قراءة نقدية لنص زهرة الغضب للشاعر كرار ناهي بقلم الناقدة سعيدة بركاتي

عين على نص ” زهرة الغضب للشاعر كرار ناهي / العراق
بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/ تونس

#القراءة :

زَهْرَةُ الغَضَبِ

حين تقرأ العنوان ” زهرة الغضب ” و هو العتبة التي ستفتح لنا الباب للغوص في غمار النص .

لا تستطيع التمييز في نوع هذه الزهرة ” لكن نحن على يقين أن هذا الانزياح يؤكد ” عُمر او سن الزهرة ” بين الطفولة و الشباب ، لتقترن بالغضب !!!؟؟

التساؤل كبير في عتبة النص : العنوان ؟؟؟

السَّماءُ امتلأتْ بطيورٍ من حديد!

الأرضُ من فرطِ سعادَتِها،

قبَّلتِ النجوم!

تحديد المكان و ما فيه : سماء امتلأت بطيور من حديد / لا يوجد فاعل ملأ السماء بهذه الطيور : استفهام جديد حول نوعية الطيور ؟ / فهي من حديد ؛ جعلت الأرض سعيدة فقبلت النجوم : مشهد فيه من التناغم بين الأرض و السماء و نجومها : مشهد فرح و كأنه احتفال في الفضاء الذي يفصل الأرض عن السماء وصل عنانها حد تقبيل النجوم .

لقد خرجَ الفجرُ من حنجرةِ الديكِ ذهبيًّا

يلمعُ،

كأنَّهُ سنابلُ قمحٍ.

صورة الديك فجرا : هو الآذان و ولادة جديدة شبهها الشاعر بذهب يلمع ، هذا المعدن لن يصيبه الصدأ مهما تعاقبت عليه الفصول اقترن بلون السنابل الذهبية :

هذا الانزياح يجسد ” ثقافة الهوية / تُشبه بها النفوس العظيمة والمليئة بالعطاء التي تنحني تواضعاً، عكس “الفارغات” (الفارغة من الحبوب) التي ترفع رؤوسها تكبراً ؛ أما الفجر كان ينتظر ” احتفال السماء و الأرض و النجوم حتى يزداد نوره لمعانا ” كالذهب” ، هذا المعدن الذي تجاوز قيمته المادية إلى دلالاته النفسية العميقة : السمو و النقاء و الصفاء ؛ ارتبط في النص بالشمس و الفجر : مما يوحي إلى القيم الإنسانية الثابتة .

الشمسُ صرختْ من الأعالي:

أنا خيولٌ من نار!

يعود الشاعر إلى السماء و صرختها : ثورة من نار على ظهر الخيول التي تقدح حوافرها نارا حين تتحرك بسرعة .

تجسَّدَ القمرُ أضرحةً من بكاءٍ على وجهِ الطفل.

انزياح جديد إلى الأعلى : القمر / أضرحة / حضور الطفل ، و علاقته بالعنوان : زهرة الغضب : يولد التساؤل و الحيرة في المتلقي !؟ علاقة القمر / اكتماله : يُسمى قمرا إلا إذا اكتمل ، اما بكاء الطفل يكون حين يفقد شيئا مهما في حياته / مفردة الطفل جاءت معرفة ” ال” طفل / فهي تشمل كل طفل كانت على وجهه آثار البكاء . ( أطفال الكون و معاناتهم )

يا يد المسعى الأخير، ساعدي فراشةَ الحقل وهي تنفضُ عن الوردِ رمادَ المعاركِ الخاسرة.

يا خيول اللذَّة، اسبحي بالركضِ الدائم!

يا أبواب الغيب، أبشري بالقادمين.

نداء قوي و مدوي بعد كل مشهد سبق هذا المقطع : طلب المساعدة للفراشة : عادة ما تقترن الفراشة بالزهرة و الوردة / بالطفل و اليافع /

نداء لخيول اللذة : ان لا تتوقف عن الركض : الحركة انتقلت من الركض إلى السباحة : اسبحي بالركض الدائم : نداء و أمر مع تعجب في آخر السطر : كأنه استعطاف عن طريق الأمر الناعم .

لينتهي إلى أبواب الغيب و بشراها بالقادمين : هنا تكتمل الصورة / و السطر أعتبره كمتلقية القلب النابض للقصيدة : أبواب الغيب ستُفتح مستبشرة ” بشهداء سقطوا في معركة : فرحت لها السماء ، قبلت الأرض النجوم لأجلها و ولد فجر جديد مع آذان الديك .

تدرج التكرار الذي كان عنصرا بارزا شد انتباه المتلقي: نداء عادي تحول إلى انفعال ثم إلى صرخة ، صرخة الشمس و صرخة موجهة إلى أبواب الغيب : كلاهما إلى السماء : كالدعاء تماما يوجه إلى السماء ، لكن دعاء النص كان اخباري :

لقد ماتتِ الآفةُ،

واستفاقَ الترابُ حيًّا من التماثيل،

واتَّضحَ الماء.

موت ” الآفة انتصار ” : عودة الحياة حين ” اتضح الماء” فاستفاق التراب ، السؤال : هل هي استفاقة الإنسان فهو من طين و إلى التراب عودته؟ : يحيلنا إلى صورة السنابل و الشمس الذهبية . و وضوح الماء دليل على الرجوع إلى الحياة : حركة النص و انتعاشه

الشمس / النور/ التراب/ الماء : لنعتبر النور هواء / العناصر الأساسية التي تتكون منها الطبيعة: حين تجتمع هذه العناصرتُكوِن مقومات الحياة الأساسية.

