتياز في الموازنة بين الشكل الجذاب وعمق النص لزيادة التأثير السردي في الثلاثية الققجية من ناحية وتسليط الضوء على ثنائية الوجداني والوجودي التي برزت في كل مراحل الثلاثية الققجية والتي ارتقت بها الى العالمية مع النزعة الوجودية.

المرجع:

(1) القلق الوجودي- جدلية الحرية والايمان في فلسفة سورين كيركغارد- مركز دلنا للابحاث المعمقة/ فلسفة وميتافيزيقا -05/ 07/ 2025.

الثلاثية الققجية “عبور”

عبور

بقلم الهام عيسى

القصة الأولى

باب مفتوح للضمير

اتكأ بقدمه الدامية على الرصيف المؤدي إلى ساحة العبور.

حمل بيده وصيّته، كان قد استنزفها من وجدانه ثم اختطّها بدمه، حاملاً في قلبه الشوارع والأزقة والبيوت العتيقة.

ترك بابه مواربًا كي يسبح صوته في الفضاء ويحلق نحو ضمائر العالمين!

القصة الثانية — أبدية البقاء

نهضت من تحت ركام أفكارها، اختارت الضوء مسلكًا، أمسكت يده المرتعشة وقالت له:

أنا هنا معك، لن أتركك.

فيما كان غارقًا في ترسيخ الخلود بطريقته، مرددًا:

منذ عرفتك طلّقت الوحدة، وها أنا أشم عبق البقاء، وإن أطبقت شفتاي حتمًا سيطول اللقاء في الضفة الأخرى!

القصة الثالثة — انتماء

لم يعد مفرّ من الإجراء، فالموت لا يعني الكثير لمن أدرك معنى الارتقاء.

حلّقت بجناحيها فوق جسور الخوف، واجتازت العتمة، تلوي تحت قدميها العاصفة.

اتكأت على صحو واتقادٍ منولوجي لم يعد يفارقها.

كانت الكلمات شجرة تنمو أغصانًا تورق وجدانها، فيما القلق ينهش روحًا سكبت طاقاتها في كأس الغياب حتى دنت لحظة صمت كانت هي الخريطة والبوصلة معًا.

الهام عيسى
الهام عيسى
المقالات: 5359