أنا ما أضعت السبيل

__أنـا ما أضعت السبيل__

أنـــا امرأة تعشق الكتب
لا لأنّها تُسلّـيـني
بل لأنّها الشيءُ الوحيد
الذي لا يخـون
حين أُسيءُ فهم نفسي
—-
الكتاب رحلة بلا وجهة
تأخذني إلى كل الوجهات
——
أحــبّ الهدوء…
في حضرة كتاب
لا كـسلام
بل كهدنة مؤقّتة
مع الضجيج الذي أُخفيه
أخلعُ اسمي
وأتجـوّل
بأجنحة مستعارة
كأنّني
أجرّب حياة
لا تخصّني…

اللغة وطن… لا يُنفى منه القلب
—-
أحــبّ الرجل الذي يتقن الاحتواء
إنْ وُجــد
ذاك الّـذي لا يسيل
نحو القرمز
على شفاه عابرة
ليس لأنّهنّ قبيحات
بل لأنهنّ لا يتقن وضع المساحيق
ولا رسم الحدود
ويستهويهن الصّيد
في البقاع المحرّمة
والرّغـبـة الرخيصة
تُـفـصـح
قبل أن تُــغــري
——
أنا لا أبحث عن رجل
أنا أختبر معنى يحتملني

أحــبّ اللّـيـل
حين يأتي بجنود الكرى
وتذكرةسفر على متن حلم
يخلّصني من مخالب واقع
حافل بالأوبة والحروب
وإراقة الـدّماء
وكسر العظام والكروب
أحبّ اللّـيل
لأنّه لا يطرح أسئلة
يمنحني نومـا
يشبهُ الهروب
وحلما
يشبه الكذب الرّحيم
أمّا النهار
فوقائعـه دامغة
ومذبحة مؤجّـلـة

ليل… أقلّ قسوة من نهار
يعرف كل شيء ولا يبوح بشيء

أحــبّ الـبحـر
لأنه يمتصّ خوف الأمواج
الّتي في نوبة جنون
تصفع وجنات الصّخور
ويهدّئ من روع العواصف
ويسهر ليله يغازل القمر
تغار عرائس البحر
تثور
تستحي النجوم وتغور
أحّب البحر
أحبّه…و يشبهني
حين لا يراني أحد
ثائرة في الـدّاخل
مقنعـة بالاتّساع

البحر كائن يتقن الغفران

أحبّ الرجل أنيق الفكر
الذي تخلّص من عقدة
رابطة العنق
والبدلة (Brioni)
والسيجار الكوبي
وولاعة (Zippo)
تشعل وهْم الرّجولة
رجل فهم أنّ التّفاحة
الّتي تضعف أمام الجاذبية
ليست صالحة للقضم
ولا تغري
إن كانت ساقطة سلفا

رجل أدرك أن السّقوط… ليس قدَرا بل خيارا

أحــبّ الـتّجـربـة
لا كـحكمة
بل كـصفعة
التجربة سفيرة خفية للنّضج
تعلّمنا بقبضتها
ومن لكمات الحياة
ومن الوجع والألم
وتترك على الجسد
سيرة بصمات لا تمحى
وذاكرة الجسد قويّـة
—-
كل ندبة… سيرة ذاتية مختصرة
———
أحــبّ الـقـلـوب
حين تُؤتى علنا من الباب
في وضح النهار
أمّا تلك
المتسلّلة من نوافذ معتمة
فهي لا تستحقّ
وطأ العتبات المقدسة

الوضوح… شجاعة تخذل الحمقى

أحــبّ الـموسيقى
عالمها متداخل الألوان
يطهّـرني من الأدران
ويعمّدني في بـرَد اليراع
الموسيقى
ليست ترفا
بل غسيل داخليّ
لما يتراكمُ فيّ
مني

نغمة واحدة… قد تعيد ترتيب فوضى العدم

أحــبّ الـشّـعـر
أحّب ثَمَل الحروف
وعربدة الكلمات
وتَرنُّـح القوافي
وصبر الورقة على دغدغة
لسان القلم
في قصيدتي أجد أعذارا
لأكون قبيحة
بصدق
وأقول ما لا يُـقال

أنا لا أكتب… أنا أتعافى

أحــبّ سـنـغـور
حين جمعَ ما لا يجتمع
السياسة والشعر
واحتفى بالهوية
والثقافة الإفريقية
وحين قال للأرض
في القرابين السود:
خذي أبناءك
ضحايا… وقادة
——
حين يصبح الشّعر… ذاكرة شعب
———
أحــبّ تـثـاؤب الصّباح
في قريتي البعيدة
وإشراقة الـنّـور
تهتك ستر الظّـلام
وتعرّي حقيقة الذات للذّات
وتلجم خفافيش الرّغبات

الصّباح… اعتراف يومي بالحياة

أحــبّ تعرّج الطّريق
والسّير تحت المطر
أمّا الثّـلـج فلي معه
حكاية أخرى
وهزيم الـرّعد لا يزعج
حمائم حلمي البيضاء

أنـا ابنة الطّريق… لا أخاف انعطافاته

أحــبّ أن أملك الوقت
لو كان يُملك
لأحلّ لغز برمودا
وفي كلّ محاولة
أغرق
في مثلّث أصغر
أنا…وقلبي…
وما أُخفيه عنه

آخذُ بناصية الزمن وعاجزة… عن فكّ لغز قلبي

أحــبّ
أهازيج العائدين من الحرب الأخيرة
برصيد كبير من العاهات
وفي عيونهم ملح الموت
وفي بنادقهم رصاصات يتيمة
شاهدة على الهزيمة الكبرى
—-
أصواتهم… أعلى من كلّ انتصار زائف

أحــبّ
سكرات الهوى
لأنها تفسّر انتحار البلابل
وتجلّي الإله في الهزيع الأخير
من الليل
وحاجـتي إلى الله

النهاية… دائما تعيد
إلى البداية …إلى الله

فائزه بنمسعود
Québec /29/4/2026

الهام عيسى
الهام عيسى
المقالات: 5398