من يستطيعُ دفنَ العاصفة؟

استحالة ان تُدفن العاصفة : لن يمتص غضب الطبيعة أحد : حين تثور و يشتد غضبها تأخذ معها كل شيء يعترضها ، حين ” تُشبع” غضبها تهدأ لحالها . و العاصفة في النص حرب تدور رحاها بطيور من حديد.

هذا دم يخنقُ المآذنَ العربيةَ الفصيحة

هذا دم،

لا يُغسلُ إلا بدم!

تكررت مفردة الدم ثلاث مرات ، و التكرار فيه اصرار ، يجلب انتباه المتلقي / المآذن دون غيرها : لا معابد و لا كنائس : إشارة إلى المسلمين ، نداؤهم التوحيد للإتحاد و التآزر ، لكن الدم خنق الحناجر ، وصل هو الآخر إلى آخره و قبر الدم هذه الأصوات : إشارة إلى العين بالعين و السن بالسن و البادئ أظلم /دم لا يغسل إلا بالدم .

الموتُ لوحشِ اليابسة،

الحياةُ لزهرةِ الغضب.

قفلة و كأنها آخر قرار : وحش اليابسة هو كل من تجرد من الإنسانية نصيبه الموت أما الحياة هي لزهرة الغضب .

أجمل ما في النص أنّه يبني جماليته على الإزاحة:

السَّماءُ امتلأتْ بطيورٍ من حديد! / فلا حديد طائر في السماء غير : الطائرة و الصواريخ و كل قذيفة كانت من نار / الحالة و الوضع حرب /الأرضُ من فرطِ سعادَتِها، قبَّلتِ النجوم!/ الصواريخ انطلقت من الأرض حد النجوم / أصبحت هي النجوم التي تضيء السماء ؛ سماء العدو .

الفجر / السنابل / الشمس تصرخ / الخيول من نار : فرسان حارقة في سرعة عدو خيولها .

القمر أضرحة من بكاء/ و المشاهد تتوالى بسرعة كأنها مشاهد كُتبت بطريقة سيناريو …

النص تسارعت و تكاثفت فيه المشاهد و الحالة آنية : حرب تدور رحاها في منطقة ” اسلامية” و الدليل مفردة ” المآذن” .

لم يخلو النص من التناص القرآني : السماء و الطيور كانها طيور أبابيل حجارتها من سجيل .

الفجر : قسم الإله : و الفجر و ليال عشر .

الشمس : و الشمس و ضحاها …

الخيل : و العاديات ضبحا …

الشاعر نقل المشهد بكل دقة ، إلى أن وصل إلى الحركة المكثفة في النص و التي كانت من الأرض إلى السماء ثم رجعت إلى الأرض لتعود إلى السماء : رنين جرس النص ايقاعه عنيف و قوي و مدمر ( صوت الطائرات : طيور من حديد ).

النص دائري الشكل في حركته انطلاقا من العنوان و وصولا إلى قفلته ، أما الشاعر فهو نقطة الإرتكاز لنقل الأحداث بكل دقة .

يتضح جليا أن النص مستوحى من واقع وجودي انزاح في وصفه إلى الطبيعة : الانزياح إلى الطبيعة في السياق الأدبي والنقدي يدل على العدول عن اللغة المألوفة والتوجه نحو استخدام مفردات الطبيعة كرموز فنية جمالية، مما يعكس كثافة المشاعر، والرغبة في التجديد، والهروب من الواقع النمطي إلى فضاء أرحب وأكثر شاعرية، وهو ما يحقق خصوصية أسلوبية للنص، و هذا فعلا ما وجدته كمتلقية في نص كرار ناهي .

يبقى رأيي الشخصي كناقدة : نصوص كرار ناهي نصوص فلسفية وجودية ، صعب تسلق جدرانها و تفكيك شفراتها ، يكتب بإشارات و ومضات مبطنة المعاني ، يحول العناصر الطبيعية الجامدة إلى كائنات حية، كجزء من الانزياح الدلالي (الإستعارة) لخدمة المعنى.

بقلمي 📝 سعيدة بركاتي/تونس

#النص :

زَهْرَةُ الغَضَبِ

السَّماءُ امتلأتْ بطيورٍ من حديد!

الأرضُ من فرطِ سعادَتِها،

قبَّلتِ النجوم!

لقد خرجَ الفجرُ من حنجرةِ الديكِ ذهبيًّا

يلمعُ،

كأنَّهُ سنابلُ قمحٍ.

الشمسُ صرختْ من الأعالي:

أنا خيولٌ من نار!

تجسَّدَ القمرُ أضرحةً من بكاءٍ على وجهِ الطفل.

يا يد المسعى الأخير، ساعدي فراشةَ الحقل وهي تنفضُ عن الوردِ رمادَ المعاركِ الخاسرة.

يا خيول اللذَّة، اسبحي بالركضِ الدائم!

يا أبواب الغيب، أبشري بالقادمين.

لقد ماتتِ الآفةُ،

واستفاقَ الترابُ حيًّا من التماثيل،

واتَّضحَ الماء.

من يستطيعُ دفنَ العاصفة؟

هذا دم يخنقُ المآذنَ العربيةَ الفصيحة

هذا دم،

لا يُغسلُ إلا بدم!

الموتُ لوحشِ اليابسة،

الحياةُ لزهرةِ الغضب.

كرار ناهي / العراق

الهام عيسى
الهام عيسى
المقالات: 5373