الشاعر فتحي مديمغ يقدم ديوان مشاعر للشاعرميلاد محمود ميلاد

تقديم ديوان ***مشـاعر***
للشَّاعر **ميـلاد محمود ميـلاد**
***
بقلم الشّاعر **فتحي مديمغ**
***

**بين الأهلِ و الوطنِ و الحُبّ و الأمْنياتِ**

القارئُ عادة ما يمرّ بأربعةِ مواقفَ قبل اقتناء كتابٍ ما… يُحدّد موقفَهُ المبدئيَّ من الكتاب عن بُعد… ألوانٌ جذّابةٌ و إخراجٌ أصدقُ ما يكون في دلالتِه على المحتوى ممّا يتّفق خارجُهُ مع داخِلهِ فلا يُوصَف بالصّبغة السّطحيّةِ ويَسْتهْوِي الفهْمَ و يستقْطِبُ التّفكيرَ و يَسْتَثِيرُ الغريزةَ التي تسُوغ مَوازينَ القراءةِ و الاسْتِيعَابِ و التّمْييزِ…

ثمّ مَوقفٌ ثانٍ عند أخْذ المخطُوطِ بين يديه… ليتحَوَّلَ الزّمَنُ إلى أزمَانٍ… و تتُوقُ النّفسُ إلى تصفّحِ مشاعِرِ الشّاعِرِ و كشْفِ خَبَايا أنّاتِهِ بعِيدًا عَن مُؤثِّراتِ الكوْنِ حِين تَحْمِلُهُ المعاني خارجَ الزّمَنِ و تَتغنّى به ترانِيمُ العزفِ على مُفرداتِ الوجَعِ…
ثمّ مَوقفٌ ثالثٌ… ليَطّلع القارئُ على غلافِه الخَلفيّ حيث المُلَخّص الغامِضُ الثّريُّ بطَلامِسِ الشّاعر **ميلاد محمود ميلاد** من خلال مخطوطه **مَشَـاعرُ** أيْن تَقبَعُ الأحْجِياتُ المُرادُ تَعْرِيتَهَا و الغَوْصَ في تفاصِيلِها… لِيَجدَ القارئُ تفـــوُّقًا إبداعيًّا و فَنيًّا كبيرًا و مُمَـيَّزًا ناجمًا عن تمَحّـصٍ حياتيٍّ عَميقٍ حَوّله الشّاعرُ إلى نبضاتِ قلْبٍ مُفعمٍ بالإيحائيّة و الواقعيّةِ ليُعطيَ للمعاني حياةً و للمُفردَاتِ حَرَكيَّةً ذاتِ تأثيرٍ و تأثُّرٍ…
( صفحة 12 / سطر 07 : “الإهْدَاء” :
أهْدِي مِن مُبَاحِ البَوْحِ، بعْضًا مِنِّي، مُحْتَفِظًا بسرِّي… ).
مِمّا أعطى للمُنجَزِ دورا كبيرا و فعَّالا في حَراكـ الحرُوف التي خَطّتْ المعاني و أضافتْ انسِيَابِيّةً شِعْرِيَّةً في صَقلِ الرّوحِ و تطويرِها في علاقتِها بالمُحيط فحلّقَتْ إلى مسافاتٍ وَ مَدَاراتٍ و أبْعادٍ أوسَعَ.
( صفحة 13 / سطر 01 إلى سطر 11: قصيد “ليس ذنبي أن تقولَ: ”لستَ شاعر” :
ليس ذنبي
أن أكُونَ
في رُؤاكَـ
بعضَ شاعرٍ
أن تجِيشَ
سرائِرُ
و مشاعِرُ
أن أبُوحَ
بالمعاني
أن أجَاهِرَ
ليس ذنبي أن تقولَ:
“لستَ شاعر”… ).
فَحِبكةُ الدّرامَا الشّاعريّةِ عميقَةٌ، عارَكَـ بها الشّاعرُ مَطبّاتِ الحياةِ بين الأهلِ و الوطَنِ و الحُبِّ و الأمنيات… و اختبرَ تجاربَ عَديدةً في تقلُّباتِها بأن ارتقى بعلاقاتِه إلى حدّ العبادة و الطّهارةِ العلائِقيّة…
( صفحة 18 / سطر 01 إلى سطر 12: قصيد “أهلِي”:
كالبدر جادت بها
سماءُ القدر تاجًا
زان هَاماتِ رُبايَ
حوْلَها كواكبُ ثلاثٌ
أضاءت من سحرها
هم ابني و بنتايَ
هم أربعُ
كنفيسِ اللّآلئِ بأفْقِي
ككريم الأحجار في عُلايَ
ما كان إلى سواهم مِعرَاجِي
بل هم قِبْلَتِي و مَسْرايَ… ).

و ينتقلُ الشّاعرُ بين الإبداع و التّجديد في مُراوحةٍ فنّيّة بين قصيد النّثر والقصيد الموزون (قصيد ”أنا و هي” ص ص 21/22 و قصيد ”رسالةٌ إلى أبي” ص ص 23/24 و قصيد ”حنينُ طفلٍ هَرِمٍ” ص ص 36/37 و قصيد ”دُرُوب الحياة” ص ص 51/52) و أيضا تفنّنَ في عدم استقرار الأحداث وديمُومةِ الاعترافِ…
كما نجدُ عندَ الشّاعر **ميلاد محمود ميلاد** في ديوانِه **مَشَـاعرُ** تفـــوُّقًا إبداعيًّا و صُورًا جميلةَ مُبْتكرةً و خَيالاً واسعًا و أسلوبًا رَشيقًا شَائِقًا مُعَبِّرًا و مُباشِرًا دونَ وَسَاطَةٍ لتَقَبّلِ البيانِ بأن جعل من تجربته مِعيارًا يقيسُ به ثِقَلَ أعباءِ الحياةِ في سرديّةٍ وَعْرَةِ الإيحاءِ غزيرَةِ المقَاصِدِ فُسيْفُسائِيَّةِ التّركيبِ يَعْسُرُ تفكِيكُها خارجَ إطارها الزّمانيّ و مَوقِعِهَا بين الباثِّ و المُتقبّلِ فِي تنَاسُقٍ…
( صفحة 40 / سطر 01 إلى سطر 13: قصيد “رحْلةُ مُعلّمٍ”:
ثلاثةُ عقودٍ
و نصفٌ و نيْفٌ
من حجج العمر
برسالة الأنبياء
ضمن صفوة الصّفاء
معلّما ربّي حباني
تعلّمتُ، ثمّ علّمتُ
ثمّ علّمتُ
و بما تعلّمتُ علّمتُ
بحكم القدر و المصير
بصدق السّعي و الضّمير
أدّيتُ الأمانةَ
بصفاء غدَقٍ وجداني… ).
فَيغتصبُ نفسَ القارئ و يُجبرهُ على مُواصلةِ تتبّعِ القصائِدِ رغم تداخُلها المقصُودِ أحيانا والعَفويّ أحيانًا أخرى.
فتجربةُ الشَّاعر ” ميلاد محمود ميلاد ” من خلال مُنْجَزِه ”مشاعِرُ”… رحلةُ حياةٍ حَرَّكـتْ الحُروفَ و خطّتْ المعاني و أضافتْ

انسيابِيّةً أدبيَّةً في تطويعِ أقفالِها و تحْرِيرِ طلاسِمِها مِن أغلالٍ باتتْ تُنشِدُ للإنسانيَّةِ حرّيَّةً مَقاسُها مَفاتيحُ مُتمَرّدَةٌ مُعلِنَةٌ تَحَرُّرًا بين السُّطُورِ و انْعِتَاقًا من أجل صَقلِ وتطويرِ أدواتِ الفهمِ و استيعابِ الحِسِّ المُرهَفِ لدى الشّاعر في تقبّله للآخرِ وفي تسامُحِهِ و سَمَاحَتِهِ…
( صفحة 63 / سطر 01 إلى سطر 13 : قصيد “قُلُوبُنا مخازنُ” :
قلوبنا،
مخازنُ حُبّ على الدّوامِ
و نحن
أصحاب المكارم أبناء الكرام
لنا عقيدتُنا،
و لكلّ مَن خالفَ دينَنَا
نحن نكنّ التّقدير و الاحترامَ
و لسنا
على مَن لا يَدِين بديننا
متهكّمُون، أو أصحابَ ملامٍ
في صمتٍ:
لنا ديننا و لكم دينكم
في الحياةِ، في الجائزِ و في الحرامِ… ).
فقد استعمل الشّاعر الكثيرَ منَ الرُّموزِ و التّوظيفِ الدَّلالي للمعاني والمواضيعِ التي يُريدُهَا و يَبتَغِيها، فجعل مِن تجربتِه الذّاتيّةِ هدَفًا مُباشرًا للتّقصّي و التّحليل بأن عَرّى مَقَاصِدَهُ للمتقبّلِ و أبانَ على هَشاشةٍ مُلفتَةٍ للانتباه بجعل نفسِهِ على مِحكِّـ التّقييمِ و التّقويمِ…

التّقويمِ…
( صفحة 84 / سطر 01 إلى سطر 10 : قصيد “صفحاتُ العمر” :
تتطايرُ
صفحاتُ العمر…
و الموتُ على الأعتابِ
و إن طالتْ سنواتُ العيشِ
فما هي إلاّ اقتضابٌ
فالمنيّة تخبطُ
خبطَ عشواء
لا تميّز المُسنَّ أو الشّابَّ… ).
( صفحة 93 / سطر 01 إلى سطر 12 : قصيد “المُنبتُّ” :
أيّها المُنبتُّ
القابعُ في غياهِبِ
سجنِ دُجَاكـ الرّهِيبِ
أيّها القانعُ الخانِعُ
يا مَن ارتَضيْتَ
جمُودَ العيش الرّتِيبِ
أيّها التّائهُ
في ملكُوتِ النّسيانِ
تنادي و ما مِنْ مُجيبٍ
تُجْبِرُ العثَراتِ
و لا تجدُ لاحينَ عثْرَتِكَـ
مَنْ هو منكَـ قريبٌ… ).

الهام عيسى
الهام عيسى
المقالات: 5371